; مفاجأة شيوعية: التوفيق بين الماركسية والإسلام! | مجلة المجتمع

العنوان مفاجأة شيوعية: التوفيق بين الماركسية والإسلام!

الكاتب أحمد أبو الفيض

تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1975

مشاهدات 64

نشر في العدد 280

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 30-ديسمبر-1975

طالعتنا مجلة روزاليوسف القاهرية بتاريخ ۱۰ نوفمبر1975 بحديث خطير للأستاذ خالد محي الدين تحدث فيه عن منبر اليسار داخل الاتحاد الاشتراكي المصري وعن بعض الأسرار الشخصية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر.. وتطرق الحديث إلى موقف خالد محي الدين من الدين.. وهذا الموقف الأخير هو الذي أثار اهتمامه وذلك لما فيه من تناقض مع الحقائق العلمية وتعارض مع المواقف الوطنية التي نسبت لخالد محي الدين في ذلك الحديث الصحفي الخطير والتي أدت إلى استقالته من مجلس الثورة المصري ونفيه إلىسويسرة في أبريل ١٩٥٤.

يقول خالد محي الدين: إن الخلاف الرئيسي بينه وبين زملائه في قيادة الثورة كان مرتبطًا بإصراره على ضرورة الحياة النيابية في مصر وإلغاء الحكم العسكري.. واستطرد قائلًا: إن هدف منبر اليسار يتزعمه أو ينتمي إلى قيادته داخل الاتحاد الاشتراكي هو حماية الاستقلال الوطني السياسي والاقتصادي وإتمام عملية التحول الاجتماعي الحقيقي.. كما أكد تأييده للديمقراطية وسيادة القانون حسب مفاهيم روح ١٥ مايو وأفكارها التصحيحية. 

ولما سئل عن موقفه من الدين قال: إنه رجل متدين وإنه تتلمذ على يد شيخ طيب يدعى الشيخ السماك وأضاف أن الاشتراكية نظام سياسي لا يجب إقحام الدين فيها أو حولها وأنه لم يجد تعارضًا بين الاشتراكية العلمية وبين ممارسته للدين..

ولنقف هنا قليلا لنناقش هذا الجزء الأخير من حديثه. أحقًا أن الاشتراكية العلمية أي الماركسية نظام سياسي وأن الإسلام كدين لا يجب إقحامه في أمور السياسة الاشتراكية؟.. هذا ادعاء غريب لم تقل به الاشتراكية العلمية لا نظريًا ولا عمليًا.. أما الإسلام وهو الدين الذي نعتنقه ونسعى لتطبيقه تطبيقًا سليمًا عاجلًا أو آجلًا بإذن الله لا يفرق بين الدين والسياسة.. والمسلمون هم أول أمة أقامت دولة على أسس سماوية سليمة كما هو معلوم. 

والاشتراكية العلمية منهج كامل يشمل النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلمي.. والدول الاشتراكية الموجودة الآن وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي والصين الشيوعية تطبق الاشتراكية العلمية في كل نواحي الحياة حسـب ادعائها.

وخالد يعلم هذا جيدًا وأظنه زار الكثير من تلك الدول وسمع وقرأ الكثير من تصريحات قادتها وفلاسفتها بجانب ثقافته الماركسية العميقة..

والماركسية فلسفة مادية بحتة لها معاييرها الخاصة وتفسيرها الخاص للتاريخ في الماضي والمستقبل.. والتفسير المادي أو الجدلي هو أهم جزء في تلك النظرية.. وهو المفتاح الذي تفسر به الوقائع والأحداث وتخضع له كل السياسات وأنواع التخطيط الاقتصادي والاجتماعي.

والفلسفة المادية الجدلية تعتبر الدين ظاهرة اجتماعية وثمرة للأوضاع الاقتصادية ولصراع الطبقات عبر التاريخ.. وأن الدین أداة من أدوات الطبقات المستغلة «بكسر الغين» تمارسها في استغلال الطبقات الكادحة.. 

ونأتي لما ذكر عن قضية الإلحاد ومفهوم الدين وممارسته في أوروبا فإن المفهوم الأوروبي للدين مفهوم مخالف لمفهوم الدين في الإسلام... من الناحيتين التاريخية والعقائدية.. ومواقف الدين الإسلامي في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية من قضايا التحرر ومناهضة الاستعمار لا تحتاج إلى توضيح فهي من طبيعته ومن أسسه الأصيلة التي لا تنفصم من أركانه.. ومن ثم فمقارنة الإسلام بأي دين آخر سماوي أو وضعي في هذا الشأن فيه إجحاف بالإسلام والمسلمين.

والإسلام كما هو معلوم يشمل حياة المسلمين في الحياة العامة والخاصة في كل دقائقها معنى وروحًا وهو ليس دين شكليات أو مراسيم تمارس من غير تفاعل بين الضمير والعقل.. والإسلام لا يمكن تجزئته بحيث يمكن للحاكم أو الإنسان أن تكون له قيم سياسية وأخرى دينية... أو أن تكون له حياة خاصة وأخري عامة.. فالدين في الإسلام يحكم كل تصرفـات المسلمين من غير استثناء. 

ولا نقول في الإسلام بأن الاقتصاد يحرك التاريـخ أو أن العنف الثوري وصراع الطبقات ووسائل الإنتاج هي المحركـة لمسيرة المجتمع.. ولكنا نؤمن بأن اللـه هو خالق الكون ومسيره وبأن التربيـة الإسلامية وتطبيق كتاب الله وسنة رسوله هي التي تنشئ المجتمع الفاضل والإنسان المؤمن وهي سر التقدم الاجتماعي والسياسي وفيها تكمن سعادة الإنسانوالمجتمــع في الحياة وبعد الحياة.. فنحن لا نؤمن بأن الإنسان مخلوق تنتهي حياته عنــد الموت.. والإنسان حاكما أو مواطنا عاديا مسؤول أمام اللـه وأمام القانون والمجتمع

وأن الإنسان يحاسب على أعماله فــي الدارين.. وانجلز وماركس وكــل الماركسيين يناهضون هذه المفاهيــم الإسلامية ويسخرون منها.. أليس كذلك يا خالد محيى الديــن؟ أم أن في هـذا مبالغة أو بعدًا عن الواقع الماركسي؟

والإنسان الخاضع لمشيئة الله يمكنـه عن طريق الإرادة والعقل والإمكانات التي منحت له من عند اللـه وليس من طريـق التطور أو تأثير البيئة يمكنـه أن يغيـر أوضاعه تغييرًا أفضل إذا ما خضـع للكتاب والسنة وطبقها في حياته ومجتمعه تطبيقًا صحيحًا.

ومزايا الإسلام الاجتماعية والاقتصادية والنفسية كثيرة ولا حدود لها.. والاقتصاد الاشتراكي أو الرأسمالي لا يرفض الربا.. والإسلام يحاربه بغير هوادة لأنهينشئ طبقة ثرية من غير جهد أو عمل.. والإسلام يؤمن بحرية العقيدة الدينية ولا يكره شخصًا على الإسلام أو البقاء فـي دار الإسلام‏ ولا يزج بغير المسلمين في السجون والمعتقلات ولا يتجسس أو يحنث بالعهد.. ولا يوجد استعمار أو تسلط فــي الإسلام أو باسم الإسلام. والماركسيـة لا تفصل قضية الحكم عن قضايا الفـرد والجماعة.. وهي تخضع الفرد للدولـة خضوعًا يذهب بشخصيته وإنسانيته.

ومن حق الإنسان المسلم أن يثور على الظلم ويعصي الحاكم إذا ما خرج الحاكم عن طاعة الله وشرعه.. والحاكم ‎المسلم‏ خاضع للشارع وليس الشرع خاضعًا لـه أو لأهوائه.

هذه أمثلة بسيطة سقتها لأذكر القارىء ولأذكر خالد محيى الدين ببعض المعـالم الإسلامية التي يعلمها هو علمًا صحيحــًا ويعلم أنها لا تلتقي مع الماركسيــة أو تعايشها كما يأمل لها اللهم إلا إذا جردنا الإسلام من روحه ومعناه واعتبرناه دينًـا بالمفهوم الأوروبي.. ذلك الديـن الـذي تحول إلى مراسيمكنسية تخدم الحاكــم أو الاكلريوس أو طبقات معينة...

