العنوان معنى أن تكون سجينًا
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2010
مشاهدات 83
نشر في العدد 1898
نشر في الصفحة 12
السبت 17-أبريل-2010
هذه خواطر سجين كتبها أثناء سجنه الأخير، وعاشها في سجنه الطويل، وخرج أخيرًا من سجن صغير إلى سجن كبير، وسيخرج بعد حين طال أو قصر، من سجن الدنيا إلى الفضاء الأرحب؛ حيث تسرح الأرواح وتروح تحت عرش الرحمن، نسأل الله أن يجعل أرواحنا في حواصل طير خضر كما أخبر الرسول ﷺ.
حرية الروح لا تحدها حدود ولا توقفها سدود.. ولا تقيدها أغلال ولا تحوطها أسوار
السجن هو فقدان الحرية والشعور بثقل القيود والأغلال, والحرية هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها, وأن تكون سجينا يعني في البداية أمرين:
أولهما: أن تشعر بقيمة الحرية التي لم تكن تحس بها كالصحة ونعمة العافية التي لا يراها إلا المرضى تاجًا على رؤوس الأصحاء.
وثانيهما: أن تعلم معنى الحرية الحقيقية فليست الحرية مجرد الانطلاق بالجسد بلا قيود، فهناك حرية الروح التي لا تحدها حدود ولا توقفها سدود، ولا تقيدها أغلال ولا تحوطها أسوار.
هنا تقرأ قول الله تعالى بتأمل وتفكر: ﴿فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ﴾ (الحديد: 13).
وتشعر بالمعنى الذي قصده شيخ الإسلام «أحمد ابن تيمية عندما دخل سجن قلعة دمشق عدة مرات، فقال: «ما يفعل أعدائي بي إن سجني خلوة، وقتلي شهادة، ونفيي سياحة جنتي وبستاني في صدري، أينما ذهبت فهي معي لا تفارقني».
وتردد مع الشهيد سيد قطب ترنيمته الرائعة:
أخي أنت حر وراء السدود *** أخي أنت حر بتلك القيود
إذا كنت بالله مستعصمًا ***فماذا يضيرك كيد العبيد؟
إذا سيطر عليك المعنى الأول للحرية فسيضيق صدرك إذا أغلقوا عليك الأبواب أو منعوك من الزيارات أما إذا عشت المعنى الثاني للحرية الحقيقية فستشعر بالأنس الحقيقي مع الله؛ حتى لو أغلقوا عليك الأبواب، ولو عاقبوك بالسجن الانفرادي الذي عرفته مرتين حيث لا مؤنس إلا القرآن والذكر والصلاة ولا حديث إلا بالتأمل والتفكر في حكمة الله وقدرته وتصريفه للكون.
السجن ابتلاء ومحنة، وامتحان وتجربة سنة وأن تكون سجينًا يعني أن تتأمل في الابتلاء في الكون، وحكمة الله فيه.
وتأمل معي حكمة «ابن عطاء الله السكندري» التي يقول فيها: «لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار، فإنها ما أبرزت إلا مستحق وصفها، وواجب نعتها ».
وقد يدفع الله عنك ابتلاء أشد بآخر أخف، وهو السجن, وقد يمنع عنك العين والحسد إذا كنت ضيفًا دائمًا على السجون, وقد يعوضك الله بنعم وفيرة كثيرة، لا تدركها إذا صبرت ورضيت، وأيقنت بأن اختيار الله لك هو الخير كله، وهو أفضل من اختيارك لنفسك.
السجن للبريء ظلم بين واعتداء أثيم على حرمات الناس, وإذا ذقت الظلم مرة أو مرات، فستتعلم ألا تظلم أحدًا، وأن تكون رحيمًا بالخلق كريمًا مع أعدائك، ذا مروءة مع خصومك, وإذا غصت في المعاني فستعذر كل من يتعامل معك؛ لأنهم أدوات ووسائل ليس لهم من الأمر شيء.
ستكون لطيفًا صابرًا حكيمًا في تعاملك مع السجان الذي تراه يوميًا يغلق عليك الباب الحديدي بقسوة، وفي تعاملك مع الحارس الذي يصحبك كل ترحيلة إلى النيابة أو المحكمة، ومعه ورقة تشدد عليه أن يكون غليظًا معك؛ لأنك شديد الخطورة ويخشى من هربك، ومع رئيس النيابة الذي يحقق معك في تهم هو أول من يعلم تهافتها وبطلانها وعدم جديتها، ومع الطبيب الذي يخاف أن يقترب منك وأن يقرر في الأوراق خطورة مرضك؛ لأن فوق رأسه ضابط أمن دولة يملي عليه القرار، وحتى مع رؤوس جهاز أمن الدولة الذين كنت تلقاهم بالأمس باشين مرحبين فإذا بهم يدبجون المذكرات الباطلة التي لا بد منها شكليًا لحبسك ومحاكمتك وسجنك لسنوات طوال.
حتى هذا السياسي الباطش الدكتاتور الذي يوهمه البعض بخطورتك، وتدفعه التقارير السرية أو أجهزة المخابرات الأجنبية إلى البطش بك؛ لأنه لا يظلمك أنت وحدك، بل يمتد ظلمه إلى البلاد والعباد، وهو يظن أنه يحسن صنعًا؛ لأنه في تقديره يحمي البلاد من خطرك الموهوم أو من خطر التدخل الأجنبي المزعوم!
أن تكون سجينًا يعني أنك تتعرف على قدرك الحقيقي وقوة تأثيرك في الحياة, وأنت حر طليق تتصور أن دولاب الحياة سيتوقف إذا غبت أو سافرت أو مرضت فما بالك إذا سجنت, وعندما تمر بك الليالي والأيام وأنت خلف الأسوار تشعر حينئذ بقيمتك الحقيقية، وأنك لست الرزاق، ولا المدير الخطير، ولا المسؤول المهم.
كل شيء يسير كما كان دون توقف أو تأثير، أنت مجرد أداة لقدر الله وقدر الله لا يتوقف عليك ولا على غيرك, حينئذ ستعرف أهمية أن تعلم زوجتك وأولادك وإخوانك معنى الإيمان الحقيقي بالله تعالى وقدرته وحياته وغناه وقوته، وأنهم وأنت والكون جميعًا يسير بإرادته، وهو سبحانه مسبب الأسباب ومقدر الأقدار.
أن تكون سجينًا يعني أن تتعلم البساطة والتواضع؛ حيث تتحول حياتك إلى أمور واهتمامات صغيرة جدًا, وتتعلم كيف تعتمد بعد الله - على نفسك في كل شيء، فلا بد أن تنهض لخدمة نفسك وخدمة الآخرين الذين تجد السعادة في خدمتهم والتخفيف عنهم. أن تكون سجينًا يعني أن تقترب أكثر من الله، تشعر بالفقر الحقيقي إليه، والاضطرار الجاد بين يديه، وترضى عنه سبحانه وترضى بقضائه وقدره, وأن تتعاطف مع كل مظلوم أو سجين مهما كانت جريمته، وتسأل الله أن يتوب عليك وعليه.