العنوان مغربية وفرنسية تحققان طيلة ثلاث سنوات لفهم انجذاب الغربيين لهذا الدين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1986
مشاهدات 71
نشر في العدد 764
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 22-أبريل-1986
لماذا يقبل الغربيون في أوروبا وأمريكا على الإسلام؟
المعتنقون للإسلام ينتقدون المسيحية بتعبيرات كاريكاتورية بسبب خروجها عن مسارها وأخطائها الحقيقية والمفترضة.
نشرت مجلة "أفريقيا الشابة" في عددها الخامس والعشرين لشهر أبريل 1986 في ركن "كتاب الشهر" تحقيقًا عن كتاب ظهر مؤخرًا في باريس بعنوان: "من دين لآخر - اعتناق الإسلام في الغرب". قامت بتأليفه سيدتان هما: ليزباث روشي من فرنسا وفاطمة الشرقاوي من المغرب الأقصى، وتقول المؤلفتان: إن فكرة تأليف هذا الكتاب خطرت لهما أول مرة أثناء تناول العشاء عند صديق يعمل بالخطوط الجوية الفرنسية عندما أخبرهما هذا الصديق أنه عثر في يوم واحد على أربعين جواز سفر لمواطنين فرنسيين دخلوا الإسلام حديثًا وهم متوجهون بالطائرة لأداء فريضة الحج في البقاع المقدسة. كما تقولان إنهما قامتا خلال ثلاث سنوات بجمع أقوال وشهادات العديد من هؤلاء الذين أعلنوا إسلامهم في أوروبا وأمريكا من النساء والرجال الذين ينتمون إلى كل الفئات الاجتماعية، ففيهم الصغير والكبير وفيهم المثقف والفنان والحرفي والعامل.
ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن الإسلام ما برح يلاقي صدى طيبًا في نفوس الغربيين فيدخلون فيه عن طواعية بعدما أفلست كل النظريات في إسعادهم ولم تعد أديانهم قادرة على إطفاء ظمأهم الروحي. ففي فرنسا اليوم حوالي 200,000 فرنسي اعتنقوا الإسلام، إضافة إلى ما يزيد على مليوني مسلم من أصل مغربي، وبذلك يصبح الدين الإسلامي ثاني الأديان في فرنسا بعد الكاثوليكية وقبل البروتستانتية. أما أمريكا فيبلغ المسلمون فيها حوالي ثلاثة ملايين مسلم، وإذا كانت هذه الأعداد من المسلمين قليلة بالقياس مع تعداد الشعوب إلا أنها أصبحت مثيرة لمخاوف الكنيسة بالخصوص، ولعل هذا ما جعل جريدة "الصليب" الفرنسية الكاثوليكية تذهب إلى حد وصف المعتنقين للدين الإسلامي في أوروبا "بالطابور الخامس للإرهاب العالمي". ليقولوا ما شاءوا، فالحقيقة الثابتة التي يقر بها الجميع دون استثناء هي أن الدين الإسلامي هو الدين الوحيد بين الأديان الذي ما زال يسجل تقدمًا على مدى الساحة العالمية كلها.
ونظرًا لأهمية ما جاء في الكتاب المذكور من شهادات نلقي مزيدًا من الضوء على البواعث والدوافع التي تدفع الضالين التائهين إلى دين الحق نقدم للقارئ العربي المسلم مقتطفات مترجمة منه، وفيها كما سنرى أكثر من دلالة وأكثر من مغزى. جاء في التاريخ أنه عندما كان يهمس لسانت أوجيستان أن الزمن رديء كان يجيب: "أن الزمن هو أنتم". إن هذا الزمن يثير في نفوسنا نحن المعاصرين نفس الحيرة القديمة، ومثلما قال الكاتب والمؤرخ والأستاذ الجزائري "محمد أركون": "لقد أصبحت الأيديولوجيات أديانًا عصرية تبرر التضحيات من أجل النمو الاقتصادي. إن الناس الذين أصبحوا عبيد الأشياء والبيروقراطيات يجدون أنفسهم أمام اختيارين: أما تغيير نظام الأشياء تغييرًا جذريًا وأما الدعوة إلى الخلاص منها بواسطة الروح وإلى سمو يرتب ويضيء كل شيء كان يبدو لهم في هذه الدنيا مقلوبًا رأسًا على عقب...".
وفي هذا الاتجاه على كل حال ما صرح لنا به الإنجليزي "جين أيتن" "الذي سمى نفسه سيدي حسن عبد الله عبد الحميد" صاحب الأربعة والستين سنة ومعتنق الإسلام منذ 1950 حيث كان في ذلك الوقت قارئًا معينًا بجامعة القاهرة. قال لنا ذات مساء في المركز الثقافي الإسلامي بلندن حيث يعمل كمستشار تحريري: "لو لم أعتنق الدين الإسلامي لكنت عدميًا لا أؤمن بشيء، إنكم لا تتصورون إلى أي حد كانت روحي مضطربة.
حقًا إن الشك في الغرب يُرفع على أنه قيمة في حد ذاته، أما المسلم فهو الذي لا يمكن أن يتطرق إليه الشك". ويضيف ذلك "الجنتلمان" المثقف المهذب الذي عرف تربية مضادة للدين تكاد تكون في غاية التحرر يضيف قائلًا بنبرة فيها شيء من الحنين: "بلغت سن التاسعة ولم أسمع قط أحدًا يتفوه باسم الإله، وعندما كنت مراهقًا طالعت الكثير وقرأت، علم الروحانيات المسيحي والـ "فيدنتا" الهندية والشاعر "إيليوت" الذي ربط الصلة بيني وبين بعض الصوفيين الأوروبيين، الذين استغرقتني أفكارهم دون أن أشعر ثم كان الفتح والاكتشاف المبين لـ "ريني جينون" الذي اعتنق الإسلام سنة 1912 وكرس حياته لترجمة نصوص دينية روحانية، واعتنقت الإسلام بعيد ذلك، وكان اعتناقي له اختيارًا لا مفر منه لأنني بلغت ذلك الحد الذي أصبح معه الدين ضرورة أكيدة بالنسبة لي، وكذلك أصبح التصوف الإسلامي الذي كان يمثل خلاصة جميع الأديان يجيب عن كل أسئلتي...
"إيفادي فيتراي" الكاثوليكية سابقًا معروفة في عالم المعتنقين للإسلام بكتبها التي كتبتها عن الروحانيات الإسلامية... إنها نائبة رئيس القسم الفرنسي في جمعية "الإسلام والغرب" وهي تعبر عن رأي جميع المسلمين الغربيين عندما تصرح لنا قائلة: "القرآن هو آخر وحي، ومحمد هو خاتم الرسل، والقيمة التجميعية للإسلام تجعل الفرد مرتبطًا بمجموعة عالمية، فنحن إذا تركنا "أينشتاين" لنعود إلى "نيوتن" فإننا نخطو خطوة إلى الوراء، بل ننتحر روحيًا، ومهما كانت الحالة فالإسلام يجبر على الاعتراف بكل الملل وبكل الرسل السابقين.
لقد التقينا بها في الجامع- المركز الإسلامي بـ "آكس لاشابال" حيث يجتمع المسلمون الألمان سنويًا، إنها "إيفا اكشباس" ألمانية جميلة في السابعة والثلاثين من العمر، أستاذة في التعليم الابتدائي، تربت تربية بروتستانتية، كانت على الأرجح غير متدينة إلى أن التقت بمصري صار زوجها فيما بعد. "إيفا" المسلمة تلبس اليوم الحجاب بشموخ "لكي لا تكون امرأة من أجل إشباع الرغبات فقط يُرمى بها عندما تصبح عجوزة". كانت فيما مضى مرتبطة بالحركات ذات الأفكار اليسارية وهي تعلن: "إنني لا أزال جد مادية. فالقرآن يخاطب الإنسان كما هو وهو يعلمني كيفية السلوك في الحياة، وكيف يجب على الآخرين أن يتعاملوا معي. إنه مثل الأم، نجد فيه إعادات كثيرة، وهذا أحسن جدًا لأننا نحتاج أحيانًا إلى ذلك التكرار لكي نفهم. إنه منهج ونمط حياة وليس إيمانًا فقط وأن يعرف الإنسان كيف يكون، تلك أفضل نجدة".
في الواقع أغلب المسلمين متمسكون بالطقوس اليومية فهم يصلون خمس مرات في اليوم ويصومون، في حين لم يعد المسيحيون يطبقون دينهم، أو هم يطبقونه دوريًا من حين لآخر. إن الطريقة التي تعلم بها الكنائس مذهبها تبدو مخيبة لآمال محدثينا، ولم يعد للتأملات التي ضحى بها من أجل الحركية مكان فيها.
الإنجليزي دايفد لايك "سيد إلياس" في الأربعين من عمره يقدم شهادة قيمة حول هذه النقطة، إنه دكتور في علم اللاهوت والميتافيزيقا ومغرم بالموسيقا القديمة، قضى سبع سنوات وهو قس إنجيليكي قبل أن يعتنق الإسلام منذ عشر سنوات. يقول: "صرت مسلمًا بكل بساطة لأنه يوجد في الإسلام الإطار الذي يناسبني، وبالخصوص الجانب الروحاني الذي يتفق والعون الذي كنت أحتاجه خاصة على المستوى الروحي.
لقد وجدت تقاليدي في المسيحية إلى أن صرت قسًا لكنيسة إنجلترا، ولكن العقيدة المسيحية فقدت الكثير ولم تبق كما هي إذ أغلقت الأديرة في عهد الإصلاح، وعجزت هذه العقيدة عن فهم الحياة التأملية التي هي عندي أهم شيء، إن إضاعة الجانب التأملي هو حقًا الذي أودى بالكنيسة الإنجليزية، وهو مكمن فشل المسيحية. وقد عثرت على تلك الحياة في التصوف الإسلامي حيث يوجد العلم والحب، كل شيء بالنسبة للمسلم له قداسة في حين يعود الكاثوليكي بمجرد خروجه من الكنيسة إلى الدنس".
وعندما نسأل المعتنقين للإسلام عن أسباب التجرد من تلك القداسة الذي ينكرونه لا يجدون الكلمات الحادة ليرموا بها قنصل الفاتيكان الثاني. وفي تقدير عبد الحكيم ونتر "يمثل الفاتيكان الثاني" أسوأ الكوارث بالنسبة للكنيسة، فهذه الكنيسة أصبحت فقيرة وباعت شرفها فكثرت التغييرات وشاعت الليونة والتسامح حتى وصل الأمر إلى إيجاد كنائس في إنجلترا للشاذين جنسيًا، وعلى عكس ذلك لم يتغير الإسلام أبدًا ومن هنا كانت قوته الراسخة.
وأخيرًا؛ فإن منطقية الإسلام وعقلانيته ترجحه لدى المعتنقين له وتعمل لصالحه ضد أسطورة المسيحية التي استوعبت على أنها حكاية خرافية "وإن لم يمنع ذلك آخرين من الاستياء لما رأوا في هذه النظرة من تبسيط للإسلام والاعتقاد في كتاب منزل يصل إلى الإسفاف".
وهكذا رأت السيدة الإنجليزية نورة تحرير - 34 سنة - التي تركت البروتستانتية إلى الإسلام في عهد زواجها من مصري والتي تعمل سكرتيرة في المركز الإسلامي بلندن. إن المسيحية أخذت مكان السحر وهي تقول: "أختي اعتنقت الكاثوليكية بعد أن تزوجت كاثوليكيًا وعندما أرى ما تعتقد فيه يبدو لي ذلك محض خيالات، فالاتجاه الشعوري وشرب الخمر على أنه دم المسيح شيء يبعث على التعجب أن هذا النوع من المعتقدات غريب، وعلى العكس من ذلك يا للبساطة في الإسلام كل شيء فيه معقول".
إن فكرة أن الإسلام دين يخلو من الغرائب المحيرة قد تفاجئ في الواقع من اطلع عليه بشيء من التعمق: فمبدأ "عدم خلق القرآن" ليس أقل غرابة من معتقد "التجسيد".
وهكذا من لندن إلى غرناطة ومن جنيف إلى باريس وميونخ يردد المعتنقون للإسلام نفس الصدى، إنهم ينتقدون المسيحية بتعبيرات كاريكاتورية بسبب خروجها عن مسارها وأخطائها الحقيقية والمفترضة.
إن تراثهم الأصلي الذي كان يمكن أن يغذيهم ويكمل عقولهم خدعهم، ففقدان القداسة والخطيئة الأولى وألوهية المسيح والطلاسم التي لا فك لرموزها كلها مآخذ تكررت في أقوال الكثيرين منهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل