العنوان مغزى الأحداث في أرمينيا وأذربيجان
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1988
مشاهدات 106
نشر في العدد 861
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 05-أبريل-1988
السلطة في روسيا تميل إلى تمزيق المناطق الإسلامية من أجل إفقادها هويتها.
القيادة الروسية تتعاطف مع الأرمن ضد المسلمين.
تناقلت وكالات الأنباء الغربية بصورة مفصلة الأحداث في أرمينيا وأذربيجان السوفيتيتين، وما حدث فيهما من مظاهرات صاخبة ومصادمات وحدوث عدد من الوفيات. ولعل القارئ الكريم يسأل: ماذا يهمنا من الأحداث في أرمينيا وأذربيجان السوفيتيتين، وأحداث الضفة الغربية وقطاع غزة تملأ الوجدان بمزيج من الألم والفخر والاعتزاز، كما أن أحداث أفغانستان تحتاج إلى وقفات متأملة حتى لا تضيع تضحيات شعب أفغانستان المجاهد المسلم وتضحيات كثير من الشباب الإسلامي هدرًا، لتأتي نتيجة الكفاح الطويل حكومة علمانية هزيلة يرأسها محمد ظاهر شاه الذي مهد بطريقة حكمه الأهوج لدخول الشيوعيين واستلامهم السلطة في أفغانستان. إن الأحداث في أرمينيا وأذربيجان تهمنا من عدة زوايا ونقاط أهمها: إن أرمينيا بلاد فتحها المسلمون منذ عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد قام عياض بن غنم سنة 19هـ (639م) بقيادة أولى الحملات لفتح أرمينيا.
واستمرت تلك الحملات في عهد عثمان رضي الله عنه، وقام حبيب بن مسلمة بفتح معظم أراضي أرمينيا. كما تم فتح تفليس عاصمة جورجيا أو بلاد الكرج في ذلك الوقت. وقد رحب أهل أرمينيا النصارى بحكم المسلمين؛ وذلك لما شاهدوه من عدلهم وكرمهم، وفضلوا حكم الدولة الأموية ثم العباسية ثم السلاجقة ثم التركمان والمماليك. وانتهى الأمر إلى الدولة العثمانية والدولة الصفوية "في إيران".
وللأسف كانت المعارك محتدمة بين الدولة العثمانية السنية والدولة الصفوية الشيعية مما أدى إلى ضعف كلتا الدولتين. وقيام الدولة الروسية القيصرية بالتهام العديد من أراضي الدولتين المسلمتين المتحاربتين، وللأسف يتكرر الموقف ذاته اليوم في الحرب العراقية الإيرانية.
وقد بدأ الهجوم الروسي القيصري على أرمينيا عام 1802م، ولكن الشاه عباس ميرزا استطاع أن يطرد القوات الروسية من أرمينيا والقوقاز عام 1826.
واستمرت الحرب بين الجانبين، وبدأت روسيا القيصرية تتوسع تدريجيًا، وبمعاونة الدول الغربية وعلى رأسها بريطانيا. استطاعت روسيا أن تحقق المزيد من ابتلاع أراضي المسلمين في القوقاز. وبحلول عام 1878 وقعت تركيا معاهدة برلين التي تخلت بموجبها عن كثير من أراضيها في القوقاز وأرمينيا للإمبراطورية القيصرية الروسية. وعند قيام الثورة البلشفية تقسمت أرمينيا إلى ثلاث مناطق:
- أرمينيا
السوفيتية: وهي تشكل جمهورية سوفيتية، وتبلغ
مساحتها 29,800 كيلومتر مربع، وسكانها خليط من الأرمن وغيرهم من الجنسيات.
وعاصمتها يريفان. (ملاحظة: المساحة الأصلية 39615 خاطئة وغير متوافقة مع
المصادر الجغرافية الحديثة، تم تصحيحها إلى المساحة الأكثر شيوعًا).
- أرمينيا
التركية: وسكانها جميعًا تقريبًا من
الأتراك. وأهم مدنها سيواس وأرضروم.
- أرمينيا
الفارسية: وسكانها من الأذربيجانيين في
الأغلب، وهي تابعة لدولة إيران.
ويوجد الأرمن أيضًا في مقاطعة ناغورنو كاراباخ، وهي مقاطعة في وسط جمهورية أذربيجان السوفيتية. ويشكل الأرمن ما بين 70- 75 بالمئة من السكان. أما أذربيجان فتقسم حاليًا إلى قسمين: قسم يحتله الروس ويسمونه جمهورية أذربيجان السوفيتية. والقسم الآخر تابع لإيران. وسكان أذربيجان من العنصر التركي، وأغلبهم شيعة جعفرية.
وقد فتحت أذربيجان أيضًا في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد فتحها الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان في جيشه سيدا شباب أهل الجنة سيدنا الحسن وسيدنا الحسين ابني فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كما كان في جيشه ذاك حبر الأمة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين. وقد ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عتبة بن فرقد على أذربيجان. ويوضح العهد الذي كتبه لأهلها مدى تسامح المسلمين؛ مما أدى إلى أن يعتنق أهل أذربيجان الإسلام وإليك نص العهد:
"هذا ما أعطى عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان، سهلها وجبلها وحواشيها وشفارها وأهل مللها كلهم، الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم. ليس على صبي ولا امرأة ولا زمن "شيخ طاعن أو مريض مزمن" ليس في يديه من الدنيا "أي ليس عليهم دفع الجزية" لهم ذلك ولمن سكن منهم. وعليهم قرى "أي ضيافة". ومن حسر منهم في سنة "أي لم يستطع أن يدفع" وضع عنه جزاء تلك السنة. ومن أقام فله مثل ما لمن أقام من ذلك. ومن خرج فله الأمان حتى يلجأ إلى حرزه".
