; معنى أسماء الأنبياء والرُسل «الأخيرة» | مجلة المجتمع

العنوان معنى أسماء الأنبياء والرُسل «الأخيرة»

الكاتب الشفيع الماحي أحمد

تاريخ النشر السبت 30-نوفمبر-2002

مشاهدات 71

نشر في العدد 1529

نشر في الصفحة 56

السبت 30-نوفمبر-2002

زكريا.. الذاكر لله

ينطق اسم نبي الله زكريا -عليه السلام- في اللغة العبرية زخرياه أو زخريا هو، ويترجم في العادة ترجمة حرفية بمعنى «الله يذكر» أو «الله قد ذكر».

غير أن أصل الاسم أو جذره اللغوي فيما يبدو ليس عبريًا، وإنما هو أشوري أو آرامي، وله بالزاي في تلك اللغات صيغ عديدة مثل زكر وزكير بمعنى ذكر، أي حفظ في الذهن وزكرو بمعنى ذكرى أي المنسوب إلى الذكر، وبمعنى الذاكر والحافظ إلى غيرها من المعاني الدالة على خلاف النسيان.

ومن المحتمل -إن لم يكن من الراجح- أن أصل اسم زكريا ولفظه الصحيح ورد في صيغة مبالغة هي «زكّور» أو صفة مشبهة باسم الفاعل من زكر بمعنى كثير الذكر، وعندما أضيفت كثر ذكره، الله تعالى وخضع لقواعد العبرية وطرق نطقها أنتهى إلى لفظ يقيد معنى الذاكر لله، أو كثير الذكر لله، وكلها تعني أو تفيد تسبيح الله تعالى وتمجيد له.

 

يحيى

عندما وعد الله تعالى زكريا -عليه السلام- بإنجاب ولد من صلبه سماه حصرًا وتقييدًا باسم يحيى، وجعل الاسم مقصورًا على ابنه إلى حد التضييق فقال تعالى:

﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (مريم: 7).

وينطق اسم يحيى في العبرية يومانان أو يوحنان، واشتهر بين النصارى بصيغة يوحنا، وهو في أصله العبري مكون من: يهوا وهو اسم الله تعالى وحانان، أو حنان بمعنى حن، ويحن، وتحنن، وكلها دالة على معنى متضمن للإشفاق والرقة، بل الإشفاق لا ينفك عن الرحمة والعطف، ولذلك عبر عنه بالرحمة ليفيد من مجموعة معانيه: بركة الله أو رحمة الله، أو رزق الله.

وخضع الاسم بطبيعة الحال إلى قواعد اللغة العربية وطرقها لينطق على زنة المضارع من حيي، أي يحيى، وليحتفظ أيضًا في نطقه باللسان العربي باسم العلم من جهة وبالأعجمية من جهة أخرى. ككل الأسماء الأعجمية، وذلك لأن الياء حرف أصيل فيه، فإذا أضيفت إليه الحروف التي تضاف لأسماء الاعلام زالت علميته، وإذا بقيت كما هي بقيت الأسمية موجودة فيه ومتضمنة للمعنى المراد.

 

عيسى - المُخلص من الدنس

مثلما بشّر الملك زكريا -عليه السلام- بغلام وعرفه له بالاسم والصفات بشّرت أيضًا مكفولته مريم بابن سينفرد هو الآخر بما أنفرد به يحيى فقال: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) ﴾ (آل عمران: 45 – 46).

ومن الآية الكريمة يتضح أن الله سيسميه المسيح عيسى ابن مريم، فعيسى اسمه والمسيح لقبه، وينسب بالبنوة إلى أمه لأنه يولد من غير أب، فلا ينسب لسواها، ويعرف ويشتهر بتلك النسبة إعلامًا وتمييزًا له عن غيره.

إن الأصل العبري لاسم عيسى هو يشوع، وفي صيغته العربية يسوع بمعنى «يهوه مخلص» أو «من خلصه الله» لأن كل مخلوق قد يتصور أن يشوبه شيء ما، ولكن إذا نقي وهذب مما يشوبه خلص، فيسمى عندئذ خالصًا، والفعل منه مخلصًا، وبذلك يكون أقرب معنى للاسم هو الذي خلصه الله وجعله خالصًا من الدنس.

أما لقبه المسيح فينطق في العبرية ماشيح، بمعنى الممسوح من الله لمهمة بعينها، من الفعل مشا بمعنى المسح أو الدلك بالزيت المقدس الذي يستعمل في تتويج الملوك، ويعود في أصله إلى الزيت المعطر الذي أمر الله -كما يرى اليهود- موسى أن يتخذه ليسكبه على رأس أخيه هارون حين نصّبه كاهنًا وقائدًا دينيًا على الأمة من بعده، ومن ثم تحول إلى تقليد متوارث عندهم يلقب به كل من يملك السُلطة دينية أو دنيوية.

 

محمد ﷺ

اختار الله تعالى لمحمد ﷺ قبل خلقه وإيجاده اسم أحمد، وأحمد يرد في اللغة العربية على صيغة أفعل مبالغة في صفة الحمد والثناء، والمبالغة في أصلها تعود لكونها تفضيل حذف الفضل عليه قصدًا للتعميم نحو «الله أكبر» أي أكبر من كل شيء.

واسم أحمد الذي سمي به رسول الله قبل وجوده، ومنع عنه الخلق كافة، وحفظه له مع شيوع معناه وتداوله في لغات الناس، ليس منقولًا من المضارع ولا من أفعل التفضيل بل من الحمد. مثله في ذلك مثل أحمر من الحمرة، وأصفر من الصفرة، ليفيد في المعنى والدلالة من تكاملت خصاله ومحاسنه الحميدة وأخلاقه النبيلة فبلغت حد النهاية.

ومن كثرت خصاله المحمودة وصفاته الحميدة واستغراقه للمحامد كلها اشتق له اسم محمد ومحمد مشتق هو الآخر من صفة الحمد، ومن التفضيل الذي ينبي عن كثرة الحمد، أي أن في الاسم مبالغة وتكرارًا، وذلك لأنه هو الذي يكثر حمد الناس له وثناؤهم عليه حمدًا وثناء أكثر مما يُحمد ويثني على غيره من البشر، وفي اختيار الله لصيغة التفضيل دلالة على تجدد حمده والثناء عليه، واستمراره في كل وقت وحين، وبلا توقف أو انقطاع، ويبقى له الحمد والثناء ويدوم ما بقي الليل والنهار. لأجل ذلك تخطى اسم محمد دائرة الأسماء في إفادتها العلمية المجردة ليجتمع في حقه أمران قلما يجتمعان في اسم أحد من البشر، وهما كونه اسم علم وصفة له في آن واحد، أما في حق غيره ممن سمي بالاسم نفسه فهو علم محض، وتلك خاصية من الخصوصيات الذاتية لأسماء الله وذلك لأن أسماء الله هي أعلام دالة على معانٍ هم بها أوصاف مدح لا تضاد فيها العلمية الوصفية بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الباري المصور القهار، فهذه أسماء له تعالى دالة على معانٍ له هي صفات.

 

المراجع

1- الجامع لأحكام القرآن - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي - «تفسير القرطبي» - تحقيق عبد الرزاق مهدي - دار الكتاب العربي - بيروت ١٩٩٧م.

2- المفردات في غريب القرآن - الراغب الأصفهاني - أبو القاسم الحسيني بن محمد - تحقيق محمد سيد كيلاني - دار المعرفة - بيروت - دون تاريخ.

3- تفسير التحرير والتنوير - محمد الطاهر بن عاشور - الدار التونسية الطباعة والنشر - تونس - بدون تاریخ.

4- لسان العرب ابن منظور الإفريقي - أبو الفضل جمال الدين محمد بن مکرم - دار صادر - بیروت 1994م.

5- تاريخ اللغات السامية - أ. ولفنسون - دار القلم - بيروت - دون تاریخ.

6- قاموس الكتاب المقدس - صدر عن مجمع الكنائس في الشرق الأدنى - الطبعة الثانية – بيروت 1971م.

7- معجم المقاييس في اللغة - أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا - تحقيق شهاب الدين أبو عمرو - دار الفكر للطباعة والنشر - بيروت ۱۹۹۸م.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل