; معركة غزة: انتصار في زمن الانكسار | مجلة المجتمع

العنوان معركة غزة: انتصار في زمن الانكسار

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر الجمعة 28-مايو-2004

مشاهدات 59

نشر في العدد 1602

نشر في الصفحة 23

الجمعة 28-مايو-2004

لبنان؟ ليت غزة مثل لبنان. اتضح أن غزة مثل لبنان توربو «نسخة» محسنة معدلة أخطر وأسوأ بكثير من لبنان. ففي لبنان كانت هناك قواعد للعبة. كانت هناك تفاهمات. ومن انحرف عنها تلقى الضربة مرة نحن ومرة هم. في لبنان سقط ٢٥ جنديًّا بالمعدل في السنة. أما غزة، هذا الأسبوع، فإننا نعد ۱۱جثة منتشرة «أشلاؤها» على مئات الأمتار المربعة خلال ٢٤ ساعة. إنها حالة من الجنون غير معروفة غير واضحة... العميد شموئيل زكاي- قائد القوات « الإسرائيلية »في غزة

الديك الرومي المغشوش «يعلون»، ينتفخ ويهدر بفقاعات صوتية في معبر كيرم شالوم على أطراف غزة على إثر خسارته العسكرية الكبيرة في حي الزيتون ورفح وكأنه يود أن يملأ فراغ فضاء معركته الخاسرة بضجيج صوتي فهم منه «أن غزة ليست لبنان»، وأنه يرفض التفاوض بشأن جنت الجنود القتلى ...

يعلون يعلم أكثر من غيره أن هذه المعركة مع المقاومة خاسرة بل أكثر من ذلك يدرك أن الحرب برمتها لصالح المقاومة في نهاية المطاف لأسباب استراتيجية وأخرى تكتيكية في ظل التطور التكتيكي للمقاومة الفلسطينية الذي اعترف بإنجازه ضمنيًّا رئيسه موفاز حينما قال يحظر علينا الإشادة بالمخربين على النتائج التي حققوها، إن النتائج للأسف مؤلمة بالنسبة لأسر الجنود أولًا، كما أنها مؤلمة بالنسبة للجيش الإسرائيلي ولشعب إسرائيل... بل إن يعلون يستوعب تمامًا أن هذا السحق الوحشي للبنية المدنية الفلسطينية بشريًّا وماديًّا - كنموذج مكثف في حي الزيتون ورفح- ليس إلا وقودًا سيكولوجيًّا شعبيًّا للمقاومة ومحفزًا لها، وزيادة في سماكة جدار الكراهية. أما أن غزة ليست لبنان، فهذا صحيح، فهي لیست لبنان تماثلًا ولكنها تشكل معضلة استراتيجية له ولقيادته أعظم من لبنان لكونها المستنقع العسكري الذي يغوص به جنوده حتى الركب وربما في بعض الحالات حتى التراقي. ناهيك عن الكثافة الديموجرافية وضيق الرقعة الجغرافية التي تعزز المأزق الأول وتزيد من حدثه.

تأثيرات هذا المستنقع- الذي لا يعترف به يعلون- عكستها استطلاعات الرأي في الصحف العبرية، إذا أشارت معاريف في استطلاعها يوم الجمعة14/5/٢٠٠٤م إلى أن ٧٩% يؤيدون الانسحاب من غزة « ٤٠% منهم يؤيدون الانسحاب الفوري و٣٩% يؤيدونه بموجب اتفاق مع الفلسطينيين». كما عكستها مظاهرة أحزاب العمل وياحد وعام أحاد وحركة السلام الآن وحركة الكيبوتسات ومجموعة جنيف في ساحة رابين بتل أبيب يوم15/5/٢٠٠٤م تعبيرًا عن حدادهم على مقتل الجنود في غزة وتأييدهم الصارخ للهروب منها. وكذلك فقد انهار موقع رئيس الحكومة- القاتل شارون- على شبكة الإنترنت جراء موجة من آلاف الرسائل الإلكترونية الاحتجاجية الموجهة من أمهات يهوديات تطالبه بالانسحاب من غزة. وقد انطلقت هذه المبادرة من طرف حركة نسائية سمت نفسها« شوبي » برئاسة د. دالية مجيدو.

يعلون نفسه كان على رأس الفريق الأمني والعسكري الذي تقدم لشارون قبل فترة ليست بعيدة بتقدير موقف مفاده أن الصراع مع الفلسطينيين لن يحسم بالأدوات العسكرية فقط، وبالتالي على السياسيين أن يفكروا بخيار سياسي من نوع ما، وكان هذا التقرير المذكور بداية الضغوط التي أرغمت شارون على سلوك الخيار السياسي الذي ولد جنينه المشوه باسم «خطة فك الارتباط».

 يعلون ورئيس فريقه الإجرامي– شارون – يعانيان من هزيمتين الآن:

فشل سياسي ذريع تمثل في عدم القدرة على تمرير خطة شارون التي شغل الناس بها. 

وإخفاقه في تنفيذها: برغم تسويقها باعتبارها الخيار المنقذ للمأزق الصهيوني وفق رؤية شارون- إخفاق عسكري كبير في معركة غزة تجسد بسقوط عدد كبير نسبيًّا من الجنود. وهو فشل عسكري متميز، بل هو نموذج لعبقرية الفشل التي اخترعها الجيش الصهيوني خلال الانتفاضة الجارية.

هذان الفشلان هما عنوان المرحلة في المشهد الصهيوني، بل يمكن اعتبارهما صورة مصغرة للنتيجة النهائية للصراع الدائر بين الطرفين. وهي حالة لو نظر لها المرء دون أن يلبس نظارة الانكسار العربي لقرأها على أنها انتصار فلسطيني ميداني يحتاج لاستثمار من الغلاف العربي المتخاذل، وربما المتواطئ. 

السؤال المتكرر والموجع أيضًا: أين العرب من هذا المشهد الفلسطيني المثمر برغم تقرح الجراح؟ وأين هم من صوت وفاء المرأة الفلسطينية المحاصرة في رفح وهي تنادي الضمائر العربية المعلبة، وحدثتهم عبر الأثير كيف أنها سقت أطفالها من بولهم بسبب شدة الحصار وانقطاع الماء والكهرباء.

 والسؤال المحير الآخر: إذا لم يقتنع العقل السياسي العربي بجدوى المقاومة وثمارها السياسية، فأين الضمير العربي «إنسانيًّا» من صوت هذه المرأة الفلسطينية المحاصرة؟

المقاومة الفلسطينية قامت بتمزيق النمر الورقي الصهيوني في حي الزيتون ورفح، بينما انحصر الدور العربي بوظيفة الوسيط «المحايد» من أجل استرجاع أشلاء قتلى الجنود الصهاينة ولاحظوا يا أولي الألباب العرب هذه المفارقة السريالية دور عربي وسيط ومحايد بين الفلسطينيين المعتدى عليهم واليهود القتلة!

خلاصة المشهد الموجع: معادلة فلسطينية متمردة لا تخضع لمؤثرات الانكسار رغم ضخامتها، ومعادلة أخرى عربية سريالية لا يمكن تفكيكها بأي لغة إنسانية. والأدهى من ذلك الضمير العربي الشعبي الانتقائي الذي يتحرك وفق معايير غير مفهومة، ربما تفهمها الجامعة العربية. فهو قد تحرك أثناء حصار الفلوجة وأقام الدنيا من أجلها، وهي حركة واجبة ولازمة وتستحق الفلوجة أكثر من ذلك.

ولكن، أليست رفح أختًا للفلوجة في العقيدة والعروبة أليس الدم واحدًا والعدو ذاته؟! أليست هذه حالة من عجائب الضمير العربي المعاصر الذي لا يمكن تشخيص حالته أهو نائم أم يقظ؟ أم أن هناك حالة لا أفهمها أتركها لأهل الاختصاص؟!

الرابط المختصر :