العنوان مع المجاهدين وقفة عهد وميثاق
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1993
مشاهدات 61
نشر في العدد 1064
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 31-أغسطس-1993
عرفته مجاهدًا مسلمًا، رباني النزعة، ملائكي الروح، صِدّيقي العزيمة، محتسب الجهد، مشتعل القلب، لأنه حامل عقيدة فهو قوة، وحامي حق، فهو دستور، وداعية فكرة، فهو عامر للقلوب بالإيمان، وغامر للنفوس بالحياة، ومسعد للناس بالهداية.
وعرفته قدوة أسوة مربيًا للأجيال، وجامعًا
للشتات ومعدلًا للسلوك، وكاشفًا للضلالات ومقاومًا للانحدار، يصارع الفساد المدجج
بالجند والسلاح والعتاد بلسانه وحجته، وينازل الباطل المستعد بقضه وقضيضه بلفظه
وبينته، فهو هداية تنسم على الأنفس العطشى الشّرِقة فتجعل طبيعتها الطينية ربانية
مشرقة منزلتها بين السماء والأرض.. إنه صاحب رسالة، رسالته نفس الرسالة وعين
الدعوة التي حملها أشرف الخلق، وأعز مجاهد وأكرم رسول ظهر إلى الوجود- صلى الله
عليه وسلم.
وعرفته كالبحر لا تكدره الأرجاس، ولا تنغصه
الفقاقيع، ولا تنقصه الدلاء، سمحًا في طبعه، دَمِثًا في خلقه، عفًّا في منطقه، غاضًّا
في بصره، غنيًّا في نفسه، سلطانًا في مهابته، أبًا في حنوه، نورًا في فكره.
عرفته رجلًا والرجال قليل، صادق الوعد قوي
العزيمة، عامر القلب بالإيمان، واثق النفس بنصر الله، لم تَنَل منه الحوادث ولم
تضعضعه الأيام، ولم تحنه المظالم، أو ترهبه المشانق أو تفل منه السجون. قضى في
سجنه 25 عامًا في سبيل دعوة ربه ظلمًا وبغيًا وافتئاتًا على دعوة الله، فكان نعم
الخادم لإخوانه في المحنة، المثبت لرفاقه في النازلة، جعل سجنه خلوة، وانقطاعه عن
الدنيا عبادة، ومرور أيامه حسبة.. ترك زوجته وأولاده ولا معين لهم إلا الله، ولا
حافظ لهم إلا جاهه، وكان يقول متمثلًا قول إبراهيم عليه السلام: ﴿رَّبَّنَا
إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ
الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ
النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ
يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37).
فما ضيعه الله بل أكرمه فيهم، وخرج بعد طول
محنة ثابت الخطو، قوي القلب، متوقد العزيمة، ليواصل كفاحه في سبيل دعوته، ويحمل
الأمانة ويرفع العلم ويعمق الجهاد ويواصل الجهد.
الشباب الدائم والشيخوخة المجاهدة
عرفته في شبابه عزيمة تفل الحديد ونفسًا تصارع
الأهوال، ونشاطًا يملأ الدنيا، وداعية لا يُشق له غبار، وعرفته في شيخوخته نافرًا
وهو ثقيل، مجاهدًا بكل ما يملك، يسابق الشباب وهو يجر ساقيه، ويحمل دعوته وظهره لا
يكاد يقوى على حمل نفسه، يواسي الشباب ويقوي الشيوخ ويعرف الواجب ويحمل هم الجميع،
يعايش هموم المسلمين وهموم دعوته وهموم مرضه بنفس شفافة ربانية رضية، لا يرهبها
موت أو مصاعب أو عقبات.
فما كنت أحسب إلا أنه أمة تجتمع في رجل، وما
كنت أظن إلا أنه مجتمع يصحو بعزيمة إنسان، حتى رأيت ذلك المجاهد العظيم الأستاذ محمد
العدوي. فلما علمت خبر وفاته قلت: مات الرجل كما يموت الصديقون والشهداء، وكان
الموت راحة لذلك الضمير المُعنَّى، وذلك الوجدان الديني المرهف، وذلك القلب القوي
وتلك النفس الزكية.
قلت: عاد النور الإلهي إلى مصدره، وهو أشد ما
يكون نزوعًا إليه، وعلوقًا به: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ.
ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي.
وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر: 27-30).
ووالله إن القلب عليك ليحزن، وإن النفس لتهلع
وتجزع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، ووالله إنا عليك يا أبا أسامة لمحزونون، وإنا
لله وإنا إليه راجعون.
فيا أخي سواء عرفت الرجل أو سمعت عنه أو لم
تسمع.. إذا وجدت الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فقف وتعلم وتزود وارتشف..
قف فها هنا أنوار الهداية، وخطوات النبوات، وآثار المرسلين ومرابع المصطفين
الأخيار.. وتعلم من الأسوة النابضة والجبال الصامدة، والعزائم القاهرة،
والآفاق المحلقة والغيث العميم، وتزود من التقوى الندية والإيمان المتوهج والقدوة
الباهرة، وارتشف من رحيق الوحي وبرد اليقين، وحلاوة الإيمان وعبق السكينة.. وكبّر
فإنك في محاريب النفحات ومواطن التجليات وأضواء الحقيقة وجوار الربانيين والأبرار.
وهلّل فإنك عثرت على البغية، وظفرت بالكنز، وهديت للفلاح. وسبّح لأن الله معك
والملائكة في ركابك وأطياف المجاهدين تحوطك وهالات الفوز تزفك.
إذا وجدت الرجال فاعلم أنك حفظت وهديت ووقيت
وكفيت.. حفظت من نفسك لأن نفوسهم تسري في حناياك وتشع في أوصالك، وحفظت من شياطين
الإنس والجن لأنك في معية المتقين، ولا سلطان لها عليهم.. وهديت لأن المرء على دين
خليله، ودين المتقين نفحات، وتوجههم تجليات، وعملهم آيات وبينات من الهدى والفرقان..
هديت والدروب اليوم ملتوية والطرق الآن ملوثة، ووقيت العثرات والدواهي والفتن،
وجنبت المهالك والضياع والإحن، وكفيت شرور الناس ووساوس النفس وأمراض القلب وضلال
الفكر.
فيا أخي العظيم، عهد الله وميثاقه إننا على الدرب سائرون، وللأمانة حاملون حتى نلقى الأحبة محمدًا وحزبه، والله على ما نقول وكيل!