العنوان مغتصبو حرائر البوسنة.. كيف يظلون مطلقي السراح ؟ !
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 25-أبريل-2009
مشاهدات 69
نشر في العدد 1849
نشر في الصفحة 32
السبت 25-أبريل-2009
لابد لكل جريمة من عقاب، لكن جرائم محددة لا يمكن أن يكون لها عقاب يوازيها، ولاسيما جرائم الاغتصاب التي حصلت في البوسنة على نطاق واسع، ومع ذلك لا يزال الكثير من الجناة مطلقي السراح داخل البوسنة وخارجها رغم ارتكابهم أبشع الجرائم، ومن بينهم ثلاثة من التشتنيك الصرب، ارتكبوا جريمة اغتصاب بحق فتاة كانت في الثامنة عشرة من عمرها، ولم يعاقبهم أحد رغم مرور ١٦ عاما على الجريمة!
المجرمون ينعمون بحصانة الدول الأوروبية
سراييفو: عبد الباقي خليفة المكان مدينة «بنيالوكا»... والتاريخ ١٨ يونيو ۱۹۹۳م.. والجناة ثلاثة من الوحوش الصرب الأرثوذكس.. والمجني عليها فتاة وديعة في ربيع عمرها تدعى «مائدة ميدارا». كانت عائدة من المعهد الثانوي الذي تدرس فيه بعد إنهائها امتحانات النهائية، وهي تمني نفسها بدخول الجامعة، عندما توقفت سيارة من نوع « زاستافا –١٠١»، صناعة يوغسلافية، وخرج منها ثلاثة كلاب مسعورة بلباسهم العسكري، وأرغموها على مرافقتهم إلى مكان مجهول.
لم تمض سبعة أيام حتى عُثر عليها على ضفاف نهر «فرباس» جثة هامدة.. الفحوص الطبية أثبتت أنها تعرضت للاغتصاب قبل أن يتم خنقها بحزام عسكري، وأثبتت التحريات أن المجرمين هم «سلافكو فويانوفيتش» (٣٤ سنة)، و«ملادن تريفيتشا» (٥٣سنة) «سلوبودان بابيتش»(٤٠سنة)، وجميعهم مطلقو السراح.
ثلاثة من« التشتنيك» الصرب اغتصبوا فتاة في الثامنة عشرة من عمرها ثم قتلوها .. ولم تتم إدانتهم رغم مرور ١٦ عاما على الجريمة!
الأول موجود في «ستوكهولم» ويحمل الجنسية السويدية، والثاني موقوف في إيطاليا بسبب دخوله البلاد بطريقة غير شرعية والثالث موجود في «بنيالوكا»، ولم يتم سجنه وإنما يحضر جلسات المحاكمة ثم يعود إلى بيته قرير العين!
مماطلة مستمر
جرائم أولئك المغتصبين القتلة لا تنتهي ولا حصر لها، وهو ما شجعهم على تكرارها فهناك جريمة أخرى ارتكبها كل من «ملادن تريفيتشا»، و«سلوبودان باييتش» في ٥ يونيو ۱۹۹۳م عندما اقتحموا منزل «صافت هيليتش»، وتحت تهديد السلاح اغتصبوا ابنته وزوجـتـه.. وبعد ١٢ يوماً ارتكبوا جريمتهم الأخرى باغتصاب وقتل الفتاة «مائدة» وإلقائها في نهر «فرباس».
ورغم أن التهمة ثابتة بحقهم إلا أن القضاء الصربي لم يأمر باعتقالهم على ذمة القضية؛ مما سمح بفرار اثنين من المتهمين. وكان أحـد الـشـهـود ويُدعى «أمير ميميتش» – مـوجود حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية قد ذكر في شهادته أنه شاهد الجناة الثلاثة وهم يقودون الضحية تحت تهديد السلاح ثم يحملونها إلى السيارة، ولكن – كما في السياسة – فإن القضاء الصربي لم يكن نزيهاً ولو مرة
واحدة في أي قضية يكون غير الصرب هم ضحاياها !
وبعد ١٦ عاماً لا تزال القضية أمام القضاء دون أي بارقة أمل في حكم عادل الصالح الضحية وأهلها، الذين يعانون من آثار الجريمة، ومن الوضع المعيشي الصعب الذي يواجهونه في «بنيالوكا».
ويبدو أن الصرب يماطلون حتى يموت الشهود – وربما الجناة أيضاً – وتنتهي القضية، ولذلك طالب المحامي فاضل ميميتش بتحويل القضية إلى القضاء المركزي في البوسنة، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.
كيف سمح للجناة بالفرار؟
أهالي الضحية والشهود لا يستطيعون الإدلاء بأقوالهم وفق ما لديهم من أدلة ومعطيات، ويتساءلون بدورهم: «كيف سمح للجناة بالفرار ؟!»، فيما تعاني أسرة الضحية ميدارا – إلى جانب الخوف – من وضع مادي صعب للغاية.
وفي أثناء المحاكمة التي يحضرها أحد الجناة ويغيب عنها الاثنان الآخران التي يكون جميع قضاتها من الصرب، تغيب العدالة تماماً، فمنذ نوفمبر ٢٠٠٦م وحتى ٢١ أبريل ٢٠٠٧م لم تنعقد سوى جلسة واحدة للمحاكمة، وفي تلك الجلسة انسحبت المدعية العامة« بليانا يانكوفيتش» بعلة المرض ومن تولى مهمتها أعلن أنه غير مستعد نفسياً للمحاكمة، ثم قالت رئيسة المحكمة الصربية «أولغا ماليشوفيتش»: «إن السويد ترفض تسليم أحد المتهمين في قضية «مائدة»، لأنه يحمل جنسيتها ولا تعترف سوى بالجرائم التي ترتكب فوق أراضيها» !
