; مفاهيم دعوية في رسائل الإمام البنا(۹): ثمرات الأخوة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان مفاهيم دعوية في رسائل الإمام البنا(۹): ثمرات الأخوة الإسلامية

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997

مشاهدات 81

نشر في العدد 1253

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 10-يونيو-1997

نقرأ للإمام الشهيد البنا عن ثمرات الأخوة الإسلامية في رسالة «إلى أي شيء ندعو الناس» وهو يقول: إن الأخوة الإسلامية جعلت كل مسلم يعتقد أن كل شبر من الأرض، فيه أخ يدين بدين القرآن الكريم قطعة من الأرض الإسلامية العامة التي يفرض الإسلام على كل أبنائه أن يعملوا لحمايتها وإسعادها، فكان من ذلك أن اتسع أفق الوطن الإسلامي، وسما عن حدود الوطنية الجغرافية والوطنية الدموية، إلى وطنية المبادئ السامية، والعقائد الخالصة الصحيحة، والحقائق التي جعلها الله للعالم هدى ونورًا، والإسلام حين يشعر أبناءه بهذا المعنى ويقرره في نفوسهم يفرض عليهم فريضة لأزمة لحماية أرض الإسلام من عدوان المعتدين، وتخليصها من غصب الغاصبين، وتحصينها من مطامع المعتدين.

إذن إنه تحويل لدفة المشاعر الوطنية وتوظيفها في إطار صحيح من العقيدة الإسلامية، وهذه هي وطنية الإخوان المسلمين، فإن الإخوان لا يتبرمون بالوطن والوطنية كما يظن البعض، أو كما يرميهم خصومهم، فالمسلمون أشد الناس إخلاصًا لأوطانهم وتفانيًا في خدمة هذه الأوطان، واحترامًا لكل من يعمل لها مخلصًا، كما يقول الإمام الشهيد في رسالة «إلى الشباب» ولكن الفارق بين المسلمين وبين غيرهم من دعاة الوطنية المجردة، إن أساس وطنية المسلمين العقيدة الإسلامية، فهم يعملون لوطن مثل مصر، ويجاهدون في سبيله، ويفنون في هذا الجهاد لأن مصر من أرض الإسلام وزعيمة أممه، كما أنهم لا يقفون بهذا الشعور عند حدودها، بل يشركون فيه كل أرض إسلامية وكل وطن إسلامي».

ثم يبين الإمام البنا فارقًا ملموسًا بين الوطني من الإخوان وغيره فيقول: «على حين يقف كل وطني مجرد عند حدود أمته، ولا يشعر بفريضة العمل للوطن إلا عن طريق التقليد، أو الظهور، أو المباهاة، أو المنافع، لا عن طريق الفريضة المنزلة من الله على عباده، وحسبك من وطنية الإخوان المسلمين أنهم يعتقدون عقيدة جازمة لازمة أن التفريط في أي شبر أرض يقطنه مسلم جريمة لا تغتفر، حتى يعيدوه أو يهلكوا دون إعادته، ولا نجاة لهم من الله إلا بهذا.

ويوضح الإمام للإخوان أنفسهم لماذا هم وطنيون؟ إنها ليست فقط مشاعر الحنين والشعور بالفخار والعزة، ولكنها أبعد من ذلك:

فيقول في رسالة «دعوتنا في طور جديد» إننا مصريون بهذه البقعة الكريمة من الأرض، نبتنا فيها، ونشأنا عليها، ومصر بلد مؤمن تلقى الإسلام تلقيًا كريمًا، وذاد عنه ورد عنه العدوان في كثير من أدوار التاريخ، وأخلص في اعتناقه، وطوى عليه أعطف المشاعر وأنبل العواطف، وهو لا يصلح إلا بالإسلام، ولا يداوى إلا بعقاقيره، ولا يطب له إلا بعلاجه، وقد انتهت إليه بحكم الظروف الكثيرة حضانة الفكرة الإسلامية والقيام عليها، فكيف لا نعمل لمصر ولخير مصر؟ وكيف لا ندفع عن مصر بكل ما نستطيع؟ وكيف يقال إن الإيمان بالمصرية لا يتفق مع ما يجب أن يدعو إليه رجل ينادي بالإسلام، ويهتف بالإسلام إننا نعتز بأننا مخلصون لهذا الوطن الحبيب، عاملون له، مجاهدون في سبيل خيره، وسنظل كذلك ما حيينا، معتقدين أن هذه هي الحلقة الأولى في سلسلة النهضة المنشودة، وأنها جزء من الوطن العربي العام، وأننا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة والشرق والإسلام؟

