; معركة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني: فرصة لوقفة مع الذات ومراجعة الحسابات | مجلة المجتمع

العنوان معركة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني: فرصة لوقفة مع الذات ومراجعة الحسابات

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 20-نوفمبر-1984

مشاهدات 49

نشر في العدد 692

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 20-نوفمبر-1984

دراسات سياسية:

بعدم اكتمال النصاب لاجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مساء يوم السبت الماضي تكون «معركة» انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني قد حسمت لصالح قرار قيادة عرفات بانعقاده بعد يوم غد الخميس ما لم يحدث ما ليس في الحسبان أو ما هو طي الكتمان.

ونحن نميل إلى تسمية الصراع بين القوى الفلسطينية والعربية المختلفة حول مسألة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني «معركة» تجاوزًا.. لأن المعارك العسكرية قد اختفت منذ زمن بعيد على صعيد الصراع مع العدو الصهيوني ولم تعد هنالك إلا «معارك» سياسية مهما تشدق مخادع أو تغنى بائس! ولما كان الصراع مع الدولة الصهيونية صراعًا يتسم بالشمول والاستمرارية ولأنه يهدف إلى السيطرة الكاملة على مقدرات الأمة العربية والإسلامية فإنه في مثل هذه الأحوال المأساوية يجدر بالأمة بعامة وبالمسؤولين فيها بخاصة أن يقفوا مع الذات وقفة محاسبة ومراجعة شاملة ولعل الفلسطينيين معنيون بالأمر أكثر من غيرهم.

وإن كنا نعتقد أن هذه القضية - كما أسلفنا قبل قليل - قضية الأمة العربية والإسلامية بأسرها.

تراجع وضياع:

إن دفع القضية الفلسطينية إلى التراجع والضياع إنما تم بفعل جهود عربية بشكل أساسي منذ تفجر الصراع مع الحركة الصهيونية. ومعركة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته السابعة عشرة تؤكد هذه الحقيقة. فالمعركة لها أطراف عديدة لكن أكثر ما يدعو إلى التأمل فيها هو ما كشف عنه صلاح خلف «أبو إياد» عضو اللجنة المركزية لمنظمة التحرير في الكويت مؤخرًا .. من أن هناك قرارًا سريًا عربيًا بعدم انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني. وقد أشار أبو جهاد في عمان... وياسر عرفات في تونس .. إلى أن ضغطًا أميركيًا حمله «ريتشارد مورفي» كان وراء ذلك!

وقد يكون ما كشف عنه مسؤولو فتح بالذات صحيحًا ودقيقًا بغض النظر عن موافقة عاصمتين عربيتين على استضافة المجلس هما عمان وبغداد ونحن نميل إلى أن انعقاد المجلس في عمان بالذات يؤكد تلك الحقيقة ويجسدها لأن المطلوب ألا ينعقد المجلس نهائيًا، أو ينعقد في عمان، والسؤال الذي يبرز هنا هو لماذا لم يمانع مورفي أن يعقد المجلس الوطني في عمان؟

لماذا في عمان؟

وتبادر إلى القول بأن انعقاد المجلس في عمان يجعل «المعركة» السياسية الفلسطينية تتوجه باتجاه مبادرة ريغان وذلك من عدة وجوه:

● فالأردن تناول مبادرة ريغان ودرسها من منظوره السياسي منذ إعلانها ثم أخذ يستعد للدخول في حوار حول المبادرة في خطى مدروسة وخاصة بعد فشل محادثاته مع عرفات في أبريل ١٩٨٣ في الحصول على تفويض بالدخول في مفاوضات نيابة عن منظمة التحرير الفلسطينية.

وتمثلت هذه الخطوات في إحياء البرلمان الذي يمثل الضفتين وتشكيل حكومة جديدة مناصفة بين الأردنيين والفلسطينيين وإعادة تشكيل مجلس الأعيان. وقد تأكدت هذه القناعة لدى الأردن بعد نجاح بيرز في الانتخابات الإسرائيلية وفوز ريغان بانتخابات الرئاسة الأميركية.

ومع أن بعض أنظمة الحكم العربية باتت «تستجدي» الصلح مع العدو الصهيوني منذ هزيمة حزيران «١٩٦٧» فإن النظام الأردني وجد نفسه في السنوات الأخيرة مهددا من كل من إسرائيل وسوريا، الأمر الذي جعله يستجيب ويتجه صوب مبادرة ريغان بالرغم من تشككه في قدرة الإدارة الأميركية على الوفاء بتعهداتها. خاصة لجهة إلزام حكومة العدو الصهيوني بالتنازل ولو عن مساحة بسيطة من الضفة الغربية. وقد أعلن الأردن مرارا عن شكه في المصداقية الأمريكية في مجال التفاهم مع العرب باتجاه حل يرضيهم. 

● والسياسة الفلسطينية باتت كذلك تؤمن بطريق الحل السياسي منذ عام ١٩٧٤، وتأكد هذا الخط بعد الخروج من بيروت عام «۱۹۸۲» يفعل الاحتلال الإسرائيلي للبنان وتواطؤ بعض الأنظمة العربية وبعد الخروج من طرابلس في نهاية عام «۱۹۸۳» على أيدي النظام السوري والليبي والمنشقين. ولما كانت مبادرة ريغان كما عرضت على الأردن تتيح مجالا بل يفضل ابتداء أن يحصل تفاهم أردني فلسطيني مشترك حول صيغة ما، ولتكن الكونفدرالية. كشرط للدخول في مفاوضات «سلام» وجدت قيادة عرفات نفسها محكومة للمضي في هذا الطريق الوعر.

● ومن جهة أخرى وجدت قيادة عرفات نفسها مهددة من النظام السوري الذي لا يعترض أساسًا على التسوية السياسية، وإنما يريد أن يكون هو محورها بل إن الموقف السوري جاء كما لاحظ عرفات منسجمًا مع الموقف الإسرائيلي، عندما منع الطرفان أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني من السفر إلى الخارج، كإجراء لتعطيل انعقاد المجلس الوطني. 

وباستحضار تصريحات قادة المنظمة حول قيام مورفي بالضغط على بعض القوى العربية والفلسطينية لعرقلة انعقاد المجلس الوطني.

ندرك أن هنالك مؤامرة كبرى أطرافها دولية وعربية وفلسطينية تهدف إلى أمر واحد هو دفع القضية الفلسطينية للضياع والتصفية بغض النظر عن حجج أو شعارات الأطراف المختلفة.

لماذا الإصرار؟

وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك كما نعتقد، فلماذا تصر قيادة عرفات على انعقاد المجلس الوطني قبل نهاية الشهر الحالي؟ 

لا شكَّ أن قيادة عرفات ربما كانت تفضل انعقاد المجلس في غير عمان وهو ما أعلنت عنه مرارًا. لكنها كانت تصر على انعقاده قبل نهاية هذا الشهر لسبب سياسي يمكن تلخيصه بعبارة مجلة الوطن العربي: «لأنه سيكون المحطة الأخيرة في ترتيب أوضاع الأطراف المعنية بالتسوية» أو هذا على الأقل ما تأمله الأطراف المعنية أما الأطراف الأخرى المساعدة فهي النظام المصري وبعض الأنظمة العربية الأخرى، وطالما تم استعداد الأردن عبر إجراءاته الأخيرة، واستعداد إسرائيل عبر نجاح بيرز واستعداد الولايات المتحدة بفوز ريغان ومصر بعودة علاقتها مع الأردن فلم يبق إلا البيت الفلسطيني.

وربما يقال هنا بأن عرفات والملك الحسين لا بد وأنهما تلقيا تطمينات بل وتعهدات وضمانات أمريكية قبل أن يغامرا بخوض مفاوضات حول صيغة الكونفدرالية.

وهم:

ومع اعترافنا بحنكة الرجلين إلا أننا نملك أن نقول بأن الرهان على الدور الأميركي من جديد لا يعدو عن كونه أكثر من وهم.

 والذي يجعلنا أن نجزم بذلك أمران:

الأول: هو تشككنا الذي يشاركنا فيه المحللون والمراقبون كوليام كوانت ومحمد حسنين هيكل وجاك أندرسون وهنري كيسنجر حول «جدية» إدارة ريغان في التحمس لموضوع الشرق الأوسط وحول قدرتها على الضغط على إسرائيل إن رغبت في ذلك. ولعل قول أسامة الباز مستشار حسني مبارك وهو من المتحمسين للدور الأميركي أكثر وضوحًا في هذا المجال حيث أوضح يوم السبت الماضي «لكي تتحرك أزمة الشرق الأوسط إلى قائمة الاهتمامات الأميركية يجب أن تكون هناك أحداث في المنطقة تفرض نفسها على الولايات المتحدة قد تكون تحركًا من جانب دولة معينة أو تكون خطر اندلاع حرب، أو تكون خللًا في التوازن بين قوى معينة».

وهنا تكمن المصيبة الكبرى، إذ بمقتضى قول السيد الباز ربما يكون الصراع المتوقع على الساحة الفلسطينية أو الساحة الفلسطينية -السورية، أو الساحة السورية - الأردنية مجرد إجراءات ضرورية لجذب الاهتمام الأمريكي!!

الثاني: وهو يقيننا الذي يشاركنا فيه المسؤولون العرب أنفسهم بأن العدو الصهيوني بالرغم من أزمته الاقتصادية الخانقة، إلا أنه غير مستعد وغير راغب في «السلام»، اللهم إلا في «سلام مؤقت» ككامب ديفيد أو ما شابهه فحكومة «الرأسين» على فرض تراجع الفكرة الصهيونية عن قاعدتها الأساسية «التوسع والعدوان» قد أخذت على عاتقها عدم التصرف في «يهودا والسامرة» خلال عهدها، وهي الفترة التي يخشى الزعماء العرب من قواتها قبل إغلاق ملف الضفة الغربية من قبل إسرائيل وإلى الأبد!!

وقفة مع الذات:

ولما كان الأمر كذلك، فإننا نتوجه بالنصيحة الخالصة للمسؤولين الفلسطينيين قبل غيرهم، بأن يجعلوا «معركة» انعقاد المجلس الوطني فرصة لوقفة مع الذات لمراجعة الحسابات والتأمل مليًا في مسيرة مستقبلية أعمق بعدًا وأكثر شمولًا وأوضح طريقًا. 

ونريد أن نقول إنه من الخير لكم فعلًا أن تنفذوا ما هدد به أبو إياد في الكويت باستقالة «فتح» من منظمة التحرير ودعوا الحكام العرب والمصابين بعمى حبهم أن يمضوا في الطريق إلى مداه، كما فعل السادات من قبل. ولكنكم مطالبون أن تكشفوا الأوراق كلها وأن تعودوا إن قدرتم لعمل جديد لا يراه أحد إلا الله سبحانه، وإن لم تقدروا فإن واجب استنقاذ فلسطين يقع على الأجيال القادمة. ونحن نستبشر بالمستقبل لأن اليهود أنفسهم لا يعرفون السلام بمعناه الحقيقي من جهة، ولإيماننا بأن يقظة الأمة الإسلامية ستكون لهم بالمرصاد من جهة ثانية

والصراع مع اليهود صراع قديم وطويل يشهد بذلك تاريخ الأمة الإسلامية وتاريخ الأمم والشعوب الأخرى؛ ولذلك فإن الأمة الإسلامية تعتبر التفريط بالقضية الفلسطينية تحت أي شعار أو تسويغ، كما قال أكثر من واحد من قيادة عرفات خيانة والخيانة تستحق العقاب واللعن وعدم التفريط بالقضية على أية حال مسؤولية وأمانة لا يتحملها إلا القادة الكبار من ذوي الهمم العالية.

وكلنا أمل في أن تكون «معركة» انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني «محطة» للعبرة والأوبة. وصدق الله العظيم؛ إذ يقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الذريات-55)، فهل تتذكر قيادة عرفات؟ وهل يتعظ الشعب الفلسطيني فيتنبه للصراط السوي؟ وهل تعزم الأمة على مسيرة جديدة؟ ذلك ما نرجوه ونأمله والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 12

284

الثلاثاء 02-يونيو-1970

يوميات المجتمع - العدد 12

نشر في العدد 18

192

الثلاثاء 14-يوليو-1970

أوقفوا هذه المهازل!