فالحاكم الشيوعي يعمل بوحي مـــن الحزب ولمصلحة الحزب وقد يحل الحـزب محل الطبقة العاملة التي يدعي قيادتها.. تلك الطبقة العاملة تدرب لتسود العالم بطبقاته المختلفة رضى العالم أم أبى.. والنار والدمار لمن يقف أمامها أو يحـول دون إقامة دكتاتورية تلك الطبقة المتسلطة هي وحزبها الماركسي.

والإسلام لا يفضل طبقة على طبقــة أو إنسانا على إنسان بحكم وضعه المهني أو الحرفي أو الاجتماعي فنحن ســواء أمام الله وأمام شريعته والفيصل هـو تقوى الله وطاعته وتنفيذ إرادته حسب ما جاء في القرآن والشرع.

والإسلام يحمي العامل والفقير ويعمل على رفع مستواهما ويحارب التخمـة الرأسمالية كيلا تقوم دولة الأثرياء... والمبدأ الإسلامي «لا ضرر ولا ضرار» هو المعيار الإسلامي الصحيـح الـذي يحفظ التوازن بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة والاجتهاد في التشريع لمواكبة الزمن مفتوح.. ولا جمود أو تحسب ولا نهب ولا مصادرة أو تأميم من غير عدالة للفـرد والجماعة.. عدالة خاضعة لله لا للمصالح الحكومية أو الحزبية.

والاتحاد السوفياتي أو الصين الشيوعية ورثت امبراطوريات تضم بين شعوبهــا شعوبًا إسلامية وأخضعت عنـوة وقسرًا للحكم الشيوعي ولم نسمع بأنها قـررت مصيرها بنفسها كمــا ينص الدستــور الشيوعي أو الفكر الماركسي. والاستعمار هو استغلال وتسلط سواء كان المستغـل فردًا أو شركة أو حزبًا أو دولة والدول الاشتراكية والنفوذ الدولى شأنها في ذلك شأن الدول الاستعمارية أو الرأسمالية.

والسؤال الذي ظل بغير جواب حتــى الآن هو هل العنف والإرهاب في الأقطار الشيوعية ومن يواكبها من المقلدين والأتباع وليد الفلسفة الماركسية أو نتيجة ‎الحكـم ‏الشيوعي وقادته الملاحدة؟. وهل ستالين وعبد الناصر وغيرهما ظواهر ماركسية أم ماذا؟

وهل الحكم النيابي والديمقراطي الذي كان يدافع عنه خالد محيى الدين داخـل مجلس الثورة وكان يرمى لتحقيقه في مصر كان على النمط الشيوعي أم الغربي؟

إن الاشتراكية العلمية أقحمت نفسهـا‎ في الدين وفي شؤون ومصائر المسلمـين‎ ‏فهي في قوانينها تمنع الدعايـة للأديان أو ‎الدفاع عنها وتمنع تداول الكتب الدينيـة‎ بين المواطنين وهي في نفس الوقت تبيـح‎ ‏وتشجع مهاجمة الأديان وتجريحها‎.

‏ولينين نفسه ذكر في كتابه «عن الدين‎»- لكي تكون ماركسيًا يجب أن تكون ملحدًا- فأين موقع‎ خالد محيى الدين من هذا التعريف وكيف استطاع أن يوفق بين الماركسية والتصوف‎ الإسلامي؟‎

‏لقد قال: إن المسلم الحقيقي والمتصـوف‎ ‏الحقيقي يناضل ضد الظلم في كل مكان.

‏فهل ناضل خالد بادعائه مسلمًا ومتصوفـًا‎ ضد الظلم في الاتحاد السوفياتي أو الصين‎ أو غيرها وبصفة عامة فالظلم لا يميز بـين‎ إنسان وإنسان أو بين حزب وحزب؟‎ ‏وإذا كان الإسلام يفرض علينا الجهــاد‎ والنضال ضـد الظلـم فلماذا لــم يقف‎ ‏الماركسيون العرب ولو مرة بجانب المسلمين‎ المضطهدين في الاتحاد السوفياتي والصين؟‎

‏أما الإلحاد المستشري في دول الغـرب‎ وغيرها من شعوب العالم غير الماركسيـة‎ فهو إلحاد شخصي وليست له علاقــة‎ بالدولة ولا يجد الحماية الدستورية أو‎ القانونية كما هو الحال في الدول الشيوعية…ومن حق المؤمنين الدفاع عن عقائدهم‎ بشتى الوسائل بينما ذلك محرم في الدول‎ الشيوعية في الوقت الذي ترعى فيه الدولة‎ جمعيات الإلحاد وتدعمها ماليًاوثقافيـًـا‎ ورسميًا.. ليس ذلك فحسب وإنما تبطش أجهزة الدولة بكل من يتصدى للدفاع عن‎ عقيدته الدينية أو يتباهى بها.. والإنسان‎ في بقية دول العالم في استطاعته الهجرة‎ والفرار بدينه إن شاء بينمـا في الـدول‎ الشيوعية نجد الأسوار مغلقة والحركـة‎ معدومة بصفة عامة.. وحرية الأديان‎ هي أولى الحريات وألصقها بالإنسان لأن‎ ‏الدين من فطرة الإنسان‎.

‏والشيوعيون عادة لا يعلنون نواياهـم‎ وهم خارج الحكم ولكن عندما يتربعون‎

‏على دست الحكم عن طريق ثورة داميـة‎ أو انقلاب عسكري أو مدني فإنهــم لا‎ ‏يترددون في الفتك بخصومهم الفكريين وغير ‎الفكريين وهم على استعداد لتصفية طبقات أو أقليات تعد بالآلاف أو الملايين إن كـان في ذلك تأمين للسلطة الشيوعية.. ومـا فعله الحكام الشيوعيون وأحزابهم فــي العراق وإندونيسيا وسوريـاوالصــين والاتحاد السوفياتي ليس ببعيد.

..والمسلمين في جميع أنحاء العالم لهم بعض الحرية في الاتصال بإخوانهم المسلمين في البلاد العربية أو الإسلامية كما يمكننـا الاتصال بهم والتعرف على أحوالهم بينمــا هذا يكاد يكون مستحيلًا داخل الأســـوار الشيوعية.

هذا ويجـب ألا ننسى أن الاتحــاد السوفياتي ساهم مع دول الغرب مساهمة كبرى في تقسيم فلسطين ولا يزال يسمـح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلـة وهو مصر على ذلك إصراره على الوجود الصهيوني ذاته.. فهل يمكن لخالد محيي الدين أن يوفق بين صداقة الاتحــاد السوفياتي والوجود الصهيوني المدعـم سوفياتيًا..

إن الحلال بين والحرام بين ولا يمكـن الجمع بين الإيمان والكفر في قلب واحد.. وحسب علمنا لا يوجد إسلام ماركســي كما لا توجد ماركسية مسلمة.

ومواقف الاتحاد السوفياتي السياسية أو العسكرية إنما تخدم في المقــامالأول المصالح السوفياتية لا الماركسية أكثر مما تخدم العرب أو أصدقاء السوفيات فــي العالم العربي.. فروسيامستعدة للمساومة من أجل بقاء النفوذ السوفياتي وتوسعه وفي سبيل ذلك يمكنها أن تتخلى عن أصدقائها من الشيوعيين المحليين وقد فعلت ذلك في مصر والسودان والعراق وسوريا وإسبانيا والكونغو وغيرها.... فالاتحاد السوفياتي عندما يعقد صفقــة سلاح مع إحدى دول العالم الثالث أو يعقد معاهدة صداقة أو تجارةإنما يفعل ذلك بوصفه دولة عظمى تنافس الولايات المتحدة الأمريكية وتعمل لفرض النفـوذ الروسي وتغلغله..فمصلحة الاتحاد السوفياتي تأتي في المقام الأول حتى لو اقتضى ذلك تحالفًا مع الغرب أو مــع الفاشية وقد تحالفت روسيا مع هتلر مـن قبل.. أليس كذلك.؟

المسائل ليست بتلك البساطة التــي عرضها خالد محيى الدين.. ولكن آمـل أن يكون في مسلكه أو اتجاهه نحو الإسلام إنقاذ له من براثن الوثنية الماركسية التي ظل يدين بها فترة كبيرة من عمره. 

نسأل اللـه أن يهديه سواء السبيل وأن ينقذه من رواسب الماركسية الملحدة منهجًا وعقيدة.. والله ولي التوفيق.

 

                                                                   أحمد أبو الفيض

                                                                            جدة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 15

99

الثلاثاء 23-يونيو-1970

الدين في الأقطَار الشيوعيَة

نشر في العدد 19

102

الثلاثاء 21-يوليو-1970

إلى عُباد لينين