*القضاء الصربي يتصف بالشوفينية وعدم النزاهة في أي قضية يكون غير الصرب هم ضحاياها ؟
القضاء الصربي
قضية الفتاة البوسنية «مائدة ميداراء» ليست سوى حالة واحدة من مئات بل وآلاف الحالات التي اغتصب فيها مجرمو الحرب الصرب فتيات ونساء البوسنة، وقتلوهم غيلة وحقدا ضمن مخطط التطهير العرقي، وهي – كغيرها من القضايا المرفوعة أمام القضاء الصربي – نماذج لا تعد ولا تحصى...
فهناك أيضاً قضية «فاطمة أورليتش» التي اغتصب الصرب أرضها بالقوة، وبنوا فوقها كنيسة لا تزال قائمة حتى اليوم بحجة أنه يصعب هدم المبنى الديني، ولا تزال القضية في المحكمة دون أن يبت القضاء فيها على مدى ١٦ عاما.
وهناك من يرى أن المحكمة يمكن أن توجه تهمة الاغتصاب للمتهمين وقد تبرئهم من تهمة القتل وجرائم الحرب.. ولهذه الأسباب يأمل الكثيرون أن يتم تحويل القضية إلى المحكمة البوسنية العليا في سراييفو»، وهو أمر مشكوك فيه بسبب «الشوفينية» (*) التي يتصف بها القضاء الصربي؛ سواء داخل البوسنة أو خارجها.
احتمال ضعيف جداً !
*رئيسة المحكمة الصربية: السويد ترفض تسليم أحد المتهمين بذريعة أنه يحمل جنسيتها ولم يرتكب الجريمة فوق أراضيها !*
لم تستجب السويد لطلب النظر في التهمة الموجهة إلى الجاني «سينيتشا ميلوبيتش»، الموجود فوق أراضيها الذي يتمتع بجنسيتها بحجة أنه لم يرتكب جريمته فوق الأراضي السويدية!
وعند مراجعة السفارة السويدية في سراييفو، بهذا الخصوص، أخبرونا بأنه يمكن الاتصال بالشرطة السويدية على الرقم (٠٠٤٦٨٤٠١٣٨٥٠٢)، وأن بإمكانها المساعدة في هذه القضية، مع الإشارة إلى أن احتمال إلقاء القبض عليه أو ترحيله أو محاكمته في السويد ضعيف جدا!
وحتى اليوم لا تشعر عائلة الفتاة «مائدة» التي قتلها مجرمو الحرب بعد اغتصابها بالأمن ويسكنهم الخوف ويخشون ذكر أسماء أفراد العائلة عند الحديث للصحافة على قلة اهتمامها بالقضية التي تعد بكل المقاييس جريمة حرب خشية التعرض لمضايقات.
-جرائم بشعة
الفتاة «مائدة» تم اغتصابها ثم قتلها لأنها مسلمة، والجناة هم جنود صرب يرتدون الزي العسكري ارتكبوا جريمتهم البشعة أثناء حرب التطهير العرقي الصربية ضد مسلمي البوسنة.. ولم تكن حادثة اغتصاب وقتل تلك الفتاة هي الحالة الوحيدة لجرائم الحرب ضد المسلمين في «بنيالوكا»، فقد تم اغتصاب وقتل الكثيرات من بينهن «صابينا ميليوفيتش» وأثناء العدوان الصربي في البوسنة – خلال الأعوام من ۱۹۹۱ إلى ١٩٩٥م – قتل في« بنيالوكا» ١٣٥ بوسنيا مسلما، و٢٢ كرواتيا بوسنيا.. ففي عام ١٩٩١م، قتل ٤١ بوسنيا مسلما، و کروات بوسنيين وفي عام ۱۹۹٣م، قتل ۳۲ بوسنيا مسلما، و كروات بوسنيين. وفي عام ١٩٩٤م، قتل ١٧ بوسنياً مسلما، وا كروات بوسنيين.. وفي عام ١٩٩٥م، قتل ۲۰ بوسنيا مسلما ولا كروات بوسنيين.. وهناك أيضاً ٢٢ بوسنياً مسلماً، وكرواتي بوسني واحد تعرضوا للمصير نفسه، ولكن لا يُعرف متى قتلوا وأين انتهى بهم الأمر.
وقد حدث هذا بالطبع في مدينة واحدة كان يسيطر عليها الصرب في حين شهدت كل مدن البوسنة الأخرى جرائم قتل واغتصاب للمسلمين والمسلمات يندى لها جبين الإنسانية؛ حيث لقي قرابة ٢٥٠ ألف بوسني مصرعهم خلال سنوات العدوان الصربي الهمجي.. وتم – حتى اليوم. اكتشاف ١٦٥٠٠ جثة فقط، في أكثر من ٣٠٠ قبر جماعي، وباقي جثث الضحايا أخفاها الصرب في مقابر جماعية.
الهامش
(8)«الشوفينية».. تعني المغالاة في التعصب، وهي فكرة متطرفة وغير معقولة أساسها التعصب للمجموعة التي ينتمي إليها الفرد، وخاصة عندما يتضمن هذا التعصب حقداً وكراهية تجاه أي فريق منافس كأصحاب التمييز العرقي... وقد جاءت هذه الكلمة من اسم «نيكولاس شوفان» الجندي الفرنسي الذي جُرح عدة مرات في حروب الثورة الفرنسية وحروب «نابليون بونابرت» ولكنه ظل يقاتل في سبيل مجد فرنسا ومجد نابليون.. وتُستعمل «الشوفينية» حالياً في مجال الاستهجان وعدم الاستحسان وتمثل النازية الألمانية قمة التعصب الشوفيني.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل