; معروف الدواليبي الذي رحل عنا | مجلة المجتمع

العنوان معروف الدواليبي الذي رحل عنا

الكاتب د. محمد عادل الهاشمي

تاريخ النشر السبت 14-فبراير-2004

مشاهدات 76

نشر في العدد 1588

نشر في الصفحة 42

السبت 14-فبراير-2004

في يوم الخميس ٢٣ من ذي القعدة الموافق 15/1/2004م لاقى وجه ربـه السياسي والدبلوماسي الكبير الدكتور معروف الدواليبي عن عمر يناهز ٩٣ عامًا، وقد أمضى عمره الطويل في العــمل السياسي في سورية وخاض فيها معارك ضد فرنسا، وبعد الاستقلال دخل معارك سياسية ديمقراطية يوم كانت في سورية حياة سياسية حرة وبرلمان تخب من الشعب، ووصل إلى رئاسة مجلس الوزراء، وكان من أبرز زعماء حزب الذي كانت له أغلبية برلمانية في أغلب الدورات النيابية.

كان يرحمه الله رجلًا شجاعًا متدينًا صالحًا لم تفسده السياسة ومزالقها وسراديبها الكثيرة بل كان نظيفًا نقيًا، طاهر الذيل، عفيف النفس جريئًا في أقواله وأفعاله ومواقفه لو استعرضنا سيرة حياته ما وجدنا فيها إلا الجد والعمل والبناء والجهر بالحق والسعي لإعادة الأمة العربية والإسلامية إلىٰ سابق مجدها وعزتها. 

أسرته ودراسته: تنتسب أسرته إلىٰ الصحابي اليماني فيروز الديلمي الذي وفد على الرسول ﷺ وروىٰ عنه أحاديث وامتدت حياته إلىٰ زمن معاوية، وولاه على صنعاء، فأقام فيها حتى وفاته سنة ٥٣ هـ. 

تلقى التعليم الابتدائي في حلب، ثم انتقل إلىٰ التعليم الثانوي فدخل مدرسة الفريرات الفرنسية فدرس فيها سنة انتقل بعدها إلى الثانوية الشرعية التي سميت فيما بعد «الخسروية» وفي ١٩٣٥ م حصل على شهادة الحقوق من جامعة دمشق ثم سافر إلى فرنسا سنة ۱۹۳۹، وحصل على الدكتوراه في الحقوق.

انضمامه إلى الكتلة الوطنية: وقبل سفره إلى فرنسا انضم إلى الكتلة الوطنية التي كان أول رئيس لها هاشم الأتاسي لتقف في وجه المستعمر الفرنسي، وكان معممًا ويطلق عليه اسم الكتلة الشيخ معروف الدواليبي، وخاض مع الوطنية معارك ضد الفرنسيين، وكان يمثل الشباب في الكتلة الوطنية، ومن أكثرهم اتصالًا بإبراهيم هنانو وسعد الله الجابري وكان يخطب الجمعة في الجامع الكبير بحلب في بعض الأحيان، داعيًا الشعب إلىٰ الإضراب ومقاومة الفرنسيين، كما كانت له جلسة وعظ أسبوعية يوم الجمعة في الجامع الأموي الكبير في حلب. 

سفره إلى فرنسا وألمانيا وجهوده فيهما: كان أول عمل قام به حين وصل إلىٰ فرنسا تأليف جمعية الطلاب العرب وقد كلف برئاستها، وبذلك انتقل نشاط الطلاب العرب في فرنسا من المجال الفردي إلىٰ المجال الجماعي ومنذ ذلك الحين أصـبحت هذه الجمعية تدعىٰ للاشتراك في المهرجانات والمناسبات العامة، وكانت لها مواقف وطنية مع الحكومة الفرنسية التي كانت تدير شؤون سورية في ذلك الحين، وتقمع حركات المجاهدين فيها، وتماطل في إعطائها الاستقلال.

 ولما سقطت باريس أثناء الحرب العالمية الثانية وجاءت حكومة موالية للألمان كانت جمعية الطلاب العرب قد بلغت مكانة عالية، حتى إن الألمان صاروا القضايا العربية، ويعدونها برلمانًا يستشيرونها في عربيا؛ لأنها تضم في عضويتها أعضاء من جميع البلاد العربية من شمال إفريقيا إلى سورية.

 وأدى نشاطه في جمعية الطلاب العرب إلىٰ ازدياد النقمة عليه، حتى إنه تعرض لمحاولة للقتل؛ إذ كان بين مئتىّ شخص من سكان القرية التي كان يقيم فيها اتهموا بالمقاومة في هذه القرية وقد قبض عليهم ووضعوا في ساحة، وراح الجنود يطلقون النار عليهم واحدًا إثر واحد.

 وكانت زوجته الفرنسية المسلمة السيدة أم محمد تطل على الساحة وتشهد مقتل الرجال فأسرعت بأقصى طاقتها إلىٰ السفارة الألمانية، وحصلت على الأمر بالإفراج عنه، وكان الوحيد الذي نجا من هذه المقتلة.

 وسافر إلىٰ ألمانيا مرتين للقاء مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، وتعرض في أثناء ذلك للمهالك، ولما اعتقل المفتي في ألمانيا ونقلوه إلى فرنسا، بذل جهودًا جبارة للإفراج عنه وتهريبه إلى القاهرة، وقد لاقي في سبيل ذلك من الصعوبات والمخاطر والعراقيل ما لو فصلنا فيه القول لحسبناه من نسج الخيال ويجد القارئ تفصيل ذلك كله في مذكراته المعدة للطبع في وقت قريب إن شاء الله. 

عودته إلى سورية وانصرافه إلى العمل السياسي: وبعد عودته إلىٰ سورية كان الخلاف بين سعد الله الجابري ورشدي الكيخيا قد استفحل للخلاف الناشئ بين طموح الشباب وتريث الشيوخ في الحزب الوطني، وأدى في النهاية إلىٰ انفصال رشدي الكيخيا عن الكتلة الوطنية الحزب (الوطني) وتأليف حزب الشعب سنة ١٩٤٧، وانضم الدكتور إلىٰ حزب الشعب ودخل معه أول معركة انتخابية، وبعدها حدث انقلاب حسني الزعيم، وحل مجلس النواب، ولما قُضىّ على حسني الزعيم، وتنادىٰ الزعماء لانتخاب مجلس يضع دستورًا جديدًا، اشترك الدكتور الدواليبي مع حزب الشعب لتشكيل هيئة تأسيسية سنة ١٩٥٠م.

 تضع دستورًا للبلاد وكان رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي وألف الدكتور الدواليبي الوزارة، وفي الصباح كان انقلاب الشيشكلي ودخل جميع ماء السجن، ومن داخل السجن الشيشكلي يفاوضه، لكنه كان يصر على أن يعيد الشيشكلي السلطة إلى الشعب، فأطلق سراحه وطلب منه تقديم استقالته، وبقي ثلاث سنوات مصرًا على عدم تقديمها، حتى انعقد مؤتمر حمص ودعىّ المجلس المنتخب وحينئذ قدم استقالته، ثم تسلم وزارة الدفاع سنة ١٩٥٤م. ومن القضايا المثيرة التي أثارها الدكتور الدواليبي - يرحمه الله - في محيط السياسة العربية قضية قبول شراء الأسلحة من الاتحاد السوفييتي الوقت الذي كان لا يجرؤ فيه أحد على الحديث هذا الموضوع، بعد توقيع الملك عبدالله الصلح مع "إسرائيل" سنة ۱۹٥٠م وكان الدكتور الدواليبي وزيرًا للاقتصاد في وزارة خالد العظم، ففي الفترة بدأ الضغط من أمريكا على الدكتور الدواليبي بتلويحها إما أن تختاروا صهيونية وإما هذه أن تختاروا شيوعية وكان هذا بعد مذبحة دير ياسين ونزوح مئات الآلآف من الفلسطينيين، وكان جواب الدكتور الدواليبي للسفير الأمريكي الذي أبلغه هذا العرض أليس هناك خيار ثالث؟ قال: لا، فكان جوابه أنا اختار الشيوعية لأنها تريد أرضًا وسكانًا أما الصهيونية فتريد أرضًا من غير سكان وبعد أيام اجتمع مجلس الجامعة العربية في القاهرة وانفض دون الوصول إلىٰ قرار، فقرر الدواليبي فضح موضوع الصلح والمساومة الذي تتعرض له سورية بعد إيقاع الأردن فيه فاستبقى الصحفيين بعد خروج كل الوفود من وزارة الخارجية المصرية وقال لهم إن أمريكا تهددنا وتضعنا أمام خيارين إما أن تصالحنا مع اليهود وبذلك تنقذنا من الشيوعية وإما ألا نقبل بهذا الصلح فتبتلعنا الشيوعية، فأنا أعلن منذ الآن أننا نختار الشيوعية ... إلخ وقد أحدث هذا التصريح ضحة عالمية.

وسمىّ الدكتور الدواليبي رئيسًا للوزراء أيضًا ۱۹٦١ م، بعد الانفصال بين سورية ومصر، وإجراء الانتخابات ونجاح حزب الشعب فيها وإحرازه الأغلبية في المجلس.

 ولكن جمال عبد الناصر كان يتربص به الدوائر ويكيد له مطالبًا بتنحيته عن رئاسة الحكومة، وكان له ما أراد وتعرض الدكتور الدواليبي للاعتقال مرتين بعد الانفصال.

 وبعد ذلك قام الانقلاب البعثي الناصري الذي أطاح بحكومة خالد العظم واعتقل الدواليبي خرج من السجن في سنة ١٩٦٤ م.

 وبعد ذلك تلقى دعوة من الملك فيصل لقدومه إلىٰ المملكة العربية السعودية فرحل إليها سنة ١٩٦٥ م، بصفة مستشار في الديوان الملكي، وبقي في عمله حتى توفاه الله تعالى ونقل جثمانه إلىٰ المدينة المنورة، حيث ووري ثراها الطيب رحمه الله رحمة واسعة وأثابه على ما قدم لأمته خير الثواب وأسكنه فسيح جناته.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 13

238

الثلاثاء 09-يونيو-1970

ذكرى حزيران.. النصر الذي ننتظره

نشر في العدد 14

116

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!