العنوان مع مسرحية الملحمة النبوية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1972
مشاهدات 90
نشر في العدد 98
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 02-مايو-1972
مفاجأة فنية وأمل عظيم.. في مسرح إسلامي ناجح
لقد كانت مسرحية «الملحمة النبوية» مفاجأة لكل المشاهدين الذين جاءوا وفي اعتقادهم أنهم سيقضون ليلة من العنتريات القديمة والصور المتحفية المعهودة للعمل الفني الذي يتعرض للتاريخ الإسلامي.
لكن المخرج فاجأهم بخروجه التام عن الشكل التقليدي للمسرحية، مضمونًا وإخراجًا، ووضعهم وجهًا لوجه مع حقائق الحياة الإسلامية دون أي حواجز وتعقيدات مسرحية.
ولما كان من الصعب على المخرج أن يقدم تاريخ الإسلام من قبيل البعثة المحمدية وحتى اشتعال النيران في أقبية المسجد الأقصى في سرد قصص متواصل فقد عمد إلى اقتطاف الصور الفنية الرئيسية التي تمثل حقبًا مختلفة وصورًا مختلفة ونسقها في «أوبرت» جميل. ثم أخرجها بشكل فني متحرر من تقاليد المسرح المألوفة.
لقد بدأت المسرحية -ذات الفصل الواحد- بعرض بعض الصور مما كان عليه المجتمع الجاهلي قبل البعثة، الحيرة الفكرية الطاحنة التي كانت تلف العقول والأزمة الفلسفية التي خلقها تعدد الآلهة وفساد العقائد وغياب النور الإلهي والهدي الرباني.. الفوارق الطبقية.. والظلم الاجتماعي الذي أصبح نظامًا تقوم عليه الحياة وفلسفة يتربى عليها المجتمع.. ثم المحاولات العدوانية التي قام بها الغزاة الأحباش لهدم الكعبة.. أقدس معقل يلوذ به العرب.
كل ذلك في حوار فني رفيع يدور بين شخصين أو ثلاثة في مشاهد متفرقة، ولكنها روعة في الأداء الفني والتأثير يربط بينها الإلقاء المباشر الذي يقوم به أربعة أشخاص من خشبة المسرح دون أن يفسدوا القالب الفني، وقد كان لجمال كلماتهم وتباين أصواتهم وحسن أدائهم وقعًا جميلًا.
ثم يولد النبي (صلى الله عليه وسلم) فيولد الهدى في وقت حبلت فيه الحياة بالنور والخلاص -فتبدأ عملية التغيير الاجتماعي متمثلة في تمرد الناس على الجاهلية- فتعمل الثورة في نفوس العبيد الذين التقوا بمحمد، ويحدثنا أحد العبيد «ميسرة» عن المعاني الجديدة التي أخذ يحسها بعد رحلته مع محمد (صلى الله عليه وسلم) وبسخطه على الواقع العبودي الذي يعيشه. ثم تتسع حركة الرفض للآلهة الحجرية الصماء ويشرق الإيمان في القلوب، ثم نشاهد صور الاضطهاد الرهيب واستشهاد سمية ثم التآمر على الهجرة فرارًا بالدعوة الجديدة.
وكم اهتزت قلوب الحاضرين عندما استمعوا إلى ترنيمات أهل المدينة -طلع البدر علينا- استقبالًا للنور الجديد والواقع فالمخرج قد استعان بالموسيقى التصويرية في حدود معقولة ومحدودة جدًا ومقبولة كذلك.
وفي المدينة يحدث الانقلاب الهائل في المجتمع الذي يتحكم فيه اليهود فيعيثون فسادًا في حياة الناس ويتسلطون عليهم بالربا ويديرون أوكار الملاهي والفساد، ثم تحين ساعة الفتح الأكبر ويزحف الإسلام على مكة ليحطم الأصنام ويعيد عقيدة التوحيد إلى قبلة التوحيد.
ثم تنداح المسرحية عبر التاريخ المتأخر لتسجل انتصارات الإسلام الكاسحة ومجده الخالد حتى تقف عند جيل الحكام الذين سلموا المسجد الأقصى لليهود ليحرقوه.
وفي مشهد الختام بينما المسلمون يتحسرون على ضياع قبلتهم الأولى وثالث الحرمين يدخل جيل الأمل القادم لابسًا «الكاكي» وهم يحملون الأعلام الإسلامية ويقطعون عهدًا حازمًا بأن يغسلوا العار ويخلصوا الأقصى من براثن اليهود.
لقد استطاع الأستاذ المخرج أن يحطم الحواجز المفتعلة بين الإسلام والحاضر وأن يقدم الدين الإسلام كحقائق عظيمة ومعانٍ سامية وليس كصورة تاريخية بالية كما هي العادة.
لقد تمكن أن ينزع الحقائق الدينية الجميلة من إطار التاريخ ليقدمها لمجتمع اليوم الذي أصبح أكثر ما يكون احتياجًا لها. وقد ساعده على ذلك اختياره الأسلوب العصري واللغة العصرية في التخاطب وإبراز قضايا الإسلام في شكلها العصري وهي بالطبع قضايا يعيشها الإنسان المعاصر بكل جوانبها الفلسفية والاجتماعية. كذلك فالمخرج -وهو نفسه مؤلف المسرحية- لم يكتفِ بإبراز المعاني الكامنة في الصور التاريخية والأحداث بل أدخل أفكار الإسلام في صور وأحداث مبتدعة وهو مجهود فني يشكر له ولما كانت جوانب التاريخ الإسلامي العظيمة متعددة الجوانب فقد استوعبت المسرحية تلك الجوانب جميعًا، فلم تأتِ مشاهد متصلة من البطولات الجهادية ولم تأتِ سردًا رتيبًا لمظاهر العدل والحق ولم تكن فصولًا من الأدعية والابتهالات الصوفية الكسلانة، كلا ولكن المخرج تمكن من تنسيق هذه الصور بطريقة جمعت كل مظاهر الخير والحق والجمال التي جاء بها الإسلام مع مشاهد العزة والبطولة والجهاد وقد أعطى هذا التلوين والتبدل بين مشاهد الخشوع والعدالة والاستعلاء طابعًا دراميًا مثيرًا شد مشاعر المشاهدين وأثّر في نفوسهم.
لقد كانت مسرحية «الملحمة النبوية» عملًا عظيمًا -نقدر الدافع الديني فيه قبل الجانب الفني- لذلك فنحن نشيد بمجهود الإخوان الذين أسهموا فيه قبل أن ننتقد مقدرتهم الفنية والتي تحتاج إلى الكثير من التمرين والصقل حتى تعمل إلى مستوى أفضل.
أما الأستاذ المخرج ومؤلف المسرحية عبد الفتاح السباعي فقد قدّم عملًا جليلًا يشهد له (بجانب حبه لدينه ورسوله «صلى الله عليه وسلم») بموهبة فنية كبيرة وثقافة أدبية عالية.