العنوان معنى المواطنة عند المسلمين
الكاتب غازي بن سالم التمام
تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003
مشاهدات 49
نشر في العدد 1564
نشر في الصفحة 43
السبت 16-أغسطس-2003
لسنا بحاجة إلى البحث عن كيفية نشأه هذا المصطلح، وإنما نستجلي هنا صورًا للمواطنة بمعناها العام، ونسْبُر مدى صدقها وموافقتها لاعتقاد الإنسان المسلم، ونشير بإيجاز إلى مدى انطباقها على واقع الحال عندنا للرد على دعوى الداعين إلى التربية الوطنية بمعنى المواطنة التي نشأت بفعل ظهور القومية الضيقة التي تدعو إلى العنصرية والشعوبية، وهذا كله من أمر الجاهلية.
ويتبادر إلى ذهن القارئ عندما يفكر في معنى المواطنة عدة تساؤلات، منها:
هل المواطنة هي الانتماء للمكان الذي وُلِد على الإنسان وترعرع فوقها؟.
أو هي حنين الإنسان إلى البلد الذي تنتمي إليه فصيلة الشخص وقبيلته؟
أو هي حُبُّ الشخص للبلاد التي يرزق فيها ويسعى على عياله وينمِّي أمواله فيها؟
أو أن المواطنة هي الولاء للمكان الذي تعلم فيه الشخص ونال منه شهاداته؟ هل المواطنة كل ذلك أو بعضه أو غيره؟
إن لكل شخص طريقته في التعبير عن أحواله، وفي ذلك متسع –ولله الحمد– بين مفهوم المواطنة بالفطرة والمواطنة بالتربية والاكتساب.
ولو كلفنا مصطلح المواطنة بعض ما لا يحتمله طبقًا للتعاريف المعاصرة، لأمكن تقسيم المواطنة إلى ثلاثة أنواع:
1– مواطنة فطرية جبلْية: جُبلت عليها نفوس الناس بفعل الغرائز الطبيعية، وتظهر في الناس على قدر عزائمهم كحبِّ الأرض التي نشأ عليها الإنسان، وانتسب إلى أهلها، وأمن بأكنانها، وتغذي بطعامها، وشرب ماءها، واستنشق هواءها، ويشترك مع الناس في هذه جميع الدواب، ومثلها كمثل مواطنة الإبل، وحنينها إلى موطنها الأصلي.
٢ – مواطنة فطرية نفعية: وهذه لا غنى للناس عنها، لأن النفوس قد جُبلت على طلبها بدوافع منها حب التملك وحب البقاء، وهذه المواطنة تتأرجح بين طرفي نقيض؛ طرف الخير وطرف الشر وبينها الوسط، وقد يزداد ويتعاظم جانب الشر في النفوس إذا ضعف تأثير العقيدة، وطغت المصالح الدنيوية والمنافع الحسية، واتباع الهوى، وإيثار الدنيا على الآخرة، وهنا تتعطل العقول وينحرف الناس عن حقيقة الاستخلاف التي أرادها الله لبني آدم في هذه الأرض، وتصاع المبادئ والقوانين تبعًا للهوى، وتحقيقًا للأطماع والتنافس على الدنيا.
ويشترك في هذه الخصائص كثير من الناس والدواب، ومثلها كمثل مواطنة الحمير، وطنه مَرْبط رأسه، وولاؤه لمن حلَّ ركاسه واستاقه، ويندرج في هذا النوع جميع من لا خلاق لهم من الكفار والمنافقين، ويتعبرونه قمة المواطنة عندهم، فهم كالأنعام بل هم أضل، وقانا الله من ضلالهم وشرودهم.
3- مواطنة عقائدية: وتعني الانتماء إلى العقيدة، وصدق المواطنة هنا ينبثق من صحة الاعتقاد، وحيثما انتشرت العقيدة في أرض فهي جزء من الوطن الذي يحبه الشخص وينتمي إليه، ولو بلغ أقطار الأرض، وهذه هي مواطنة المسلم.
ويندرج في النوع الثالث ويدخل ضمن معناه النوعان: الأول والثاني بعد تهذيبهما وإخضاعهما لناموس العقيدة وأحكام الشريعة، فالحب لله ولرسوله وللمؤمنين يتعلق به كل ما دونه من حب الأرض وحب القوم وحب الأمة، وحب القيادة، وإنكار الذات والتضحية بالمال والنفس، وهذا أرقى درجات الوطنية، بل هو ذروة سنام الأمر.
علاقة المواطنة بالإخلاص
إن المواطنة أمر معنوي لا يُقاس إلا من خلال الأعمال، ومادامت أمرًا معنويًا فيجوز لنا أن ندخلها في وعاء قد خرجت منه، وتفرعت عنه، وهذا الوعاء هو النية التي عليها مدار الأعمال، ونذكِّر هنا بحديث يعتبر أصلًا تقوم عليه العقيدة، فعن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى... الحديث».
وقد أوضح الفقهاء أنه يشترط لصلاح الأعمال ثلاثة شروط:
إخلاص النية لله وحده، فلا رياء ولا سمعة في العمل، بل تقوى الله ومراقبته في السر والعلن.
موافقة العمل لأحكام الشريعة حتى يكون صوابًا ومقبولًا، وإلا فهو مردود.
الاجتهاد في الأداء وإتقان العمل قدر الاستطاعة حتى يعذر المسلم من الله ومن خلقه.
من أين تبدأ التربية الوطنية؟
وانطلاقًا مما سبق يجب أن تربِّي الناشئة على الإخلاص في العمل حتى تتمكن منهم روح المواطنة لأنها فرع الإخلاص، وهي فرع النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولا حاجة بنا إلى تقليد الغرب أو الشرق في استخدام مصطلحات لا تنسجم مع مبادئنا، فإن دار الإسلام هي وطننا، والدين مَعْقَد أخوَتِنا، ولم يمنع حب مكة والمدينة أو الحنين إلى نجد والحجاز أسلافنا من الانطلاق بنية الجهاد إلى الأندلس وخراسان وإفريقيا وبلاد البلقان ليدافعوا عن بلاد الإسلام، ولتكون كلمة الله هي العليا.