العنوان مغالطات عقائدية تمس الأنبياء
الكاتب علي تني العجمي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1997
مشاهدات 61
نشر في العدد 1277
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 25-نوفمبر-1997
تحت عنوان «نشيد الأناشيد دعوة للنساء والرجال إلى الشبع والارتواء» نشرت جريدة الهدف الأسبوعية الكويتية في عددها الصادر بتاريخ 1/11/1997م مغالطات عقائدية يندى لها الجبين وينم عن حقد كاتبها الذي لم يذيلها باسمه هذه المغالطات تناولت أكرم خلق الله عليه وهم الأنبياء والأدهى من ذلك أن مصدر النقل هو كتب التوراة المحرفة المسماة بالعهد القديم مع أن الكاتب أو المترجم لم يذكر مصدرًا معينًا يعزو هذه الأكاذيب إليه وبما أننا أصحاب عقيدة تحترم جميع الأنبياء وتثبت لهم ما أثبته الله لهم من مظاهر التكريم والعصمة وتنفي ما نفاه الله عنهم، فإننا سنتناول الرد خلال المصادر الموثوقة التي عول عليها علماؤنا في النقل والتثبت.
ذكر الكاتب في سياق قصة لوط عليه السلام مع قومه: «فخرج إليهم لوط إلى المدخل وأغلق الباب وراءه وقال: أسألكم ألا تفعلوا شرًا يا إخوتي ها أنذا لي ابنتان ما عرفنا رجلًا أخرجهما إليكم فاصنعوا بهما ما حسن في أعينكم وأما هذان الرجلان فلا تفعلوا بهما شيئًا لأنهما دخلا تحت ظل سقفي».
ثم ينقل حوارًا دار على لسان ابنتي لوط، نختصره لما فيه من كلام خارج، مؤداه أن ابنتي لوط سقتا أباهما خمرًا وضاجعتاه ولم يعلم بنومهما ولا قيامهما فحملت ابنتا لوط من أبيهما.
وهذا الكلام هو بعينه ما ورد في سفر التكوين بالإصحاح التاسع عشر ولا أدري ما الذي حدا بالكاتب الذي لم يذكر اسمه إلى هذه النقول المحرفة والتي طعن فيها كبار مؤرخي اليهود أنفسهم مثل المؤرخ الشهير «سيمون دبنوف» الذي يذكر «أن في الكتاب المقدس فصولًا كثيرة مأخوذة من الثقافة البابلية، كما يظهر من المقارنة بين الكتب السماوية وما ورد في التوراة» «انظر كتاب الفكر اليهودي د. سعد المرصفي ص 43».
فإذا كانت هذه ثقة كبار مؤرخي اليهود في كتبهم، فكيف نثق بها وننقل منها هذه النقول التي لا يصدقها عاقل، ثم تأتي المغالطة الأخرى في سياق آخر، «وقد برأ إبراهيم من خطاياه ذلك لأن إبراهيم كان دائمًا على أتم الاستعداد للامتثال دونما تردد لأوامر ربه وإلى الإيمان بخشوع بما لا يمكن تصديقه إذا شاء الرب وعلمه ذلك، بل كان مستعدًا لقتل حتى ابنه إسحاق وحيده الذي أحبه كل الحب، ليقدمه قربانًا على أحد الجبال»، ثم ساق الناقل قصة الذبح على أنها قد حدثت لإسحاق وليس لإسماعيل عليهما السلام كما هو معروف، وليس لنا من تعليق على هذه المغالطة التاريخية أكثر من رد الإمام ابن قيم الجوزية إذ يقول ما نصه: «وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهًا وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، في لفظ وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غر أصحاب القول أن في التوراة التي بأيديهم: اذبح ابنك إسحاق، قال: وهذه الزيادة من تحريفهم، وكذبهم، لأنها تناقض قوله، اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، ثم يضيف ابن القيم -رحمه الله- قائلًا: «وأيضًا فلا ريب أن الذبح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، وكان النحر بمكة من تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانًا ومكانًا، ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة»، ويقول أيضاً: «فإن الله سبحانه أجرى العادة أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده، وإبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد، ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه بمحبته والله تعالى قد اتخذه خليلًا، والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة، وأن لا يشارك بينه وبين غيره فيها، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد، أمره بذبح المحبوب، فلما أقدم على ذبحه وكانت محبة الله أعظم عنده من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة، إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس عليه فقد حصل المقصود، فنسخ الأمر وفدي الذبيح، وصدق الخليل الرؤيا وحصل مراد الرب ا هـ» ولمعرفة مزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع انظر زاد المعاد لابن القيم ج ۱ ص ۷۱ وما بعدها.
