العنوان الافتتاحية .. مع بدء العام الثالث للانتفاضة: المطلوب استراتيجية عربية إسلامية لتحرير فلسطين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
مشاهدات 59
نشر في العدد 945
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
انتفاضة الشعب الفلسطيني المجاهد
عبرت إلى العام الجهادي الثالث قبل أيام بكل صلابة وثبات واقتدار، بعد مسيرة عامين
كاملين من التضحيات والتعذيب والدماء والآلام والآمال، والمواجهة الدامية المريرة
مع أعداء الله.. يهود.. عامان كاملان من الصمود البطولي الملحمي سطره أبناء فلسطين
أمام الآلة القمعية اليهودية، وأمام التعذيب والإرهاب.. وأمام كل إجراءات القمع
والبطش والتنكيل.. من استخدام الرصاص المطاطي والبلاستيكي والزجاجي المتفجر.. وفرض
الحصارات ومنع التجول ومحاولة تجويع المدن والمخيمات والقرى.. وهدم البيوت وإبعاد
المواطنين وضرب وتعذيب الأطفال وتهشيم أطرافهم ودفن الناس أحياء..
القمع اليهودي استمر واشتد.. وفي
مقابله فإن الشموخ والصمود الفلسطيني استمر.. لم يزده البطش إلا إصرارًا.. والقتل
إلا ثباتًا..
الشعب الفلسطيني البطل.. أكد
بانتفاضته رفضه لمساومة العدو اليهودي على فلسطين.. مؤكدًا أن حقه في «كل فلسطين»
هو حق طبيعي وتاريخي.. لا تغيره قرارات دولية.. ولا تسويات سياسية.
فأبناء فلسطين بانتفاضتهم هذه حددوا
طريق التحرير والخلاص بأنه الجهاد والاستشهاد، لا الحوار أو الاستجداء.. لأن
اليهود مرض خبيث كالسرطان، لا يفيد معه علاج سوى الاستئصال..
لقد أعادت الانتفاضة صياغة الشعب
الفلسطيني.. فجعلت منه شعبًا مؤمنًا مجاهدًا مترابطًا يأبى الذل والخضوع
والاستسلام.. فغدت الانتفاضة بالنسبة له خبزًا يوميًّا، وطريقة حياة اعتاد عليها
وتأقلم معها.. فأقبل على بناء اقتصاده الوطني المستقل عن اقتصاد العدو المحتل..
وقاطع بضائع اليهود والعمل في مصانعهم.. وشكل لجانه وهيئاته الشعبية لتتولى تصريف
شئون الحياة.. وضرب للناس أروع الأمثلة بالتكافل فيما بينهم.. ومهدوا بأيديهم طريق
النصر والتحرير.
ولقد كان لانتفاضة شعب فلسطين أثر
كبير على ضرب مصالح العدو اليهودي وضعضعة اقتصاده وتأجيج الخلاف بين أحزابه
وقياداته وكشف صورته الحقيقية البشعة الملطخة بالإجرام والإرهاب أمام الرأي العام
العالمي الذي كان يعتبر دولة العدو واحة الديمقراطية في المنطقة.. لقد هزت
الانتفاضة الضمير العالمي من أعماقه وأحدثت تفاعلًا واضحًا مع شعب فلسطين وجهاده..
وحركت انتفاضة الحجارة والمولوتوف في
فلسطين عواصم الدول المعادية، وكانت واشنطن أكثرها أثرًا حيث سارعت ومنذ وقت مبكر
إلى إنقاذ «إسرائيل» من «ورطتها» فأوحت لها بمبادرة شامير للانتخابات في الأراضي
المحتلة كوسيلة لضرب الانتفاضة وإجهاضها ومحاولة زرع الخلاف والصراع في الساحة
الفلسطينية.. وما زالت الإدارة الأمريكية تتولى «صياغة» و«رعاية» مبادرات
التسوية.. لتكون بمثابة كمائن سياسية.. تحاول استدراج الطرف الفلسطيني لها..
بالترغيب تارة وبالترهيب تارة أخرى.
مرت الذكرى الثانية للانتفاضة
الباسلة.. واحتفل الناس والأنظمة والمؤسسات بها كل على طريقته.. والحقيقة أن الخطر
الأكبر الذي يهدد الانتفاضة ليس هو القمع اليهودي، وليس هو تصاعد شراسة الاحتلال
في مواجهة فعاليات الانتفاضة، وإنما الخطر الأكبر يكمن بطريقة التعاطي العربي
والإسلامي الرسمي والشعبي معها..
فقد سارعت الأنظمة العربية
والإسلامية إلى تأييد الانتفاضة وتقديم الدعم «المالي» و«الإعلامي» لها.. ثم «كفى
الله المؤمنين القتال».. وكأن ذلك من شأنه أن ينهي الاحتلال اليهودي أو يعيد الأرض
ويحرر المقدسات.. بينما هو لا يعدو أكثر من جرعات دعم آنية ومؤقتة تعين الناس على
إطالة أمد صمودهم، ليس إلا.
أما الدعم الحقيقي.. فقد أغمض الجميع
أعينهم عنه.. وكأن الأمر لا يعنيهم.. وهكذا فإن كل أشكال الدعم التي قدمت لا تعدو
أن تكون مساعدات إغاثة كالتي اعتادت الدول على تقديمها لمنكوبي المجاعات
والفيضانات.
إن الدعم الذي ينتظره شعب فلسطين ليس
مالًا فقط، رغم أهميته.. وليس إعلامًا فقط رغم ضرورته في مواجهة الإعلام المعادي.
وإنما المطلوب هو موقف عربي «صادق»
على طريق دعم انتفاضة شعب فلسطين والتواصل مع جهاده.. عبر تبني «استراتيجية
مواجهة» عربية إسلامية ترتكز على التحرير، ولا تشطبه من حساباتها واعتباراتها.
المطلوب هو إعادة الخيار العسكري
فلسطينيًّا وعربيًّا.. المطلوب هو قرار حرب ومواجهة.. وبهذا ننصر فلسطين وشعبها..
وبهذا ندعم انتفاضتهم المباركة.
وبغير ذلك فسيستمر العدو اليهودي
«يسرح ويمرح» في المنطقة، وسيستمر في محاولاته الدؤوبة لتحقيق أطماعه التوسعية من
أجل إنشاء «إسرائيل الكبرى» وإقامة حضارتهم العبرانية المزعومة.
إن تأجيل فتح الحدود المغلقة.. وتبني
الخيار العسكري.. والاستمرار في التعاطي مع أطروحات التسوية.. هو تكريس للوجود
اليهودي في المنطقة وإذعان للسياسة الاستعمارية الدولية التي أوجدت هذا الكيان.
لقد قدم الشعب الفلسطيني أكثر من ألف
شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى والمعتقلين.. ومازال شلال الدم الفلسطيني ينزف على
أرض الإسراء والمعراج دفاعًا عن الأمة الإسلامية جمعاء.. ودفاعًا عن عقيدتها
ومقدساتها وكرامتها، فهل نبادر -على أبواب العام الثالث- للقيام بالواجب الذي
تمليه علينا عقيدتنا وإسلامنا لمناصرة أبناء فلسطين والوقوف معهم في خندق المواجهة..
أم أننا سنبقى ننظر لتضحياتهم بالإعجاب وببعض التبرعات؟!
وإلى شعب فلسطين المصابر.. فمزيدًا
من العطاء ومزيدًا من التضحية، ومزيدًا من التلاحم مع الحركة الإسلامية التي شرفها
الله بتفجير الانتفاضة وقيادة المواجهات مع الاحتلال اليهودي..
ومزيدًا من الوحدة بين الاتجاهات
العاملة في الانتفاضة.. ومزيدًا من الصبر.. فإن النصر مع الصبر.. وإن النصر صبر
ساعة.. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء:51).