وهكذا أدت السياسة المتسامحة الكريمة إلى دخول أهل أذربيجان في دين الله أفواجًا. واستمرت أذربيجان تحت حكم الخلافة الأموية ثم العباسية، ثم الدولة الصفوية. وفي بداية القرن التاسع عشر كانت الحروب بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية قد أنهكت الدولتين المسلمتين القويتين. وأدى ذلك إلى فقد أراضيهما للقوة الصاعدة في روسيا القيصرية. وبدأ الاحتلال الروسي أيام القياصرة منطقة وراء أخرى، وسقطت خانيات أذربيجان واحدة وراء الأخرى رغم المقاومة الباسلة التي أبداها أهل أذربيجان.
والمؤلم حقًا أن تتساقط هذه الخانيات بينما الدولتان المسلمتان القويتان تتصارعان. ويؤدي تصارعهما المرير إلى إضعافهما كلتيهما لتصبحا لقمة سائغة لروسيا القيصرية بالتعاون مع بريطانيا وفرنسا. وفي العصور الحديثة، عند قيام الثورة البلشفية، استطاع أهل أذربيجان تكوين دولة حرة اعترفت بها معظم الدول الغربية. ولكن سرعان ما نكثت هذه الدول عهودها وسمحت لقوات لينين بابتلاع أراضي أذربيجان، وأقام لينين مذبحة أذربيجان الشهيرة التي قتل فيها أكثر من 18,000 أذربيجاني. وتعتبر أذربيجان "عاصمتها باكو" المصدر الأول للبترول في الاتحاد السوفيتي، والغريب حقًا أن الخليفة المقتدر العباسي كان أول من عُين وزيرًا للنفط للإشراف على بترول باكو، وذلك سنة 303هـ "أي قبل أكثر من 1300 عام". ورغم الثورات العديدة التي قامت ضد الروس إلا أن أجهزة الإعلام الغربية كانت تسدل ستار التعتيم على هذه الثورات. وفي خلال الخمسين عامًا الماضية قامت أكثر من 52 ثورة في هذا البلد المسلم. وقد عمد الروس إلى ضم مقاطعة كاراباخ ذات الأغلبية الأرمنية، ووضعوها مقاطعة ذات استقلال ذاتي ضمن جمهورية أذربيجان. كما قامت روسيا بجعل مقاطعة ناخيتشفان ذات الأغلبية المسلمة ضمن أراضي أرمينيا. وتميل السلطات الروسية حاليًا إلى مواجهة الخطر الإسلامي بكل عنف. ورغم ما يُقال عن انفتاح غورباتشوف إلا أن هذا الانفتاح يكاد يكون مقصورًا على اليهود حيث إن زوجة غورباتشوف يهودية. ويُقال إن غورباتشوف نفسه يهودي. أما المسلمون فيواجهون حملات رهيبة جدًا منذ العهود القيصرية. وقد ازدادت هذه الحملات شراسة في عهد الثورة البلشفية. وواجه المسلمون حروب إبادة في عهد ستالين. ورغم أن عهود الإبادة الجماعية قد انتهت إلا أن الحرب على الإسلام تشهد تصعيدًا كبيرًا في عهد غورباتشوف الذي شدد الحملة على المناطق الإسلامية. وتميل السلطة في روسيا إلى تمزيق المناطق الإسلامية وذلك من أجل إفقادها هويتها. ومن ضمن تلك السياسة السماح للأرمن بإثارة القلاقل في جمهورية أذربيجان السوفيتية. والغريب حقًا أن أجهزة الإعلام الغربية أسدلت ستار التعتيم على الثورة في كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان.
وعلى الواقع المؤلم والمزري لمنطقة القرم التي طُرد سكانها بأكملهم، وحل محلهم الروس والأوكران. ولا يزال أهل القرم يمنعون حتى من مجرد زيارة وطنهم. ومع هذا فتجد أجهزة الإعلام الغربية تقيم الدنيا من أجل اليهودي ساخاروف أو ابنته أو من أجل حفنة من اليهود يريدون الهروب بأسرار الدولة إلى أمريكا وإسرائيل.
وها هي الآن تتحدث بطلاقة غير معهودة عن الثورة في أرمينيا وفي كاراباخ المقاطعة الموجودة في جمهورية أذربيجان. والسبب في ذلك بسيط جدًا. هو أن الذين قاموا بالاضطرابات هم من غير المسلمين، والمطلوب فصل منطقة مهمة لأذربيجان ذات الغالبية المسلمة لتتحول إلى أرمينيا ذات الأغلبية النصرانية.
- أرمينيا
السوفيتية: وهي تشكل جمهورية سوفيتية، وتبلغ
مساحتها 29,800 كيلومتر مربع، وسكانها خليط من الأرمن وغيرهم من الجنسيات.
وعاصمتها يريفان. (ملاحظة: المساحة الأصلية 39615 خاطئة وغير متوافقة مع
المصادر الجغرافية الحديثة، تم تصحيحها إلى المساحة الأكثر شيوعًا).