; مع قصة «عمر يظهر في القدس» لنجيب الكيلاني | مجلة المجتمع

العنوان مع قصة «عمر يظهر في القدس» لنجيب الكيلاني

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1975

مشاهدات 8

نشر في العدد 260

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 29-يوليو-1975

قليلة تلك الآثار الأدبية التي استطاعت أن تأخذ مكانها في عالم الأدب المعاصر، وتبرز بسماتها الأصيلة مع تميزها الإسلامي الذي يعبر عن تصور إسلامي واضح، ونهج سليم، وهي في الوقت ذاته تدخل معترك الحياة المعاصرة لتعالج قضايا الواقع، ومشكلات الإنسان من خلال المنظار الإسلامي الصحيح.

وتبرز لنا قصص الدكتور نجيب الكيلاني كواحدة من هذه الآثار، وكواحد من رواد القصة الإسلامية، بموضوعاتها، وفنيتها، ووضوحها وتميزها، لا سيما في قصصه الأخيرة: نور الله- قاتل حمزة- دم لفطير صهيون- عذراء جاكرتا- ليالي تركستان- عمالقة الشمال- حبيبي رمضان- عمر يظهر في القدس.

هذا الإنتاج الغزير يحتاج إلى أقلام الدارسين، لوضعه، وتحليله وتقويمه، والحكم عليه، بغية وضعه في موضعه المناسب، وتأكيده حق قدره؛ لأن ذلك يساهم في رسم الطريق لمنهج الأدب الإسلامي عامة، وللقصة الإسلامية خاصة.

ولا نشك في أصالة الفن الذي يمارسه الدكتور الفنان، من خلال إنتاجه الغزير الذي جاوز الثلاثين من المؤلفات ما بين شعر وقصة ومسرح، وهو شاهد على قدرة كاتبنا الطبيب الأدبية، ورسوخ قدمه في هذا الفن وأصالته في تناول موضوعاته وطرح أفكاره وتنوع إنتاجه. ويبدو ذلك من خلال وضوح وبساطة وعفوية تأسر القارئ وتمتعه بآن واحد.

ولا ننسى أن الفنان المسلم يجابه صعوبات وعوائق فائقة، ويحارب على جبهات متعددة، وقد يمضي إلى ربه شهيدًا في جهاده المقدس من أجل الكلمة الشريفة التي تحمل الحق والخير والجمال للإنسان، لذا يستحق أن يعطى شيئًا من التقدير والرعاية، من خلال تقويم أدبه ودراسته ليستمر في العطاء، ويثبت في مجالات الصراع المحتدم.

فإذا تغافل النقاد- عمدًا أو بدون عمد- عن الآثار الإسلامية بغية طمسها، والحكم عليها بالفناء والموت، فعلى الأقلام الواعية المخلصة مجابهة هذا الكيد، بإيجابية واعية، وتقويم عادل من خلال دراسة هذه الآثار ووضعها في مكانها الحقيقي.

إن أبرز ما يلفت النظر في مؤلفات الدكتور نجيب قصته الفريدة «عمر يظهر في القدس» إذ تناول فيها موضوعًا طريفًا وفريدًا، فيه جرأة ووضوح، مما يجعلها وثيقة في هذا العصر.

وليس هينًا على الأديب أن يتناول موضوعًا يمزج فيه بين الماضي والحاضر، بل يصل بينهما حتى يجعلهما موضوعًا واحدًا، باذلًا في ذلك طاقة من الجهد والإبداع والأصالة، ما يجعله أهلًا للتقدير والدراسة. لقد كان الموضوع يدور حول النكسة التي أصابت العالم العربي، بل العالم الإسلامي عام 1967 عندما احتلت الصهيونية أراضٍ عربية جديدة، واستولت على القدس، وداست فيها كرامة الإنسان وشوهت معالم تاريخها المجيد، وطعنت بذلك العالم الإسلامي الذي ظل غافلًا أو متغافلًا طوال قرون رغم هذه الأحداث الدامية.

في هذا الجو الخانق، في مرحلة التمزق والذل والقلق يبحث كاتبنا بجدية مخلصة عن الأسباب الحقيقية لكل ما أصاب العالم العربي والإسلامي من أزمات ونكبات، ويعطينا في الفصل الأول صورة عن الأثر الذي تركته هذه النكبة في نفس المسلم:

«الحقيقة إنني أشعر بحزن ثقيل ينوء به قلبي وبمرارة عارمة تشيع بها روحي، ويتملكني يأس معاند، لا يفتأ يطالعني من وقت لآخر.. نحن جيل الضياع والأحزان بالأصالة، أيام الذل مزرعة خصبة للآلام والأحزان، وسنوات الهوان الطويلة لم تنفجر عن فجر يبدد الظلام والوجوم، وتمادى العدو في طغيانه وعيثه وغروره دون أن نستطيع الثأر منه، يشعرني بعجز قاتل، ويعصف بالأحلام الخضراء».

وفي هذا الجو الذي سيطر على العالم العربي، يظهر عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- على مستوى الأحداث ليكشف للمجتمع العربي حقيقة الصراع القائم في عصرنا، ويكشف له عن أسباب الهزيمة التي ظلت تخيم على أرض المسلمين ما يقارب القرن، وآخرها هذه الهزيمة.

ومن البداية يؤكد لنا الكاتب ملامح الشخصية المشرقة المؤمنة- شخصية عمر- بعيدة عن الزيف والقلق والخوف والتردد والشعور بالهزيمة والذل «تأتي الكلمات من بين شفتيه قوية رصينة، تفوح منها رائحة الصدق والجلال، بريئة من الشك والريبة، خالصة من كل بهتان» وهذا ما يريده الكاتب من استحضار شخصية عمر في هذا العصر.

وعندما يدور الحوار بين عمر وبين الشخصية التي رافقته يصور لنا الكاتب على لسان هذه الشخصية عالمنا ومجتمعنا الإسلامي فيقول: «لك الله يا عمر! لقد أُطلقت الحدود، والخمر تباع في كل مكان، الحكام يشربونها في الحفلات العامة وفي بيوتهم، يتساقونها علانية، وكأنهم يتساقون أقداحًا من القهوة، وبيوت الدعارة تأخذ تراخيص من الحكومة، ويحميها القانون، لقد أصبح للفساد قوانين تنظمه وترعاه».

وبعد أن يسمع عمر محدثه، ويرى في سلوكه وحديثه صورة لهذا المجتمع يقول له: «الآن عرفت سبب انتصار اليهود عليكم، ونشرهم الفجور بين ظهرانيكم، الخوف يلد الرذيلة، والهزيمة تمسخ ضعفاء الإيمان، أنتم جياع برغم رصيدكم الضخم من الزاد، تدقون الأبواب الصلدة في بله ولو بحثتم لتفتح أمامكم باب النعيم الأبدي».

ويستشهد بهذا البيت:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما                        والماء فوق ظهورها محمول

«... إن من يتعود التقاط الفتات من موائد الأغنياء، تسحره كلماتهم وفكرهم وسلوكهم، ويحاول أن يقلدهم، وفي التقليد الأعمى فناء العقل والروح، هكذا يتحول السادة إلى عبيد، وإذا أردت أن تعرف كيف يصبح العبيد سادة فتذكر قصة أخي بلال بن رباح، لقد سخر من نتن الفكر لدى أساطين الكفر في مكة.. ضربوه.. عذبوه.. لكنه لم ينحنِ ليلتقط الفتات.. أتفهمني؟».

ولكي يستطيع الكاتب بعث الشخصية المسلمة في هذه الأحداث، تخيل لنا عمر يظهر في القدس، ينطق بلسانه، ويتصرف بتصرفاته، إنه يصور لنا بقصته هذه حقيقة العالم الإسلامي كله.

فالقدس ليست مدينة واحدة.. وإن كان لها من القداسة ما لها، ولكن الكاتب أراد أن تكون رمزًا لعالمنا العربي والإسلامي الذي يستبيحه المغرورون بصور شتى، قد لا نهتم إلا للصورة العسكرية منها بينما نترامى على أقدام الغزاة الحاملين للدعارة، والفساد، والإلحاد، ونكون لهم عبيدًا وجنودًا، فتصنع المهزلة البشعة عندما نغضب لحق أستعمل العدو قوته في سلبه فقهرنا بينما نسكت عن قهرٍ لنا في كل شيء ومظهر.

لذا أراد الكاتب أن تكون القدس صورة للعالم العربي والإسلامي، والصورة الدامية التي ظهرت على مسرحها هي صورة لكثير من الصور الدامية التي تجري هنا وهناك على امتداد العالم الإسلامي كله..

والشخصيات التي ظهرت في القصة هي نماذج من مجتمعنا، فالمسلم المحافظ على قيمه الإسلامية، مهزوم داخليًا، قلق خانق، مهزوز الفكر أحيانًا، ضعيف الإيمان، لأنه لا يعرف من إسلامه غير المظهر والشعائر، ولا يفهم من إيمانه غير النطق بالشهادتين، وينسى مدلول الإسلام والإيمان في عالم الواقع والسلوك والفكر والجهاد كما فهمها المسلمون الحقيقيون عبر قرون عديدة، فحولوا الدنيا إلى مجتمع كريم، وأناخوا غطرسة الكفر في دولتيه العظيمتين حتى تحطمنا تحت أقدام المجاهدين، وصدحت كلمة الله قوية هنا وهناك. وكذلك هناك الإنسان العادي الذي تخلى عن قيمه وراح يجري وراء ملذاته، وتفسخت شخصيته وقيمه، وبدأ يتبجح بالنتن الجديد تحت أسماء براقة.

وهناك الذي فتنته المادة في عصر العلم، فظن أنها كل شيء، فأنكر حقيقة الوجود، وخالق الوجود.. وبدأ يفلسف الحياة بطريقة آلية بلهاء، تمسخ الإنسان، وتطحنه بين أسنان الآلة الجامدة.. وهناك الصور الداعرة التي يقوم على رأسها، وينفخ بنارها اليهود في كل مكان، ويحملونها شعارًا ووسيلة، يغرون الشعوب، ويلوحون بها للغرائز، ويستخدمونها وسيلة للسيطرة على كنوز العالم ومراكز القوة فيه.

ولكن هذه الشخصيات كلها لا تطمس حقائق الوجود، وحقائق الحياة الإنسانية، وهي - رغم واقعها المظلم- تملك الفطرة التي يمكن استنقاذها إذا خوطبت بلغتها الواضحة الحية، لغة الوجود كله، فتستوي هذه الفطرة، وتجد ملجأها وملاذها وطمأنينتها وذاتها في ظل الخالق الرحيم، وشريعته الكاملة.

أما شخصية عمر في مواجهة هذا الواقع -من الناس والأحداث- فهي شخصية المسلم الحقيقي، بوضوحه وإشراقه، بإيمانه الصلب، وإسلامه الواضح المتميز، بوعيه وإدراكه لما وراء هذه المظاهر، بإخلاصه وصفائه، بقوته وجرأته، باستقامته وعدله، بوطنيته وتضحيته.

ولكي يقرب لنا الكاتب صورة المسلم، ويجعلها واقعية، لها كل ملامح الحياة الحقيقية الملموسة وبغية إزالة الغرابة والخيال عنها لجأ إلى المزج بين واقع العصر، وواقع التاريخ، ومن الطرافة والجرأة معًا أن يلجأ الشاعر إلى الخيال ليلبسه أثواب الحقيقة عندما استنطق التاريخ في أجلى صورة، وأنصع بيان، واستدعى من أجل ذلك بعث الشخصية الرائعة التي أعطت أروع مثل عن المسلم وهي شخصية الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان هذا لدواعٍ عدة منها:

1-     لأنها شخصية واقعية لا يستطيع عدو- فضلًا عن الصديق- أن يماري في نصاعتها وحقيقتها، واستقامتها، وعبقريتها، وسعة إدراكها للأمور.

2-     لأنها شخصية تحوز على الصفات المطلوبة من المسلم، وتحوز على الإعجاب وله في نفوس المسلمين ذلك القدر الكبير من شعور الحب والاعتراف له بالإيمان والعبقرية والصدق والأمانة والوعي.

3-     أن شخصية عمر- رضي الله عنه- بوضوحها ومميزاتها الإيمانية والعملية- تستطيع أن تعطي الصورة المتميزة الفريدة للمسلم في أي عصر، لهذا عمل الكاتب على بث شخصيته في قلب هذه الأحداث العاصفة، ووسط هذا العصر الذي يبدو فيه أن زعماء العالم اليوم لا يستغلون ما وهبهم الله من قدرات إلا لجركم إلى الانحراف والخنوع والغرور، القوة في أيديكم وسيلة لقهر المساكين، والرفاهية نقمة وأدواء، والحرية دعارة، والعلم تحكيم للأنانية على مستوى الفرد والدولة»(1).

وعمر هنا ليس شخصية تاريخية مضت- وانقضى عصرها- بل هو المسلم الحقيقي في كل عصر، المسلم الذي يعاني هذه الأزمات، ويكتوي بنيران الغربة والقهر والحروب، ويجاهد بإخلاص حاملًا الحب والخير للإنسان في هذا العالم.. لهذا قال على لسان بطل قصته في الصفحة (258) عندما سأله المحقق عن المكان الذي قصده أمير المؤمنين فقال: «إنه في كل مكان، إنه ليس مجرد جسد، هو فكر وعقيدة، إنه إيمان مستحيل أن تقبضوا عليه.. إن أردتم فاقبضوا على كل رجل ذي قلب مؤمن.. هم هو.. وهو هم».

وهذا ما قصده بالذات كاتبنا، فعمر هو المسلم الحقيقي القريب المتميز المخلص، الذي يتفاعل مع الحياة بإيجابية، يواجهها على أساس العقيدة دون أن تذيبه أو تحرفه مفاجآت العصر ومغرياته ومخوفاته.

وعمر هو المسلم صاحب العقيدة الذي لا يتنازل عن عقيدته مهما بلغت المآسي والتضحيات، المحب للإنسان، لشعبه، لوطنه، ويحمل النور للناس، وهو قوي بإيمانه، إيجابي بعمله، مخلص في سلوكه وعمله «الكلمات وحدها لا تجدي كثيرًا، يجب أن يحملها فکر ظاهر، وقلب مؤمن لا يرهب إلا الله، يجب أن تترجم إلى سلوك، إلى حياة مميزة، هذا أفعل وأقوى، اعرف أن عصركم عصر القوة، لكن ثقوا يا أبنائي أن قلب المؤمن وفكره الحر الشجاع، وروحه الطاهرة ستمدكم بقوة لا مثيل لها، القوة ليست الحديد والنار وحدهما، إنهما مظهران ماديان، هناك القوة الروحية، ستحتاجون الحديد والنار- لا شك- كما فعل نبيكم- عليه الصلاة والسلام.. القوة المادية وحدها هراء وإلى زوال.. وقد يملكها الكثيرون، ولست حالمًا ولا واهمًا، ولا استلهم كلمات من شطحات الخيال والهذيان، بل في يدي الدليل، هكذا انتصر نبيكم، اذكروا «بدر» و«أحد» و«الخندق» و«حنين».. كان لكل معركة منها سمة خاصة بها وانتصرنا، لا تقولوا كما يقول المغرورون: هذا عصر مضى.. ذاك قول باطل، حيث توجد المبادئ متمثلة في رجال مؤمنين لا يخافون إلا الله وحده يوجد النصر، وتشرق شمس العدالة والكرامة، ويسعد الناس ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾».

وبعد أن أعطى ملامح الشخصية الإسلامية في إطار هذا العصر من خلال إحياء شخصية عمر بدأ يستعرض صورًا من الأزمة، وألوانًا من عذابات الإنسان والحياة في القدس- رمز القداسة والخير- التي يسكنها اليهود- ويسوسون الحياة فيها.

ولعل كاتبنا يريد أن يشير بذلك إلى دور اليهود في طمس معالم الحق والخير في العالم، ومحاربة العقيدة والأخلاق وتفسيخ الحياة كلها، ما دامت القدس رمزًا للخير، ورمزًا لعالمنا الإسلامي كله، ثم يصف لنا هذا العصر، فيكشف من خلاله عن الزيف والخداع والتحريف والإفساد ويضع أيدينا على عوراتنا التي نخر فيها التشويه والفساد، حتى بتنا نأنس بهذه الصورة المشوهة، ونركن إلى التخدير، ونستذل أمام القهر، ونخدع بالدعايات.

ومفاهيم الحياة تغيرت: (الحرية، العدالة، الحب، الخير).. مما جعل المسلمين يتخلون عن دورهم في الحياة، لهذا وصف هذا الجيل «جيل الهواء والسخريات والعبث» والجاهلية «عادت كأعنف وأخبث ما يمكن».

والمسلمون- مع هذا- ساكتون خانعون، لأن المسلم الحقيقي أصبح غريبًا مطاردًا، وأضحى بينه وبين المسلم المعاصر فرقًا كبيرًا لأن المسلم الحقيقي يرى إسلامه سلوكًا لا يتنازل عنه، لأنه لا يتنازل عن إيمانه وعقيدته، أما مسلم اليوم فيرى إسلامه تقليدًا ومظهرًا وفكرًا خاويًا، لذا فهو يناقش ويساوم واستطاع اليهود أن يطبعوا العصر بطابعهم، ويسوقونه في دروب العهر والزيف والضلال والمكيدة، وهذا هو دورهم في التاريخ. منهم أهل الدعارة والاستغلال.

ولا غرابة بعدها أن تحل الهزيمة وأسبابها كما يراها عمر «الآن عرفت سبب انتصار اليهود عليكم، ونشرهم الفجور بين ظهرانيكم، الخوف يلد الرذيلة، والهزيمة تمسخ ضعفاء الإيمان، أنتم جياع برغم رصيدكم الضخم من الزاد، تدقون الأبواب الصلدة في بله ولو بحثتم لتفتح أمامكم باب النعيم الأبدي».

ولا يترك هذه المظاهر المرضية تمر عرضًا بل يلح عليها أحيانًا إذ يرى أن العالم الإسلامي يبلغ مئات الملايين، ويملكون أغنى الأراضي والإمكانات، ومع ذلك فهم ضعفاء متخلفون، يتغلب عليهم حفنة فاسدة من اليهود.. فما السبب؟ وكيف فقد المسلم قدرته على الثبات والتفوق والنجاح والانتصار؟ إن الأمر واضح لكل ذي عينين مبصرتين، لهذا نراه يقول على لسان عمر عندما غادر المسجد ورأى جموع المصلين الذين خرجوا من المسجد كما دخلوا: «لكأنما يفرون من وباء، أخشى أن تكون صلاتهم مجرد حركات ميتة لا روح فيها، أين الخشوع والقلوب المعلقة بالله؟ الوعاء خال من أي شراب، الشكل وحده هو ما تهتمون به.. عبادتكم بلا جوهر، أخشى أن يكون الأمر كذلك».

ويعطي الأمر صراحة أكثر حينما يقول: «إنكم مسلمون لكن بأخلاق اليهود».

ثم قال بمرارة: «أنتم أكذوبة التاريخ.. حياتكم وفكركم، وعملكم زيف لا مثيل له، وجودكم مستعار.. أين المسلم؟ لابد أن نبحث عنه».

ويعجب عمر- وهو المسلم الحقيقي- عندما يرى الحكام المسلمين يسخرون الدين لمصالحهم بدلًا من أن يكونوا أداة منفذة لمقتضيات الإيمان والشرع، يتقون مرضاة الله وحده فيقول لهم: «حتى في بلاد المسلمين يحدث شيء كهذا؟ ما يرضي الحكام فهو من الدين، وما يتعارض مع وجهة نظرهم فهو كفر وإلحاد.. لقد صنع لنا الذل دينًا جديدًا من الفكر الضرير».

وفي هذا الواقع المؤلم تتضاعف مسؤولية العلماء- وهم ورثة الأنبياء- ولكم رأينا في تاريخنا علماء بارزين من العلماء الأتقياء العاملين يحولون مسيرة التاريخ، ويقوّمون اعوجاج الأمة، وتنخلع لهيبتهم قلوب الطغاة، ويخضع لسلطانهم الملوك والأمراء والحكام.

ولكن الواقع- هنا أيضًا- أشد إيلامًا ومرارة- فلقد افتقدنا أمثال هؤلاء، وصعد المنابر رجل الدين بصورته الأوروبية؛ ليأخذ دوره المرسوم، ويقوم بمراسم المهنة والمهمة الموكولة له، فيقول لهم: «الدين ليس مجموعة من الكتب تحفظونها عن ظهر قلب.. نحن موتى.. لقد خسرنا كل شيء: الدين والدنيا، والملايين منا ركعت في ذلة تستجدي انسحاب الدولة الصغيرة برغم إحاطتنا بجميع علوم الدين إن التجربة أقوى صفعة في وجه ادعاءاتنا وغرورنا، أنتم موظفون.. أذناب.. ولستم علماء دين».

ويفضح أساليبهم: «تتخلفون دائمًا.. تركبون ذيل الموكب.. وتلبسون أي شعار جديد ثيابًا مهلهلة تسمونها الدين وتجددون التأويل الكاذب لتجتلبوا رضى الحكام.. في ذيل الموكب دائمًا، لكن العامة في الشوارع سينهجون، سيتلقفون الحقيقة، ويتشربون أريجها دون حذلقة ولن يهابوا الموت، إن ظهور عمر خطر على إسرائيل، لكنه أشد خطرًا على دنياكم المليئة بالكذب والخوف والنفاق، ولهذا تكرهون ظهوره».

إن القصة كلها تريد أن تصور لنا الواقع، وتكشف عن حقائقه مهما كان مرًا، إن تخلصنا من الهزيمة والمرض والتخلف لن يكون إلا بكشف الأدوية والأمراض بوعي وإخلاص، وبنظرة لا تخدعها المظاهر أو الحدود أو المادة، أو الدعايات ولا تغشها الطعوم الدانية مهما بدا مذاقها حلوًا في حلوق المغرورين.

لقد وضع الكاتب أيدينا على الجراح، والأمراض، وكشف أمام أعيننا عن شريحة من شرائح حياتنا العفنة.

إن إسلامنا قوي بمنطقه، بواقعيته، بحركيته، بإيجابيته، بخصائصه بارتباطه وثيق بفطرة الإنسان.

وإن إسلامنا عزيز لأنه الحق من عند الله، ولكنه يحتاج إلى حملة أمناء، يتحولون إلى وقائع وأحداث، ومجاهدين، ومجتمع، ودعاة وعلماء، وحينها يرى الناس أنه الخير والطمأنينة والنصر.

إن هذه القصة أعطت كثيرًا. وكشفت بأسلوبها الآسر عن خبائث اليهود وزبانيتهم في الإفساد والتشويه والتحريف لكل قيمنا وتاريخنا وسلوكنا.. وكشفت عن صور من مآسينا وأمراضنا، وصور من الكيد والقهر للمسلم الغريب في هذا العصر على يد المسخَرين والممسوخين لتنفيذ المخطط اليهودي في العالم الإسلامي كله.

وعرضت هذه القصة الرائدة لقضية الإنسان في هذا العصر الذي أهينت كرامته، وطعنت مقدساته، وسلبت حريته، وهي مليئة بالقضايا الكثيرة التي يعاني منها الإنسان والمجتمع كله ولا يسع الكاتب أن يستعرض جزئياتها وما طرحه كاتبها من أشياء وأمور على أرض الواقع، ومن استقراء الأحداث، فهي بهذا تعد قصة رائدة في أسلوبها، وفكرتها، ومزجها بين الماضي والحاضر. والربط بينهما من خلال شخصية عمر، أو شخصية المؤمن بجوهرها السامي، وحقيقتها الرائعة حين تظهر على مسرح الأحداث. ومثل هذه التجربة جديرة بالتقدير والإكبار. ولو أن الكاتب اضطر لوضع شخصية عمر في أحداث يومية قد يجعل بعض الناس يتحفظون منها.

إن كاتبنا الفنان قد دفع بفن القصة الإسلامية خطوات إلى الأمام، وفتح طريقًا بكرًا، وأعطى نموذجًا رائعًا مهما كانت مخاوف الطريق أمام هذه التجربة.

وإن غزارة المادة في القصة تدل على سعة اطلاع الكاتب وقدرته على الاستفادة من الجزئيات. وجديته في طرح الموضوعات المهمة من خلال أحداث القصة.

ولعل كاتبنا يحسد على أصالته في الحفاظ على أصول الفن رغم كثافة الأحداث. والفكر الذي طرحه من خلالها.

ولا يسعني إلا تهنئة الدكتور نجيب الكيلاني في هذا الأثر الرائع الذي فتح فيه أمام القصة الإسلامية طريقًا مليئًا بالثمار والطرافة والفائدة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

919

الثلاثاء 31-مارس-1970

سراقة بن مالك

نشر في العدد 3

257

الثلاثاء 31-مارس-1970

سراقة بن مالك رضي الله عنه