; الكاتب المسلم بين الحق في حرية الفكر والاجتهاد والنقد والمسؤولية والالتزام والانضباط.. معنى أن تكون كاتبًا من الإخوان المسلمين. | مجلة المجتمع

العنوان الكاتب المسلم بين الحق في حرية الفكر والاجتهاد والنقد والمسؤولية والالتزام والانضباط.. معنى أن تكون كاتبًا من الإخوان المسلمين.

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 21-فبراير-2004

مشاهدات 64

نشر في العدد 1589

نشر في الصفحة 36

السبت 21-فبراير-2004

■ أدعو إلى تحمُّل اجتهادات الآخرين وعدم المحاكمة على الرأي المخالف وإتاحة الفرصة له والرد عليه برأي آخر.

■ الإخوان أفضل من غيرهم بكثير في مجال حرية الرأي.. فقد أثبتوا أنهم جماعة تلتزم بالشورى.

■ قد يجد الأخ إبراهيم غرايبة في نفسه ضيقًا مما حدث معه ولكنه سيكتشف بعد سنوات أن الضيق لم يكن بسبب الإخوان وإنما بسبب قضية "الالتزام".

 هل الكاتب الملتزم بحزب أو جماعة هو الذي يعاني فقط؟ لا وإليك نماذج من تجارب الآخرين.

■ لاشك أن الإخوان يواجهون قضايا حساسة ومهمة.. وهناك من يتسقط لها تصريحًا هنا أو خطبة هناك لتشويه مواقفهم.

■ لقد سمعت المرشد الحالي يحث إخوانه على الكتابة والنشر والحديث إلى الإعلام والمشاركة في المنتديات ويطالبهم بعدم الضيق بما يقع من أخطاء أو محظورات.

■ أجد نفسي في صف مدرسة الإمام البنا التي تحرر الأخ وخاصة الكاتب أو المبدع أو المفكر من القيود والمحاسبة الشديدة.

أجد أن الأفضل لجماعة الإخوان الاستفادة من اجتهادات أبنائها بل وغير المنتظمين في صفها لتجديد فكرها ومراجعة مواقفها ومحاسبة مسؤوليها.

أستعير الجزء الثاني من عنوان هذه المقالة من العنوان الذي وضعته جريدة الحياة لمقال الأستاذ إبراهيم غرايبة في عدد ٢٠٠٤/٢/٨ أن تكون كاتبًا من الإخوان المسلمين وهذا ليس ردًا عليه بل إضافات وإضاءات لعل الموضوع يتم بحثه ووضع ضوابط واضحة له.

كتب إبراهيم غرايبة يعبر عن معاناته مع الكتابة كاخ مسلم له حق الاختلاف وحق النقد للمواقف والأشخاص مهما كانت مواقعهم وقد أشار إلى عدة قضايا بعضها جوهري وبعضها عرضي وبعضها هامشي وكلها مطلوب فتح ملفاتها لا لتحسين أداء الحركة الإسلامية، ولا لوضع ضوابط للأداء الإعلامي المعبر عن الإخوان ولا لفتح ملف الإعلام الإسلامي، وكل ذلك مهم، ولكن لأن المنطقة والعالم كله مقبل على مرحلة جديدة يجب أن نستعد لها من أهم ملامحها عدم القدرة على كبت موجات الحرية التي إن لم تضطر النظم لإتاحة المزيد منها ، وإن لم تضطر أمريكا لفتح نوافذها التزامًا بما تعلنه، فإن عواصفها ستهب لا محالة لأن الشعوب وصلت بها الأحوال إلى الحلقوم ولم يعد هناك مزيد لتحمل القهر والإرهاب، وحينها ستنتزع حقوقها إن لزم الأمر - بالقوة أو بالعصيان المدني، ولأن الحركة الإسلامية مهيأة - مع آخرين - لتتولى دورًا مهمًا في القادمة سواء كحركة مقاومة، أو مشاركة في المسؤولية أو كحركة تريد إكمال ملف عملها فتتولى إدارة المجتمعات، وبما يعنيه ذلك من ضرورة إعلان موقف من الحريات العامة والتهيؤ نفسيًا للقبول بالرأي المختلف داخل الصف، حتى يمكن أن نتقبل برحابة صدر الرأي المخالف من خارجه ومن أهم ما أثاره غرايبة في مقاله غضب الكثيرين من أرائه المخالفة، مما اضطره إلى التوقف عن الكتابة عدة مرات.

التنافس على تولي المواقع الإعلامية دون خبرات سابقة، وتدخل غير المهنيين أو المتخصصين في العمل الإعلامي عدم وجود فريق إعلامي محترف للحركة الإسلامية تعرضه لسهام النقد والمحاكمة بسبب أرائه تحول الهواة إلى محترفين تصبح الكتابة مصدر رزقهم مما يعني مزيدًا من المتاعب بسبب الحرص على الكتابة المنتظمة.

إغضاب الجميع بما فيهم الحكومة مما دفعها لإصدار قرار بمنعه من الكتابة العقوبة على الرأي المخالف أو الخارج على الالتزام بتجميد العضوية صورية المحاكمات التنظيمية إنهاء عضوية الكاتب لا يسبب ارائه ومواقفه في النقد والمراجعة ولا بسبب اختلافه في الرأي مع قيادات الجماعة ولكن بسبب مسألتين هما الفساد،  وحركة حماس،  كما يقول دون أن يوضح أبعاد الخلاف حول هاتين القضيتين وبالقطع هذه مسائل مهمة وبعضها خطير يستحق الرد والتوضيح من الأطراف التي ورد ذكرها- بالإشارة إلى التصريح،  في الوقت الذي يتعرض فيه الإخوان لهجوم شديد في المرحلة الحالية.

لن أستطيع أن أوفي هذه النقاط حقها،  لذا أدعو غيري للمشاركة بالرأي حولها،  ولكني وبحكم معاناتي ككاتب شب منتظم غير محترف، وبحكم تنقلي في عدة مواقع تنظيمي واحتكاكي الطويل بغير الإخوان من القوى السياسية ومتابعتي لما يدور في الحركات السياسية على المستوى الإقليمي والعالمي، أحاول أن أضيف شيئًا إلى هذه القضايا.

 أولًا: المحاكمة التنظيمية وتحمل الآراء المخالفة: لعل الجميع تابع ما يحدث في بريطانيا مع النائبين العمالي جورج جالاوي الذي طرده حزب العمال بسبب معارضته اللاذعة والقوية للحرب العدوانية على العراق والنائبة «يونج» في حزب الأحرار الديمقراطيين التي كانت تتولى مسؤولية تنظيمية في مجلس العموم بسبب تصريحها مع الاستشهاديات الفلسطينيات وكان ذلك بقرار المتعاطف في حزبي - كما أذكر - ولم تجر محاكمات تنظيمية جميل أن يكون للإخوان هيئات قضائية داخلية، وهذا تقليد قديم منذ نشأة الجماعة ووضع لوائحها التفصيلية وهناك قضايا مشهورة في تاريخ الإخوان أذكر منها: الخلاف مع وكيل الجماعة المرحوم أحمد السكري، والتحقيق المخالفات التي نسبت إلى المرحوم عبد الحكيم عابدين ولكن في ظل التضييق والتعنت الحكومي، لم يكن المسألة المحاكمة لدى الإخوان اهتمام كبير خاصة وأن الارتباط بالجماعة يجر على صاحبه من المتاعب أكثر مما يحققه من منافع، وقد يدعي البعض خلاف ذلك خاصة في مواقع معينة كما أشار إبراهيم غرايبة، ولكن وفي ظل التطورات المتلاحقة التي ستضع الإخوان في بؤرة الاهتمام وستتيح أمامهم مجالات واسعة للنشاط والمشاركة، فإنه من المهم مراجعة دور المحاكمات التي تمت في بلاد كالسودان والأردن والتشدد جدًا في المحاكمة على المخالفات التي يمكن أن تتعلق بالرأي المخالف، بل إنني أدعو إلى عدم المحاكمة على الرأي المخالف وإتاحة الفرصة التامة له والرد عليه برأي آخر وتحمل الاجتهادات المختلفة.

إن غيرنا سيتناول مواقفنا واجتهاداتنا، وسيتعرض لنا بتجريح وهجوم، فلماذا لا نتيح لأنفسنا مناقشة صريحة وفقهية وعلمية منضبطة لكل قراراتنا؟ وفي هذا الصدد يجب تنحية العواطف جانبًا وإذكاء روح البحث العلمي المنضبط بل إننا - الإخوان - نتعرض لاجتهادات الآخرين في الساحة الإسلامية بالنقد وأحيانًا بالهجوم عليها وعلينا أن نعطي من أنفسنا المثل والقدوة لتجنب الدخول في مشكلات واجتهادات قد تتسبب في مشكلات أكبر للحركة والجماعة.

يخشى البعض هذا من عدة أمور:

- تشرذم الجماعة وتفرقها وتفتيت جبهتها الداخلية.

- البلبلة الفكرية داخل الصف وعدم وحدة الرأي.

- تسقط البعض لآراء شاذة مخالفة ونسبتها إلى الجماعة.

- نقض الأمر بعد إبرامه بسبب تغيير الأفكار باستمرار.

- ضعف موقف الجماعة أمام المخالفين والخصوم السياسيين وإتاحة الفرص لهم للتسلل إلى الصف وزرع الفتنة داخله.

هذه وغيرها  هموم مشروعة تحتاج إلى نقاش علمي هادئ،  ووضع ضوابط مرنة وقواعد حاكمة تمنع حدوث أضرار حقيقية بالجماعة،  مع تحمُّل الأضرار البسيطة أمام الإيجابيات التي ستنتج عن الإباحة الكاملة للرأي المخالف أمام الجميع.

أعلم أن الإخوان - بحكم عملي في صفها طوال ثلاثين عامًا تتحمل الآراء المخالفة إلى حدود عليا،  ويدل على ذلك مقال غرايبة نفسه،  حيث يحكي عن سنوات ثمانية سبقت إنهاء علاقته بالإخوان تحمل الإخوان فيها عشرات المقالات التي تضمنت النقد والمراجعة،  وأعلم أن البعض سيأخذ هذا الرأي على أن الجماعة تفتقر إلى تحمُّل المخالفين،  وهذا ليس صحيحًا أبدًا،  وأعلم عشرات الحالات التي توضح قدرة الجماعة على تحمُّل النقد والرأي الآخر،  ولكن أدعو إلى المزيد،  وإشاعة ذلك في كل المستويات،  وهذا توجه جديد لدى المسؤولين التربويين يتبنى نهج النقاش والحوار،  ويمنع التلقين المباشر والحفظ فقط،  ولكن البطء في التنفيذ وعدم تعود البعض على ذلك يؤدي إلى عدم ظهور ثمرة هذا التوجه الجديد،  والبعض يعتبر أن ذلك خدش لأركان ثابتة في بيعة الأخ مثل الثقة أو الطاعة،  وهذا ليس صحيحًا،  فالثقة عامة مع حرية الرأي والطاعة التامة تكون بعد إبداء الرأي واتخاذ القرار بصورة سليمة.

ثانيًا: الهم الإعلامي وضرورة الاهتمام به:

هذا الموضوع اليوم من أخطر الموضوعات، ولقد اهتم الإخوان منذ نشأتهم بالإعلام والصحافة والنشر والتوزيع هناك دراسة علمية للمرحوم الأخ فتحي شعير حول الإعلام عند الإخوان المسلمين،  إلا أن الحصار الإعلامي الآن والفقر الإعلامي في الكفاءات والمتخصصين والنفقات الطائلة،  وصناعة إعلام قوي مهني محترف أدى إلى تخلف الحركات الإسلامية والإخوان في هذا المجال ما يحدث اليوم أن هناك ثلاث قوى تلعب في تشكيل الأحداث في عالمنا :

- الساسة والسياسيون.

- الاقتصاد والاقتصاديون.

- الإعلام والإعلاميون.

وتأخر دور الفكر والمفكرين والوعاظ والقادة الدينيين والمدرسة والجامعة وغيرها ويحتاج الإعلام الناجح إلى عدة عوامل:

- قضية عادلة واضحة البلاغ.

- المبين فريق إعلامي محترف على بصيرة.

- أدوات إعلامية عصرية متطورة (القوي الأمين).

- تمويل جيد متواصل محايد.

- حرية واسعة للإعلاميين،  وتنوع في الآراء.

- رأي عام ناضج متفاعل.

واعتقد أن الإخوان المسلمين لديهم كثير من هذه العوامل ويستطيعون استكمال النقص في البعض منها لدينا القضية وعندنا كفاءات اثبتت جدارتها عندما أتيحت لها الفرص المناسبة والرأي العام المتفاعل مع همومنا الإسلامية، ولم تعد الأدوات الإعلامية حكرًا على أحد،  خاصة في ظل انتشار الشبكة العنكبوتية،  وهناك من يقف مستعدًا لتمويل صناعة إعلامية متطورة.

إذا قال البعض إنني أتحدث بتفاؤل فأقول له إننا نمتلك البدايات في كل تلك العوامل إذا لم تكن مكتملة ويجب علينا أن نسعى لاستكمال تلك البدايات وأن نسعى الصناعة إعلامية متطورة ليس فقط لمخاطبة الرأي العام في بلادنا أو لتوضيح مواقفنا أو لنشر دعوتنا وفكرتنا، بل إننا في حاجة اليوم على المستوى العالمي لإعلام إسلامي قوي ناضج قادر على التفاعل مع الإعلام الأمريكي المهول المسيطر على الساحة العالمية،  أو الأوروبي الذي يريد المنافسة أو الياباني والصيني الذي بدأ يغزو العالم.

الإعلام العربي والإسلامي متخلف مهنيًا وتقنيًا وفكريًا يجب أن نعترف بذلك، نحن مازلنا نخاطب أنفسنا، وتركز على إثارة العاطفة في الأساس، ولا نتحمل الآراء المتنوعة ولا نقبل بالرأي المخالف، ومازلنا أسرى مرحلة الاستبداد السياسي التي جثمت على صدورنا طوال نصف قرن ومازالت، كان المصريون قبل ١٩٥٢م يتحملون كتاب لماذا أنا ملحد ويصدر رد عليه: لماذا أنا مسلم، ويتحملون اراء طه حسين الشاذة وتتم مناقشتها في جو من الحرية ولكننا اليوم في حال مختلف بسبب الاستبداد من جهة وبسبب شيوع مدرسة إسلامية أسميها: «مدرسة الرأي الواحد،  التي تريد إلغاء المذاهب الفقهية بقرار، وتريد في كل مسألة أن يكون هناك رأي واحد واختيار نهائي لا تسمح بغيره وتريد أن تحمل الناس جميعًا عليه،  بل وصل الأمر إلى تبني الإنكار العنيف لفظيًا وعمليًا  على المخالف في الفقه، فما بالك بالمخالف في السياسة أو الفكر أو العمل والنشاط أسمع لكثيرين ينتقدون بعض الإعلاميين من الإسلاميين بقسوة وشدة،  وعانيت أحيانًا مما كتبته بقلمي وعانى من نشر لي رأيًا يدعو إلى الجديد أو المراجعة أو يحمل نقدًا هادئًا وكتب البعض يرد على متوهمًا أن ما كتبته سيثير الالتباس،  وهذا حسن،  رغم أنني على أتم استعداد لتصحيح ما يراه البعض غير صحيح أو مراجعة ما يقنعني الآخرون بعدم صوابه وبقلمي والحمد لله أن الإخوان أفضل من غيرهم بكثير،  خاصة في الساحة العربية،  وهذا ما كتبه مراقب محايد مثل: د. وحيد عبد المجيد وقد تابع المراقبون تجربته مع حزب الوفد أحد أقدم الأحزاب الليبرالية في مصر والوطن العربي من إجراءات أدت إلى إغلاق مجلة «البداية،  وعدم إتاحة فرصة له في جريدة الحزب والتحذير من تصريحاته بل وصل الأمر إلى إصدار قرار تنظيمي يمنع أعضاء الحزب من التصريح للصحف،  وأعتقد أن هذا الموقف قديم وإلا ما كانت الانشقاقات التي حدثت في بنيان الوفد منذ نشأته وتسببت نشأة العديد من الأحزاب المصرية وأتابع ما يعانيه اليساريون والشيوعيون - الذين يهاجموننا ليل نهار ويتهموننا بعدم الحرية وعدم قبول الرأي المخالف . فقد وصل الأمر بجريدة حزب اليسار أن أصبحت حكرًا على رأي واحد رغم أن الحزب قام على تحالف واسع من أطياف اليسار المصري، والجميع في هذا الهم سواء.

