; معركة القوانين الإسلامية في السودان | مجلة المجتمع

العنوان معركة القوانين الإسلامية في السودان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1988

مشاهدات 101

نشر في العدد 884

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 27-سبتمبر-1988

أجاز مجلس الوزراء في السودان خلال الأسبوع الماضي القانون الجنائي الإسلامي. والذي يشكل البديل للقوانين السابقة المعروفة «بقوانين سبتمبر» وبإجازة القانون الجنائي الإسلامي تكون حكومة الوفاق قد استهلت مشوار الوفاء بعهدها في تقعيد الأسس القانونية والدستورية لأسلمة القوانين وقد تبع إجراء إجازة القوانين الإسلامية رفعها إلى الجمعية التأسيسية «البرلمان» حتى تجاز بصفة نهائية لتأخذ طريقها إلى حيز التطبيق وقد علق النائب العام بأن إجازة القوانين الإسلامية يعد نصرًا كبيرًا لحركة الإسلام في السودان وإقامة طبيعية لوضع الأمور في نصابها ومن جانب آخر فقد طالب الأعضاء الجنوبيون في مجلس الوزراء باستثناء العاصمة القومية «الخرطوم» من تطبيق القوانين الحدية حيث أن العاصمة تضم أعدادًا من المسيحيين وقياسًا على الجنوب السوداني ذي الأكثرية المسيحية والمستثنى من تطبيق القوانين الحدية. غير أن قرار المجلس تجاه العاصمة قد أرجئ لتبث فيه الجمعية التأسيسية. 

والجدير بالذكر أن أحزاب الوفاق تتمتع بأغلبية ساحقة في الجمعية التأسيسية مما يجعل إجازة القانون الجنائي الإسلامي في حكم المؤكد.

ماهية القانون:

تحتوي القوانين الجنائية التي أدرجت في جدول أعمال الجمعية التأسيسية «البرلمان» على ما يقارب 200 مادة تشمل قوانين الحدود الإسلامية «القتل والزنى والقذف والسرقة والحرابة وغيرها» كما تتضمن مواد تختص بالأحكام التعزيرية وفقًا للفقه الإسلامي وتباين التصوير القانوني بين الحدود والتعزير وقد جاء اجتهاد فقهاء ديوان النائب العام باتخاذ الإجراءات الأكثر يسرًا كما أن الأحكام تتسم بقدر كبير من المرونة والأخذ بالمبادئ المقصدية في التشريع الإسلامي من رفع الحرج ودرء الحدود بالشبهات والشدة توجب التيسير وما إلى ذلك من القواعد الفقهية وكذلك اتخذت الحكومة بصورة شبه جماعية أن تبقى القوانين الإسلامية الحدية فقط في الشمال ويعفى الجنوب السوداني من تطبيق الحدود إلا إذا طلب المتهم أن يتقاضى وفقًا للقوانين الإسلامية.. وقد وجدت هذه النقطة معارضة واسعة من قبل بعض الإسلاميين كما أنها كانت مدخلًا جيدًا للمزايدة من قبل بعض علماني الحزب الاتحادي الديمقراطي.

معارضة:

في فترة سابقة من الصيف الحالي عقدت قوى ما يعرف «بالتجمع الوطني للنقابات » مؤتمرًا موسعًا في مدينة مدني شنت فيه هجومًا مركزًا على حكومة الوفاق ورئيسها الصادق المهدي والذي كان مدعوًا لحضور جلسات المؤتمر وقد اتخذت عناصر التجمع ذلك الموقف الغريب لإحراج رئيس الحكومة، إلا أن الصادق المهدي قد تصدى في كلمته التعقيبية بلغة المفاصلة الحادة والحاسمة بين هذه القوى وقال ما معناه: «إن الشعب في السودان قد حسم موقفه تجاه هويته وقد انحاز بكل فئاته إلى الخيار الإسلامي وكل تحرك مضاد بعد حركة انتحارية» وكان هذا الموقف قد انصب كالصاعقة على رؤوس عناصر التجمع والتي كانت تأمل أن تحدث بعض الخلخلة في موقف الصادق المهدي، فجاءت النتائج على عكس ما توقعوا.. ومن يومها وعناصر التجمع اليسارية بقيادة الحزب الشيوعي تواصل حياكتها للتآمر ضد التوجه الإسلامي في مجال التشريع كما في المجالات الأخرى.

تخويف:

تطرح القوى المضادة لتطبيق القوانين الجنائية الإسلامية تخوفًا مشوبًا بالتهويل بأن إصرار الحكومة في إصدار وتطبيق تلك القوانين سوف يؤدي بالحتم إلى انفصال الجنوب السوداني عن الشمال حيث إن القوانين قد أتاحت الفرصة لإقامة تشريع إقليمي خاص بجنوب السودان في ما يقارب ثمانية قوانين- الحدود- وقد حاولت العناصر اليسارية أن تثير مسألة إقليمية القوانين بشكل يصعب معه المحافظة على الوحدة الوطنية ودعت الشعب إلى التصدي له باعتباره مؤامرة ضد الوطن!!! ووحدة ترابه وقد تولى كبر الدعوة نقابة المحامين بقيادة اليساري عبد الله الحسن وقد تصدت له رابطة المحامين الإسلاميين وما زالت المعركة تدور رحاها حول أصحاب المهنة الواحدة وأهل السودان يستغربون في أمر نقيب المحامين العجوز الذي غلبت عليه علمانيته التقليدية وانتماؤه لليسار في أن يبصر موقفه العدائي ويكون ولاؤه لغير الله. وفي الجنوب طالبت القوى الإسلامية واتحاد المسلمين الجنوبيين في الأقاليم الجنوبية بتطبيق القوانين الإسلامية في الجنوب وعدم الركون للأصوات الصليبية التي تسعى لمحو الشخصية المسلمة في الجنوب ولعل نظرة الحكومة جاءت بناء على عدم الاستقرار في الجنوب.

مزايدة:

بعض الأطراف المعارضة لإقرار القوانين الإسلامية رأت أن المجابهة العلنية سوف تفقدها تأييد القاعدة الجماهيرية ولذا رأت في نهج حكومة الوفاق ودعوتها لإقليمية القوانين فرصتها السانحة حتى تشبع رغبتها ورغبة أسيادها من الفرنجة في زعزعة الخطوات العملية الداعمة لجعل تلك القوانين في حيز التطبيق وقد تبنى هذا الموقف كثير من علمانيي الحزب الاتحادي الديمقراطي، فرأى الناس فيهم تشددًا وحرصًا على تطبيق الشريعة أكثر من دعاتها الأساسيين «التيار الإسلامي» وبالطبع إن هذا الموقف لم ينطل تمامًا على الجماهير فحيز المناورة فيه واضح خاصة وأن اتخاذ العلمانيين من الاتحاديين له إنما جاء متأخرًا ولم يتخذ شكل الموقف المبدئي وهذا ما يصنفه في دائرة الانتهازية السياسية والمزايدة للتعمية الجماهيرية... وذات الموقف يتبناه بعض ضعاف حزب الأمة وقدامى العلمانيين، وعلى قلتهم إلا أنهم يشكلون خرقًا فكريًا ومبدئيًا في حزب آل علي نفسه طيلة العصور السابقة أن يحمي شرع الله ويسعى لتمكينه في السودان ويذكر في هذا المقام الموقف المتقدم والشجاع الذي وقفه الصادق المهدي رئيس الحزب ضد تعنت العلمانيين وإسقاط أطروحتهم للحكم داخل حزبه.

إجازة:

على الرغم من الظروف التي تجتاح السودان حاليًا من حرب أهلية ومؤامرة طال أمدها ومن كوارث فيضانات أغسطس التي دمرت أجزاء واسعة من الخرطوم وبالرغم من الإشكالات القديمة والقائمة إلا أن قضية الهوية تبقى سنام الإشكالات السودانية. 

وعلى هذا فالموقف في الجمعية التأسيسية لن يأت خارج الخيار الإسلامي، والأحزاب الشمالية الثلاثة الكبرى قد وقعت على وثيقة الاشتراك في حكومة الوفاق وتنص تلك الوثيقة على أسلمة القانون والإعلام والتربية وتأسيس الحياة الإسلامية في كامل النطاقات الحياتية ومصداقية الأحزاب تبدأ بإجازة القوانين الجنائية الإسلامية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل