; معركة بيروت إنذار لإسرائيل والموارنة | مجلة المجتمع

العنوان معركة بيروت إنذار لإسرائيل والموارنة

الكاتب عبد اللطيف صقر الخالد

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1983

مشاهدات 59

نشر في العدد 636

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 06-سبتمبر-1983

● خلال ساعات برز السلاح من مخابئه، وعاد المقاتلون إلى مواقعهم

● سيكون المسلمون في لبنان قادرين على مواجهة الهيمنة المارونية وإسرائيل

بعد مرور عام كامل على خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، بعد سقوط المدينة تحت سيطرة قوات الغزو الإسرائيلي، لم يذكر أحد المناسبة، ولا احتفل بها؛ لأنها ذكرى أليمة حملت معها كل المآسي، التي نزلت بالمسلمين في بيروت بعد ذلك لبنانيين وفلسطينيين، لكن سكان بيروت تذكروا ذلك، وبحدة عندما شاهدوا فيالق الجيش اللبناني تفتح الشوارع بدباباتها وتقصفها بمدافعها، مدعمة بالقوات المتعددة الجنسيات ولاسيما الأمريكية منها. 

لقد فوجىء الجميع بما حدث، إن إسرائيل دمرت بيروت «الغربية الإسلامية»، ومشطت أحياءها، وفتشت عن السلاح فيها بيتًا بيتًا، ثم أسلمتها للجيش اللبناني ليكمل المهمة، فأعاد التفتيش، وطوق الأحياء، وداهم حتى المساجد والكنائس بحثًا عن السلاح، ثم أقام مراكز ثابتة مدعمة بالدبابات في كل شارع من شوارع بيروت الإسلامية، وحسب الناس أن بيروت قد تخلت عن دورها، وأنها استسلمت للضربة القاضية، التي أوقعها بها الغزو الإسرائيلي والجيش اللبناني، إلى أن كان الأسبوع الماضي، وكانت المعركة الأولى الكبيرة.

انطلقت الشرارة من الضاحية الجنوبية لبيروت؛ حيث حزام البؤس الذي يلف العاصمة من الجنوب، وحيث الأكواخ التي تتكدس فيها العائلات المهاجرة؛ التماسًا للرزق أو هربًا من الانتقام الإسرائيلي في الجنوب، ترددت روايات عدة حول انطلاق الشرارة الأولى للقتال، قيل: إن مجموعة من ميليشيات حزب الكتائب اللبنانية اجتازت منطقة المريجة، وحاولت تعليق صور بشير الجميل «رئيس الجمهورية المنتخب» في الذكرى الأولى لمصرعه، وأن بعض الأطفال في الشارع حاولوا منعهم من ذلك، فأطلق الكتائبيون عليهم النار، ثم فروا إلى مناطقهم. وقيل: إن عددًا من الشباب كانوا يعلقون صورًا لموسى الصدر فتصدى لهم الكتائبيون. وفي مرحلة ثانية حاولت مجموعة من مسلحي حركة «أمل» تعقب مسلحي الكتائب فاعترضهم حاجز للجيش اللبناني، مما أدى إلى نشوب الصدام الأول بين الفريقين، وامتدت المعارك إلى الشوارع والأزقة المجاورة، ووقعت في صفوف الجيش إصابات بالغة، وبرز السلاح من مخابئه في أيدي الناس وكأنه نبت كالعشب بعد غياب عام كامل؛ حتى مدافع الهاون والرشاشات الثقيلة والصواريخ. انطلقت كلها دفعة واحدة؛ لتصيب فيما أصابت بعض مراكز القوة الأمريكية المرابطة قرب المطار، والفرنسية، والإيطالية، وتمتد المعارك لتغطي بيروت الغربية بكاملها، واستولى الأهالي على مراكز الجيش، وبعض آلياته، وسيطروا على محطة التلفزيون الواقعة في تلة الخياط، وطوقوا ثكنة «الحلو» في منطقة مار إلياس، وسيطروا على بيروت بكاملها تقريبًا. 

واستيقظ الأمريكيون على الصدمة، فاستعملوا مدفعيتهم وطائرات الهليكوبتر الضخمة؛ لضرب المسلحين ومراكز مدفعيتهم، وحاول الكتائبيون التدخل لنصرة الجيش، فتلقوا ضربات المسلحين، الذين هرعوا إلى مراكزهم القديمة على خطوط التماس، التي كانت ضربات تفصل بين بيروت الشرقية والغربية لسبع سنوات مضت، ومراكزه في المطار ووزارة الدفاع، وثكناته حول العاصمة. 

كل ذلك حدث خلال ساعات، سواء كانت نتائج المواجهة محسوبة أم أنها كانت مفاجئة، فإن الأمر كان لا يحتمل مزيدًا من التصعيد، فالقوات الأمريكية اعتبرت المواجهة تحديًا لقواتها المنتشرة في بيروت، خاصة وأن المسلحين في منطقة الفنادق طوقوا مبنى ينزل فيه عشرات من المستشارين الأمريكيين، الذي يشرفون على تدريب الجيش اللبناني، فاستدعيت حاملة الطائرات «أيزنهاور» مع مزيد من قوات المارينز، التي كانت تجري مناورات في الصومال، كما أن قوات الغزو الإسرائيلي على بُعد كيلو مترات من بيروت، وتستطيع إعادة الكرة من أجل استئصال جذوة المقاومة اللبنانية المتعاطفة مع منظمة التحرير الفلسطينية، والتي تنزل كل يوم أقصى الضربات بمراكز الإسرائيليين وخطوط تموينهم. وأخيرًا فإن الجيش اللبناني البالغ تعداده ثمانية وعشرين ألفًا، والذي تشرف على تسليحه وتدريبه الولايات المتحدة، هذا الجيش تتركز معظم قواته في بيروت، المنطقة الوحيدة الواقعة تحت سيطرة الدولة اللبنانية كل ذلك حمل السياسيين على تطويق الأحداث والحد من انفجارها بعد اتفاق أولي مع السلطة ساهمت أطراف عدة في الوصول إليه.

قبل أحداث بيروت كان الحكم في لبنان - وخلفه حزب الكتائب والموارنة - يرفض الدخول في أي حوار وفاقي؛ للوصول إلى صيغة مقبولة لحل سياسي يرسم مستقبل لبنان، لكن الحكم بعدما حصل في بيروت أطلق دعوة لكل أطراف المعارضة من أجل الدخول في حوار مفتوح في القصر الجمهوري؛ وصولًا إلى الوفاق الوطني. صحيح أن الدعوة كانت تفتقد آلية التنفيذ، لكنها أقنعت أطراف الحكم بأن المسلمين، الذين استطاعوا في بيروت «المحتلة المحاصرة» ضرب مراكز الجيش وبسط سيطرتهم على المدينة، هؤلاء لن يمكن قهرهم أو تجاوزهم في أي وقت من الأوقات، وإذا كان الجيش مدعومًا بقوات أجنبية عاجزًا عن السيطرة على بيروت وحدها، فكيف ستكون الحال لو رجع الشمال والجنوب والبقاع والجبل إلى جسم الجمهورية بعد انسحاب إسرائيل والقوات الأجنبية؟ إن ذلك أمر مستحيل دون وفاق وطني حقيقي مع القوى الموجودة على الساحة اللبنانية.

وبدأ الجيش يستعيد بيروت شارعًا شارعًا، بعد أن دفع إليها عشرة آلاف من المشاة تدعمهم الدبابات وطائرات القوة الأمريكية، جاء ذلك بعد أن أطلق رئيس الجمهورية نداءه للحوار والتسوية، بعض المراقبين قالوا: بأن المسلمين الذين صدقوا نداء رئيس الجمهورية ووعود الحكومة وقعوا في خدعة كبيرة، لكن الأمر كان غير ذلك، فالاحتفاظ بالسيطرة على بيروت من قِبَل مجموعات مسلحة تسليحًا خفيفًا أمام قوات متفوقة كان أمرًا مستحيلًا، ولذلك فإنه لم يكن أمام القيادات السياسية إلا أن تستجيب للشروط المطروحة، ولو جاءت ناقصة؛ لأن المعركة طويلة وليست فاصلة، ثم إن دخول الجيش إلى بيروت لم يكن أمرًا عسكريًّا، وإنما جاء بعد تنسيق سياسي قامت به أطراف داخلية وعربية وخارجية، ذلك أن حركة أمل كانت تأسر مائة واثنين وأربعين جنديًّا من الجيش، وفي حوزتها عشرون من آلياته، وقد تم تسليم هؤلاء إلى الجيش كجزء من اتفاق يقضي بأن تسري على الضاحية الجنوبية لبيروت «وهي ذات أغلبية شيعية» نفس المعاملة التي تخضع لها بيروت الشرقية «ذات الأغلبية المارونية»، ومعنى هذا أن يبسط الجيش سيطرته على كل مناطق بيروت، وأن يغلق الثكنات العسكرية الموجودة في بيروت الشرقية. ولقد أنجز الجيش جزءًا من تعهده هذا، فاكتفى بوجود رمزي في بيروت الغربية وضاحيتها الجنوبية، وسحبت آلياته وحشوده من الشوارع؛ انتظارًا لمرحلة أخرى صعبة وعسيرة هي دخول الجيش إلى منطقة الشوف الجبلية الدرزية. 

رغم كل السلبيات التي أحاطت بمعركة بيروت، وعلى الرغم من جو الإرهاب، الذي أشاعه اقتحام الجيش، والاعتقالات التي مارسها في المناطق الإسلامية، فإن المعركة حملت مؤشرًا هامًّا استوعبته كل الأطراف ذات المصالح الحيوية على الساحة اللبنانية.

-فإسرائيل تدرك بوضوح أن أي انبعاث لروح المقاومة الإسلامية في لبنان سوف ينعكس أثره على وجودها فيه، سواء كان ذلك في النطاق الإسلامي السُني أو الشيعي. وليس انسحابها من أطراف بيروت إلى النهر الأولي في الجنوب إلا استجابة للضغوط، التي شكلتها الخسائر المادية والبشرية؛ نتيجة العمليات اليومية، التي تمارسها قوات المقاومة اللبنانية ضد القوات الإسرائيلية. 

وإسرائيل تدرك بوضوح أن العمليات الموجهة ضد قواتها وخطوط تموينها تنطلق من قواعد إسلامية في بيروت والجنوب، وأن كسر كابوس القهر الذي كان يرزح تحته المسلمون في بيروت سوف ينعكس على المناطق، التي تحتلها إسرائيل، وأن القوى الوطنية والإسلامية إذا رضيت بأن تهادن السلطة اللبنانية مرحليًّا، فإن طاقاتها سوف توجه بشكل مُركز إلى العدو الإسرائيلي المحتل. 

- والسلطة اللبنانية من جانبها أدركت بعد معركة بيروت أن حلمها بالسيطرة على المسلمين في لبنان بعد الغزو الإسرائيلي كان مجرد وهم خادع، وأن التفوق العسكري المادي سوف ينهار أمام رفض المسلمين لأسلوب الهيمنة، الذي تمارسه السلطة اللبنانية من خلال رفضها السابق لأي حوار حقيقي مع المسلمين في لبنان، وهي تدرك تمامًا أن القوى اللبنانية التي انصرفت خلال الفترة الماضية نحو مواجهة العدو الإسرائيلي وضرب مصالحه سوف تتابع جهدها الرامي إلى تحرير المناطق الإسلامية من أي قهر أو هيمنة تمارسهما السلطة اللبنانية عن طريق جيشها الفئوي الطائفي.

والقوى المارونية الممثلة برموز الجبهة اللبنانية وحزب الكتائب تدرك الآن أن إسرائيل استعملتها أداة لتنفيذ مخططها الرامي إلى تصفية الوجود الفلسطيني في بيروت والجنوب، وأن إسرائيل تعمل لمصلحتها هي لا لمصلحة الموارنة، بدليل أن إسرائيل التي سمحت لميليشيات حزب الكتائب بالتسرب إلى منطقة الشوف الدرزية، هي التي تسمح للدروز الآن بقصف المناطق المسيحية في بيروت الشرقية أو قرى الموارنة في كسروان، وأن معركة «الشوف» لن تكون العقبة الوحيدة أمام الهيمنة المارونية؛ لأن بيروت المقهورة المدمرة استطاعت النهوض من محنتها رغم الدمار، الذي لحق بها ونزع السلاح الذي تعرضت له، وأصبحت قادرة خلال ساعات على مواجهة الكتائب وتصفية مراكز الجيش وضرب مواقع المارينز والقوات الفرنسية والإيطالية في وقت واحد. 

وبانتظار الجهود التي تبذلها السلطة اللبنانية من أجل توفير أجواء مناسبة لحوار وطني، ومدى جديتها في هذا المسعى، سيكون المسلمون في لبنان مؤهلين للقيام بدور أكثر فاعلية وجدية مهما كانت الجهود المبذولة؛ لتعطيل هذا الدور، ونحسب أن الدرس الذي أفرزته معركة بيروت جدير بأن تستوعبه كل القوى الداخلية، والخارجية المتعاملة مع القضية اللبنانية، وإلا فإن الوضع في لبنان سوف يأخذ مسارًا آخر، قد يكون نشوب الحرب الأهلية والتقسيم والتفتيت أخطر مراحله.

الرابط المختصر :