والإخوان أفضل حالًا من غيرهم بكثير رغم ما أشاعه البعض عن ضيق الصدر بما يقولون أو محاسبتهم بشدة حين خالفوا اللوائح والإجراءات التنظيمية. ومع ذلك إلا أن ما نحن مقبلون عليه سيضع الجميع أمام اختبار صعب ونريد أن نجتاز ذلك الاختبار بقوة وأن نثبت أن الإسلام قادر على قيادة المجتمع وأن الحركة الإسلامية قادرة على إدارة شؤون الحياة في السياسة والفكر كما في الاقتصاد والثقافة، وأن بلادنا في ظل حكم إسلامي رشيد ستتبوأ مكانتها العالمية التي افتقدتها من زمن طويل.

لننظر إلى ما جرى في السودان وما يجري في إيران ولنحلل المواقف ونأخذ الدروس والعبر والعظات فاعتبروا يا أولي الأبصار ) (الحشر).

معاناة الأخ المجتهد من إخوانه أشد على نفسه من خلافه مع الآخرين، هو يعلم أن الدافع هو المزيد من الحب والرغبة في التميز والحرص على الاستمرار، والهمة في الوصول إلى الكمال والحرص على عدم وقوع أخطاء

باختصار: المثالية المفرطة.

وهناك من يرغب داخل الإخوان في المثالية، ويحرص على إعطاء صورة مثالية عن الإخوان لتشجيع الأفراد على الانضمام إليها، والترهيب الخصوم من النيل منها. لذلك يريد الخلاف دائمًا ، حصر داخل الصف وعدم إعلانه على الملا. ومع أن الإخوان أثبتوا كما أسلفت أنهم جماعة شورية الشورى لدينا (ملزمة وتأخذ بالأساليب الديمقراطية لوائح . انتخابات . اقتراع على القرارات، وأداروا في بلاد عديدة انتخابات داخلية على المواقع القيادية في منافسة شريفة نظيفة قوية إلا أن هناك من لا يزال يحمل ضيق الصدر من أي خلاف ويرى ضرورة تناسي الخلافات الداخلية - التي يراها بسيطة - أمام الأخطار التي تهدد الجماعة أو تهدد الوطن، وهو نفس المنطق الذي يعتمده الحكام في بلادنا المصادرة الرأي المخالف، بل إن الأمر وصل إلى الاتجاهات الليبرالية التي من المفترض أن تدافع عن الحق في الاختلاف والحق في حرية التعبير وأن تتيح مساحة واسعة جدًا للمنتمين إليها لتطبيق تلك الحقوق حتى تعطي النموذج

والمثل.

ضريبة التزام

هل معنى ذلك أن الكاتب الملتزم بحزب أو جماعة هو الذي يعاني فقط لا وبكل أسف فقد تكون معاناة الملتزم بقضية أو بفكرة أشد وأقسى لأن الملتزم تنظيميًا سيجد متنفسًا في أكثر من ٩٠ من مواقفه وآرائه، وسيجد مساحات للتعبير عن كثير من أفكاره التي لا تصطدم بمواقف الجماعة، ولكن الحر الطليق من الالتزام يجد صعوبة كبيرة في التعبير عن نفسه والوصول إلي الجماهير عبر المنافذ التي تحتكرها الجماعات المنظمة أو الشركات أو أصحاب الأموال الذين يسيرون على الأشواك للحفاظ على مصالحهم، ويجد نفسه مضطرًا للقفز هنا وهناك متنقلًا بين المنافذ - إذا كان عليه إقبال، ويسير على الأشواك ليراعي المحظور هنا والممنوع هناك، وإذا أخطأ مرة أو أكثر فسيجد نفسه محرومًا من أي نافذة للتعبير، أو يجد نفسه مؤخرًا مسخًا مشوهًا لا يثبت على موقف ولا يعبر عن اتجاه مما يفقده احترامه عند القراء والمتابعين لأنه يسعى لإرضاء هؤلاء وهؤلاء مذبذب لا يقف على أرضية صلبة.

قد يجد الأخ إبراهيم في نفسه ضيقًا وحرجًا مما حدث معه وقد حدث مع آخرين داخل الإخوان وخارجهم كما عبر المهندس أبو العلا ماضي مؤخرًا: خرجنا من ضيق الإخوان إلى سعة الدنيا وسيكتشف غرايبة أو أبو العلا ولو بعد سنوات أن الضيق لم يكن بسبب الإخوان، بل بسبب قضية الالتزام، سواء بمواقف أو بإجراءات أو بقضايا، وقد يضطر أحدهم - إذا كان له حزب أو جريدة - أن يراقب ما يكتبه أو يقوله الآخرون، وقد يلجأ في النهاية إلى منع البعض أو حظر الرأي الذي يخالف سياسة أو لائحة الحزب أو الجريدة، وقد جربت شخصيًا ذلك. مع غير الإخوان كجريدة «القاهرة» التي منعت نشر رد لي على الأستاذ جمال سلطان، متذرعة بأن المقال دعائي، وكموقع إسلامي على النت منع النشر بسبب القيود الأمنية المتوهمة أو الرغبة في عدم تلوين الموقع بلون معين، فالجميع يمارسون نفس السياسة، وكلما كانت الجماعة أكبر وأقوى كانت

أخطائها محل انتقاد ليس معنى ذلك أن هذه سياسة مضطردة عند الإخوان، بل إنني اعتقد أن الإخوان يجب أن يعطوا المثال والقدوة في الجمع بين أمرين:

الأول حرية الاختلاف وإبداء الرأي داخل وخارج الصف الإخواني، وحق الجميع في أن تصل آراؤهم وأفكارهم بوضوح إلى الإخوان وغيرهم وفق ضوابط محددة ومتفق عليها تتم مراجعتها كل فترة. الثاني: الحفاظ على وحدة الجماعة والصف وعدم حدوث انشقاقات أو تصدعات، وأيضًا وضوح مواقف الجماعة والالتزام بها وعدم حساب أي مواقف شخصية أو فردية على الجماعة.

سیاستان

وهنا يتفاوت الأفراد، فما يُقبل من شخص عادي أو عضو بسيط قد لا يقبل من قيادي أو مسؤول أو رئيس تحرير جريدة ناطقة باسم الإخوان أو كاتب مرموق، وهنا يمكن اتباع سياستين عايشت كلتيهما وسمعت عن بعض تطبيقاتهما:

المدرسة الأولى سياسة المتابعة اللاحقة وحساب التداعيات وتلافي السلبيات وهذا ما كان يتبعه الإمام الشهيد حسن البنا، وقد سجله في رسالة المؤتمر الخامس، وهي نص الخطاب الجامع الذي ألقاه في مندوبي الإخوان من كافة شعب مصر وكانوا أكثر من الفين عام ١٩٣٨م وتناول فيه ما كتبه المرحوم الأستاذ صالح عشماوي في جريدة ، النذير، لسان حال الجماعة عن الدستور فكانت فرصة لتوضيح موقف الإخوان من المسألة، وأعلن المرشد المؤسس أن الإخوان يطالبون بوجود دستور مكتوب يحدد السلطات ويفصل بينها ويحدد مسؤولية الحاكم وكيفية محاسبته وطريقة عزله، كل ذلك رغم الهتاف الإخواني الشهير « القرآن دستورنا الذي قد يظن البعض من ورائه عدم الإقرار بذلك الدستور المكتوب، وفرق بين موقف الإخوان من القانون الذي يطالبون بتغيير كثير من مواده وضرورة رده إلى مرجعية إسلامية، وأن يستمد من الشريعة الإسلامية وموقفهم من دستور ۱۹۲۳م المعمول به آنذاك، وقبولهم به مع تحفظين مهمين هما: ضرورة أن يزال الغموض في بعض نصوصه، والثاني أن يتم تطبيقه والعمل

بمقتضاه وعدم إهماله أو الخروج على مبادئه وأحكامه، ولقد حدثني المرحوم الشيخ محمد الغزالي أكثر من مرة أن السبب في اهتمامه بالكتابة والنشر بجانب الخطابة التي كان موهوبًا فيها هو تشجيع الإمام الشهيد وأوامره وحثه الدائم له: اكتب يا غزالي، ولم يكن يراجعه مراجعة المحاسب المشدد، بل نصح الشفيق المحاور مما جعل الشيخ الغزالي قمة من قمم الرأي والفكر الإسلامي ومدرسة في الدعوة إلى الله ولقد سمعت المرشد الحالي الأستاذ محمد مهدي عاكف يحث إخوانه على اتباع هذه المدرسة المرنة المستوعبة، مطالبًا إياهم بتشجيع الإخوان على الكتابة والنشر والحديث إلى الإعلام وغشيان المنتديات محاورين ومناقشين بالحجة والرأي، وعدم الضيق بما يقع من أخطاء ومحظورات، مع السعي إلى الإقناع حتى يتم تصحيح أي أخطاء.

 المدرسة الثانية: مدرسة المراجعة السابقة خاصة لما نشر من شخصيات عامة، وقد لجأ الإخوان إليها بعد وفاة الأستاذ عمر التلمساني، وفي حياته أحيانًا بسبب ما عاناه الإخوان من محن متتالية تسببت فيها اجتهادات لأفراد أو مجموعات، نجحت أحيانًا في إقناع الهيئات القيادية بصواب ما تراه وأخفت أحيانًا تفاصيل ما تتفاوض بشأنه رغبة في نجاح الاتفاقات، وصرحت أحيانًا بما يطلبه الأطراف المقابلة قبل التشاور حول هذه التصريحات أملًا في مصالح مرجوة أو متوهمة.

السبب في ذلك ليس فقط خشية ما يلحق بالجماعة بل أيضًا توهم حدوث بلبلة في الصف، وذلك من باب الحرص شديد على وحدة الصف وأيضًا: الحرص على الظهور بمظهر الاتفاق التام في كل المواقف وعلى كل الآراء، وهو ما يستحيل وجوده أو تصوره في جماعة بحجم الإخوان وانتشارها.

ولاشك أن الإخوان يواجهون قضايا حساسة ومهمة لأن هناك من يتسقط لها تصريحًا هنا أو خطبة هناك، ولا ننسى ما حدث من تشويه لحديث المرشد المرحوم مصطفى مشهور حول مسألة الجزية بالنسبة للأقباط، وكذلك ما حدث في الجزائر من التقاط خطبة جمعة لأحد مناصري الجبهة الإسلامية للإنقاذ ينتقد فيها الديمقراطية فإذا بالجبهة التي حصدت المقاعد في الجولة الأولى تحرم من حقها الدستوري، وإذا بالموقف ينسحب ليس فقط على الجبهة بل كل الحركات الإسلامية بل الإسلام نفسه.

فوائد رغم المرارة

في تجربة الأخ غرايبة فوائد رغم المرارة التي يجدها في نفسه فمن المفيد أن يجد الإنسان من يهتم بكتاباته ولو كان على طريقة المحاسبة، ومن المفيد أن ينجح شخص و نفسه بأنه كان فتى صغيرًا مراهقًا لا يكاد يعرفه أحد، تحتضنه جماعة، وتتيح له إبراز مواهبه، وتضعه في موقع يصل به بعد حين إلى التعجب من وصفه أنت أحد كبار قادة الجماعة، ومقالاتك ينظر إليها على هذا الأساس رغم أنه كان يعتبر نفسه على حد قوله كاتبًا في الصفوف الخلفية يملك رأيًا خاصًّا به، والسبب هو الفقر الإعلامي الذي يعاني منه الإخوان، والحصار الإعلامي المضروب عليهم رغم أنهم قوة سياسية فاعلة وكبيرة، والخصائص المعروفة عن الإخوان التي أعلنها المرشد المؤسس "«نحن قوم عمليون"، وعبر عنها بخصيصة "إيثار الناحية العملية على الدعاية والإعلان"، ورغم أنه طالب الإخوان في المؤتمر الخامس عام ۱۹۳۸م أن يبينوا للناس غايتهم ووسيلتهم وفكرتهم ومنهاجهم، وأن يكتبوا إلى الصحف اليومية وإلى صحف ومجلات الإخوان في حدود الصدق والأدب الكامل والخلق الفاضل والحرص التام على جمع القلوب وتأليف الأرواح، فإننا مازلنا نشعر أن عزوف الإخوان عن هذا المسعى يتسبب في نتيجتين أساسيتين: استمرار غموض فكرة ومنهج الإخوان عند الكثير من المراقبين وتركيز الضوء على القلة التي تقوم بهذا الواجب مما يضعها في موضع المسالمة عندما تجتهد خارج إطار المتعارف عليه بين الإخوان أو عندما تقدم نقدًا لاذعًا لبعض المواقف أو الأشخاص، أو تقدم دراسات اجتهادية تجددية في بعض الاختيارات القديمة المستقرة.

لا يملك أحد تربى في مدرسة الإخوان أن يذكر مهما اختلف معهم فضل الجماعة بعد الله تعالى عليه فالفضل كله لله - في أن يشعر بالأخوة الصادقة، وأن يجد مرأة لأفكاره وأن يجد من ينفذ النافع المفيد من اقتراحاته وأن يجد من يصحح له في روح أخوية، وحتى لو اشتدت الجماعة في نقدها أو محاسبتها فإن الأخ يجد نفسه في إطار الجماعة أكثر قدرة على التأثير والتصحيح، وإذا اضطرته الظروف أو الجانه الحاجة أو دفعته المصلحة للخروج عن الأطر التنظيمية فسيبقى في الإطار الإسلامي العام والأفضل له أيضًا أن يبقى على صلة طيبة بالجماعة قيادة ومؤسسات وأفرادًا لأنه قد يمتلك قدرة على التأثير والتكامل مع جهود الجماعة، وهناك نماذج لذلك موجودة على الساحة السياسية والإعلامية والفقهية والخيرية ويمتلك الإخوان بحكم تجاربهم وخبرتهم مرونة كبيرة في التعامل مع هذه الأوضاع، ويكفي أن المرشد الثاني للجماعة جاء من هذه الدائرة الأوسع التي لم تندرج تنظيميًا داخل الصفوف الالتزام بقضية له ثمن وعبء نفسي على الكاتب والالتزام التنظيمي له قيود قد تكون ثقيلة على نفس الكاتب أو المبدع، والشعور بالمسؤولية يرهق المسلم عندما يكتب ويتصور أن هناك من يأخذ كلامه ليطبقه، وفي ليلة من ليالي السجن الطويلة المسهدة لم أنم بعد لقائي بأحد قيادات الجماعة الإسلامية الذي أخبرني أن مراجعاتهم جادة وحقيقية وتم تأصيلها شرعيًا وفق اجتهادات كثيرة، لم أنم من الأرق لأن السؤال الذي أزعجني كيف يهنأ هؤلاء القيادات بنوم بعد أن تسببت اجتهاداتهم الخاطئة - والتي طالما جادلناهم حول جدواها وشرعيتها بالحسنى ليالي طوالًا ولم يقتنعوا بحججنا أو عائدونا بالأحرى لعدم قبولهم نفسيًا بمنهج وجماعة الإخوان بسبب الذين شحنوا نفوسهم ضد الإخوان - كيف يهنؤون بنوم في سجنهم الذي طال وقد قادوا شبابًا مخلصًا نحو تدمير أنفسهم ووطنهم ودعوتهم؟ أجد نفسي في النهاية في صف مدرسة الإمام البنا التي تحرر الأخ وخاصة الكاتب أو المبدع أو المفكر من القيود السابقة ومن المحاسبة الشديدة اللاحقة، لأن ذلك هو الأوفق والأنسب للإخوان في ظل الفضاءات المتاحة والحاجة الملحة إلى العديد من الفقهاء والمجددين والمفكرين والمجتهدين أجد أن ذلك هو الأفضل للجماعة أن تستفيد باجتهادات أبنائها بل وغير المنتظمين في صفها لتجديد فكرها ومراجعة مواقفها ومحاسبة مسؤوليها، لأن ذلك وحده هو الذي ضمن لجماعة الإخوان البقاء الطويل خلال القرن الماضي، وهو الذي بعد تأييد الله لها ثم تأييد الشعوب الإسلامية لمنهجها، سيضمن لها حسن التطبيق لمبادئها وتقديم الصورة الشورية والديمقراطية الإسلامية الأصلح لتقديم الإسلام للعالم كله، وهذا هو الإسلام الذي جعل الاجتهاد مصدرًا رئيسًا من مصادر التشريع.  

الرابط المختصر :