المسلم أعمق الناس وطنية وأعظمهم نفعا لمواطنيه؛ لأن ذلك فريضة دينية.

نعرات قديمة:

ثم يرد على من يثيرون النعرات القديمة التاريخية، ومن يرون فيها شبهة ضد الإسلام فيقول: «وليس يضيرنا في هذا كله أن نعنى بتاريخ مصر القديم، وبما سبق إليه قدماء المصريين الناس من المعارف والعلوم، فنحن نرحب بمصر القديمة كتاريخ فيه مجد وفيه علم ومعرفة، ونحارب هذه النظرية بكل قوانا كمنهاج عملي يراد صبغ مصر به ودعوتها إليه بعد أن هداها الله بتعاليم الإسلام، وشرح لها صدرها، وأنار به بصيرتها، وزادها به شرفًا ومجدًا فوق مجدها، وخلصها بذلك مما لاحق هذا التاريخ من أوضار الوثنية، وأدران الشرك، وعادات الجاهلية».

ولم يكن هذا الشعور مجرد شعارات -كما كان حال الوطنيين- مظاهرات صاخبة ولافتات ترفع، بل كان دراسات للواقع، وعملًا متصلًا من أجل النهوض بهذا الوطن، وها هو الإمام الشهيد عندما يحدد أهداف الإخوان يقول: «ولنا بعد هذين الهدفين تحرير الوطن وإقامة دولة حرة تعمل بأحكام الإسلام- أهداف خاصة لا يصير المجتمع إسلاميًا كاملًا إلا بتحقيقها، فاذكروا أيها الإخوان أن أكثر من (٦٠) من المصريين يعيشون أقل من معيشة الحيوان، ولا يحصلون على القوت إلا بشق الأنفس، وأن مصر مهددة بمجاعة قاتلة، ومعرضة لكثير من المشكلات الاقتصادية التي لا يعلم نتيجتها إلا الله، فإن مصر بها أكثر من (٣٢٠) شركة أجنبية تحتكر كل المرافق العامة، وكل المنافع الهامة في جميع أنحاء البلاد، وأن دولاب التجارة والصناعة والمنشآت الاقتصادية كلها في أيدي الأجانب المرابين، وأن الثروة العقارية تنتقل بسرعة البرق من أيدي الوطنيين إلى أيدي هؤلاء، وأن مصر أكثر بلاد العالم المتمدين أمراضًا وأوبئة وعاهات، وأن أكثر من (٩٠٪) من الشعب المصري مهدد بضعف البنية، وفقد الحواس ومختلف العلل والأمراض، وأن مصر لازالت إلى الآن جاهلة لم يصل عدد المتعلمين فيها إلى الخمس، بما في ذلك أكثر من مائة ألف شخص لا يتجاوز تعليمهم برامج مدارس الإلزام، وأن الجرائم تتضاعف في مصر وتتكاثر بدرجة هائلة، حتى أن السجون لتخرج أكثر مما تخرج المدارس، وأن مصر لم تستطع حتى الآن أن تجهز فرقة واحدة في الجيش كاملة المعدات، وأن هذه المعاني والصور تتراءى في كل بلد من بلدان العالم الإسلامي، فمن أهدافكم أن تعملوا الإصلاح التعليم ومحاربة الفقر والجهل والمرض والجريمة، وتكوين مجتمع نموذجي يستحق أن ينتسب إلى شريعة الإسلام

وما أشبه الليلة بالبارحة، رغم مرور عشرات السنين على هذا الكلام، إلا أننا مازلنا نعاني من نفس الأمراض، وتوالت الحكومات، وجاءت الثورات، ونهبت الثروات، وها نحن مازلنا عند تشخيص العلل نواجه نفس الأمراض الفقر والجهل والمرض والجريمة والضعف العام بإعداد القوة.

فريضة لازمة:

وقد وصل الإمام الشهيد بهذه الواجبات إلى حد الفريضة الدينية، فهو يقول بعد عشر سنوات من بداية الدعوة في المؤتمر الخامس: إن الإسلام قد فرضها فريضة لازمة لا مناص منها، أن يعمل كل إنسان لخير بلده، وأن يتفانى في خدمته، وأن يقدم أكثر ما يستطيع من الخير للأمة التي يعيش فيها، وأن يقدم في ذلك الأقرب فالأقرب رحمًا وجوارًا، حتى أنه لم يجز أن تنقل الزكوات أبعد من مسافة القصر -إلا لضرورة- إيثارًا للأقربين بالمعروف، فكل مسلم مفروض عليه أن يسد الثغرة التي هو عليها، وأن يخدم الوطن الذي نشأ فيه، ومن هنا كان المسلم أعمق الناس وطنية وأعظمهم نفعًا لمواطنيه؛ لأن ذلك مفروض عليه من رب العالمين، وكان الإخوان المسلمون بالتالي أشد الناس حرصًا على خير وطنهم، وتفانيًا في خدمة قومهم، وهم يتمنون لهذه البلاد العزيزة المجيدة كل عزة ومجد، وكل تقدم ورقي، وكل فلاح ونجاح.

حقوق المواطنة لغير المسلمين:

تثير قضية الوطنية الربانية شبهة مازالت تتردد حتى يومنا هذا، وهي مدى حقوق المواطنة لغير المسلمين، وهل يؤثر ذلك القول «ربط الوطنية بالعقيدة الإسلامية»، في وحدة الأمة كما يرد عليها؟ أيضًا مدى تأثير ذلك على علاقتنا الدولية، وهذه شبهة قديمة مردود عليها بتاريخ الإسلام، وسيرته الحميدة في معاملة غير المسلمين طوال أربعة عشر قرنًا من الزمان، فلم يسجل التاريخ أي اضطهاد ديني أو سياسي، أو اجتماعي لغير المسلمين في ظل الحكم بالإسلام، بينما سجل التاريخ في أوروبا عصورًا من الحروب الدينية، والاضطهاد الديني في ظل حكم الكنيسة والإقطاع، ومازالت صراعات قائمة حتى يومنا هذا -كصراع إيرلندا الشمالية- يجد بذوره وجذوره في اختلاف الدين بين المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت، وقد مر بنا كيف أن الفتنة التي حدثت في مصر في بداية هذا القرن عام ۱۹۱۰م - ۱۹۱۱م وحدت الصف الوطني، وتعتبر -عند كثير من الباحثين- لحظة الميلاد للجامعة الوطنية التي تأكدت فيما بعد أثناء الثورة المصرية الشعبية عام ١٩١٩م.

وقد فشل المشروع الوطني تحت عدة رايات في إحداث النهضة المنشودة، منذ عهد محمد علي في بداية القرن التاسع وحتى نهايات القرن العشرين، وجاء هذا تصديقًا لحكمة ساقها الإمام الشهيد منذ فجر الدعوة، وهي أن أي نهضة تقوم في هذا البلد على غير أساس الإسلام، فمآلها إلى الفشل كما قال: «فهم أي الإخوان، يطالبون الناس على أن تكون قواعد الإسلام الأصول التي تبنى عليها نهضة الشرق الحديث في كل شأن من شؤون الحياة، ويعتقدون أن كل مظهر من مظاهر النهضة يتنافى مع قواعد الإسلام، ويصطدم بأحكام القرآن فهو تجربة فاسدة فاشلة، ستخرج الأمة منها بتضحيات كبيرة في غير فائدة.

وقد صدق التاريخ الحديث هذه الحكمة أيما تصديق، وها نحن نعاني مرارات الفشل تلو الفشل في كافة الميادين، وها هي اليابان التي بدأت نهضتها الحديثة مع مشروع محمد علي في مصر أحد الدول السبعة الكبار التي تدير العالم، بينما نحن نستجدي المعونات، ولا نستطيع الدفاع عن أنفسنا، وها هو الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين يفرض شروطه علينا.

هذه الشبهة تغذيها عدة عوامل، منها:

1- ما غرسه الاحتلال العسكري لبلادنا من عوامل التفرقة بين طوائف الأمة، فأصبح لدينا مشكلة الأقليات الإثنية والعرقية والدينية، فالبلد الذي جميع أهله مسلمون يعاني من مشاكل مذهبية أو عرقية، وهكذا لا يخلو بلد من مشاكل، فالجزائر تعاني من مشكلة البربر، والجميع مسلمون، والعراق يعاني من مشاكل الشيعة المذهبية والأكراد العرقية، ومصر تعاني من مشكلة مصطنعة للأقلية النصرانية المعروفة بالأقباط.

2- الفكر العلماني الوافد الذي يظهر بصورة من يريد توحيد الجميع في ظل حكم علماني، بينما في حقيقة الأمر تعاني كل الأمة من مشكلات تنوء بحملها الظهور، وطبعًا هذه النخب العلمانية هي المسيطرة على الحكم، والتوجيه، والثقافة، والفكر.

3- التعصب الذي يظهر في ممارسات بعض فصائل الحركة الإسلامية في صورة اضطهاد للأقليات أو تحقيق لمعتقداتهم، وممارستهم الدينية، مثل الحوادث المتفرقة التي تحدث ضد الأقباط في صعيد مصر من قتل، أو سلب أموال، وسببها الحقيقي هو محاولة الضغط على الحكومة، وهو اتجاه مدان من قبل الحركة الإسلامية، ولا يجد له أي مبرر، أو سند شرعي، أو فقهي صحيح.

4- الاضطهاد الذي تعانيه الحركة الإسلامية بعامة مما يجعل تواصلها مع بقية تيارات المجتمع بما فيها الأقليات صعبًا ومتعذرًا، بحيث تضخمت المخاوف، وتجسدت بسبب الممارسات الخاطئة، وانعدام التواصل والتفاهم، وقد كان للإخوان المسلمين تجربة مع بعض مفكري الأقباط، لكنها فشلت بسبب المناخ السيئ الذي تعيش فيه مصر من جانب، وحرص بعض هؤلاء الأقباط من اليساريين والشيوعيين على إفشال التجربة، وما زلنا في حاجة ماسة إلى تكرار هذه التجارب في كل البلاد.

5- اضمحلال الإنتاج الفكري في شأن السياسة والإدارة من منظور إسلامي، وعدم كفاية الوارد في التراث الإسلامي لمواجهة المشكلات الحالة، ومع وجود بعض الكتابات المتميزة، مثل: «غير المسلمين في المجتمع الإسلامي للدكتور يوسف القرضاوي، و«مواطنون لا ذميون» لفهمي هويدي، و«المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية» للمستشار طارق البشري، ونحن بحاجة إلى تأصيل فقهي إسلامي لأفكار، مثل: المواطنة وحقوقها، الجنسية تداول السلطة، والحق في تولي الوظائف العامة...إلخ.

هناك شبهات مازالت تتردد حول قضية الوطنية الربانية فيما يتعلق بحقوق المواطنة لغير المسلمين، وهي شبهات يرد عليها تاريخ المسلمين وسيرته الحميدة.

الرابط المختصر :