وبذلك نستخلص من كلام ابن القيم رحمه الله أن ذكر إسحاق على أنه هو الذبيح ما هو إلا افتراء يهودي من تحريف اليهود في كتبهم، ونمضي مع القصة التي تشوه صورة أطهر خلق الله وهم الأنبياء وينقل الكاتب المجهول هذا الكلام، «واستحثت داود رغبة مطلقة العنان في العيش والتمتع بالحياة، فدفعته إلى انتهاك الشريعة بلا انقطاع ليستسلم إلى غرائزه الجموحة، كان يرقص بكل ما أوتي من قوة»، ثم يذكر الفرية العظيمة عن سيدنا داود عليه السلام، حيث يتهمه بالزنى مع زوجة أحد قواده والتآمر لقتل هذا القائد شبه عار أمام تابوت العهد حيث تحفظ كتب الشريعة الخمسة.
ويتهم الناقل الجائر يعقوب قائلًا: «حتى يعقوب نفسه لم ينج من عقاب الرب عندما اقترف الخطيئة إذ أنزل الله به عقابًا لا يرحم على الرغم من عميق توبته، وشدة إخلاصه في خدمة الرب بين أبناء شعبه»، فهل يصدق عاقل أن الله يرفض توبة أنبيائه إذا تابوا رغم عصمتهم ويقبل توبة من سواهم من البشر؟ ألهذا الحد يهون أنبياء الله على الله حسب زعم «الكتاب المقدس»! ﴿سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: 16)، ولم يكتف المفترون بما سبق من بهتان في حق الأنبياء حتى طالوا سيدنا سليمان عليه السلام بقولهم في كتابه: «بيد أن ولعه بالمتعة ذهب به كل مذهب... ذلك أن سليمان كان ماهرًا في فن الهوى الرهيف والمتعة الرفيعة»، ويستمر مسلسل الكلام الجائر في حق الأنبياء والمنقول عن المصادر المحرفة فتنشر الجريدة كلامًا في الغزل نعتذر عن نشره في مجلتنا .
هذا مع الأسف الشديد غيض من فيض مملوء بالمجون والجرأة على أنبياء الله عليهم السلام منقول عن كتب اليهود المحرفة هل أراد الكاتب المجهول الذي نقل تلك النقولات الباطلة أن يستدل على أن مجتمع بني إسرائيل هو مجتمع الخطيئة؟ نحن لا نشك في ذلك، غير أن إقحام الأنبياء وجعلهم في صورة مشوهة مبتذلة ركونًا إلى كتب مزورة صورتهم أصحاب ملذات ونساء وخمر وأنهم شركاء لليهود في خطاياهم وجرأتهم على الله عز وجل وانتهاكهم لحرماته كل ذلك يجعلنا ننتفض استنكارًا لهذه الترهات، ما الفرق إذن بين الأنبياء وعموم الناس؟ ولماذا كرمهم الله، ولماذا بعثهم ما داموا يقترفون ما يقترف الناس؟
ولا أدري كيف سمحت الجريدة بنشر مثل هذه القصص التي لا يصدقها عاقل؟ وهل استغنينا عن مصادرنا الشرعية الصحيحة لنستبدلها بالنقل عن الكتب المحرفة لليهود؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل