العنوان معركة مزالي عاشور هل انتهت؟
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1986
مشاهدات 71
نشر في العدد 751
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 21-يناير-1986
• حركة الاتجاه الإسلامي تعتقد أن معركة الحكومة ضد المنظمة النقابية تمثل الفصل الأول من معركتها ضد القوى الوطنية الصادقة
• حركة الاتجاه الإسلامي تقف بكل ثقلها مع السيد عاشور
تونس- مراسل المجتمع:
منذ شهر أكتوبر الماضي ومشكلة الاتحاد العام التونسي للشغل مع الحكومة تتصدر الأحداث الداخلية في تونس، ومع مرور الوقت عرفت المشكلة تطورات خطيرة وكشفت الأيام أن المسألة ليست خلافًا عابرًا وإنما هي معركة لها وزنها ودخلها كل من الطرفين بكل ما عنده من ثقل، لقد ظهرت في أيامها الأولى خلافًا حول الزيادة في الأجور، ثم ظهرت بعد ذلك خلافًا شخصيًّا بين الأمين العام للاتحاد السيد الحبيب عاشور ورئيس الوزراء السيد محمد مزالي، ثم دخلت طورًا آخر فظهرت صراعًا بين النقابيين الذين ينتمون للحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم وغيرهم من النقابيين.
ليس هذا هو أول خلاف ينشأ بين المنظمة النقابية والحكومة، فالتاريخ النقابي في تونس مليء بهذه الخلافات، ذلك أن ما كسبه الاتحاد العام التونسي للشغل عبر تاريخه الطويل من رصيد نضالي ومواقف وطنية، وما اجتمع حوله من فئات الشعب أغرى الكثيرين ودفعهم إلى البحث لأنفسهم عن مكان داخل هذه المنظمة، ومما يزيد في قوة الاتحاد وشعبيته أنه ظل يجمع مختلف الفعاليات السياسية والفكرية، كما أنه خاض معارك عديدة من أجل استقلاليته، ولقد بلغت معركة استقلاليته عن الحزب الحاكم أوجبها في أواخر عام ١٩٧٧ وأول عام ۱۹۷۸، فكانت أحداث ٢٦ يناير ۱۹۷۸ التي عرفتها البلاد التونسية وسقط فيها عدد كبير من القتلى والجرحى تم على أثرها الزج بالقيادة النقابية في السجن، ونظمت السلطة مؤتمرًا استثنائيا للاتحاد نصبت فيه قيادة ترضى عنها، وقتها باشر عدد من النقابيين الشرعيين الذين أبعدوا عن الاتحاد العمل النقابي السري، وكانوا ينسقون مع قيادتهم السجينة، وتمكنوا بعد وقت من الضغط على الإطارات النقابية المنصبة وكذلك على الحكومة بما نجحوا في إحداثه من اضطرابات نقابية وتحركات عمت البلاد، وشعر كل الناس أن القيادة النقابية المنصبة لا تملك من اتحاد الشغل سوى مفاتيح بناياته، فبعت السلطة إلى تدارك الوضع.
مزالي يتزعم المصالحة:
وافق ذلك نهاية حكومة الوزير الأول السابق السيد الهادي نويره وبداية حكومة مزالي، وكان السيد محمد مزالي- الوزير الأول الجديد- شاعرًا بأهمية الأمر فشكل اللجنة النقابية الوطنية وكلفها بإعادة تشكيل النقابات الأساسية ومختلف تشكيلات الاتحاد، وانتهى الأمر بعقد مؤتمر قفصة في مايو ۱۹۸۱، وانتهى المؤتمر بعودة القيادات النقابية إلى الاتحاد باستثناء السيد الحبيب عاشور الذي منع من ذلك، ثم بعد مدة قصيرة عاد السيد عاشور على رأس الاتحاد بعد أن رفع عنه الاستثناء.
وأخذ الاتحاد يسترجع قوته ومواقعه، وكانت علاقته مع حكومة السيد مزالي جيدة، ذلك أن هذا الأخير كان واضحًا في ترك الاتحاد يعمل بكل استقلالية، لكن هذه المدة لم تدم طويلًا، فبدأت الخلافات بين الطرفين منذ سنة ١٩٨٣، وظهرت بصورة جلية في سنة ١٩٨٤، واستفحلت خلال کامل سنة ۱۹۸۵، بل إن السنة الأخيرة لم تعرف ودًّا أو حتى هدوءًا بين الجانبين فماذا جرى؟
الاتحاد قوة:
مما لا يختلف فيه اثنان أن الاتحاد العام التونسي للشغل يمثل قوة هائلة لا يمكن لمن يريد أن تحكم البلاد أن يتناساها أو يسقطها من حسابه، فللاتحاد علاقة مباشرة مع الحكومة، إنه هو الذي ينظم علاقة العمال والموظفين معها، وفي كل سنة تنظم جلسات بين الطرفين لإعادة النظر في سياسة الأجور والأسعار، وفي قوانين الشغل والمؤسسات الصناعية والتجارية والفلاحية الكبرى، ولقد ألح السيد الحبيب عاشور على حكومة السيد مزالي خلال السنتين الأخيرتين بضرورة الزيادة في الأجور، وألحت مختلف الأصناف العمالية والمهنية بضرورة التعجيل بذلك.. لكن الحكومة كانت دائمًا تؤجل المطالب، وكانت تبحث عن مخارج للمشكلة، وذلك ناتج عن ضغوط الوضع الاقتصادي السيئ الذي تمر به البلاد.
ونتيجة لتهرب الحكومة نظم اتحاد الشغل عدة إضرابات شملت أغلب القطاعات، ولقد حاولت الحكومة بوسائل مختلفة أن تشل هذه الإضرابات أو تضعها، لكن محاولاتها لم تنجح في كل المرات، هذه الإضرابات المتعددة أمام رفض الحكومة الزيادة في الأجور وتّر الوضع ووسع دائرة الخلاف، فانقطعت الجلسات التفاوضية بين الجانبين وفشلت الوساطات.
صراع من أجل البقاء:
ذلك هو الوجه النقابي للخلاف، وهو مؤثر ولكنه ليس الوحيد، فهناك أيضًا الجانب السياسي له تأثيره على الأحداث، إن السيد محمد مزالي هو الخليفة الحالي لرئيس الجمهورية حسب ما ينص عليه الدستور، لذلك فهو يحكم البلاد بوصفه وزيرًا أولًا وكذلك بوصفه خليفة رئيس الجمهورية، ولو بحثنا عن القوى السياسية المؤثرة في البلاد لوجدنا اتحاد الشغل في صدارتها، هذا الاتحاد الذي يرفض بشدة سلطة الحزب عليه، الذي يحتل فيه السيد الحبيب عاشور المرتبة الأولى، فإذا كتب لأحد أن يكسب هذه المنظمة النقابية لصفه فقد كسب أمرًا كبيرًا في البلاد، لكن السيد عاشور لم يرض بسياسة الحكومة في الأجور والأسعار، بل يقول البعض أنه رجل طموح، وله علاقات جيدة مع شخصيات أخرى طموحة في تونس، ولها موقعها في السلطة، وحتى مواقف الاتحاد السياسية لا تخالف هذا الرأي، فقد رفض اتحاد الشغل أن يشارك مع الحزب الحاكم في الانتخابات البلدية الأخيرة مايو 1985، ورفض أن يصدر موقفًا بشأن الانتخابات التشريعية المقبلة، كل هذا يرشح السيد عاشور إلى معركة مزالي ضده، وهذا ما تم .
ضرب مواقع الاتحاد:
عندما أصدرت السلطة قرارها بإيقاف جريدة «الشعب» لسان الاتحاد العام التونسي للشغل، أدرك السيد عاشور أن المعركة ساخنة فصرح أنه لن يستسلم وأن الاتحاد سيواصل عمله بنفس النشاط واليقظة، ولم يكن يعرف أنه سيوضع في عزلة في بيته بعد مدة وستعلن الحرب ضده صراحة، لذلك صرح في ندوة صحفية أن السلطة في تونس تمقت الحريات مثل سلطة «إسرائيل» أو جنوب أفريقيا العنصرية، وواصل تهجمه على الوزراء الذين يعملون ضده، لكن صوته لم يدم طويلًا إذ صدر قرار بعزله في بيته لأنه حسب رأي الحكومة السبب الرئيسي في تعكير الجو النقابي والمحرك الأول للإضرابات، ثم مورست ضغوط على المكتب التنفيذي للاتحاد من أجل إعفاء عاشور من الأمانة العامة للمنظمة، وظهر في كل جهة عدد من «النقابيين الشرفاء» صرحوا أنهم قاموا ليصححوا مسيرة الاتحاد الذي حاد عن الطريق لتواجد المتطرفين السياسيين فيه.
وقامت الحكومة وأجهزة الإعلام الرسمية بتغطية تحركات هذه المجموعات وتأليب الرأي العام ضد السيد عاشور، واعتقل عدد هام من النقابيين وافتكت دور الاتحاد من الهيئات الشرقية المنتخبة، لكن بعض الشخصيات خشيت مخاطر هذا المنزلق وحاولت التوسط لدى الحكومة للمصالحة بين الطرفين، وبعد مفاوضات عديدة تم لقاء بين وزير الشغل السيد نور الدين حشاد نجل الزعيم النقابي الراحل فرحات حشاد، واتفق الطرفان على تسوية الخلاف، لكن مر الوقت ولم يتم شيء مما وقع الاتفاق عليه، باستثناء إطلاق سراح النقابيين الموقوفين، لكن محاكمات أخرى للنقابيين تواصلت، وتواصلت عزلة السيد الحبيب عاشور، وبدأ التململ داخل الصف النقابي يظهر للسطح، وتحركت القيادات النقابية في الجهات معلنة تمسكها بالأمين العام الشرعي للمنظمة وكل الهياكل الأخرى الشرعية ورفضها الشديد لما يطرحه «النقابيون الشرفاء» ونظمت في ذلك إضرابات عديدة.
على مفترق الطرق:
القيادة السياسية في الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم وفي الحكومة تعيش هي أيضًا هذه الأزمة بكل لحظاتها، وقد اختلفت بها الآراء حول القضية، لكن السيد مزالي ألح على ضرورة مواصلة المعركة حتى يسترجع الحزب الحاكم هذه المنظمة، لكن آخرين يخالفونه الرأي لأنهم يدركون أن ذلك مستحيل.
أما الجهات السياسية الأخرى فقد أعلنت جميعها وقوفها إلى جانب القيادة الشرعية للاتحاد العام التونسي للشغل، وقد وقفت حركة الاتجاه الإسلامي بكل ثقلها مع السيد عاشور وغيره من القيادات والهيئات النقابية الشرعية لأنها ترى أن المعركة التي تشنها الحكومة ضد المنظمة النقابية إنما هي تمثل الفصل الأول من معركة الحكومة ضد القوى الوطنية الصادقة في البلاد.
ومع تواصل الأزمة يظهر أنه من المؤكد أن اتحاد الشغل لن يموت، قد يختفي لوقت قصير بسبب الظروف الصعبة التي يمر بها ولكن ليعود أشد قوة وأوسع قاعدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل