; مفاهيم لابد من تأصيلها في مسيرة الدعوة الإسلامية الراشدة | مجلة المجتمع

العنوان مفاهيم لابد من تأصيلها في مسيرة الدعوة الإسلامية الراشدة

الكاتب الأستاذ يوسف العظم

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1987

مشاهدات 65

نشر في العدد 821

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 16-يونيو-1987

في آفاق العمل الإسلامي والسياسة الشرعية:

يجب أن يتصف المسلم السوي بالدهاء ليحول بينه وبين الوقوع في الانحراف والزلل ويعينه على التخلص من مؤامرة المتآمرين

۱– التقوى مقياس حضاري للمسيرة الحياتية مفهومها شامل وتبعتها ثقيلة.

يحصر بعض المسلمين مفهوم التقوى في إطار ضيق ونطاق محدد لا يخرج عن تجنب المعاصي البيئة والحرام الواضح كترك الصلاة وشرب الخمر وارتكاب الفاحشة وهي أمور العمري تجنبها بدهية من بدهيات مفهوم التقوى ومسلمات أولية من مسلمات الانتماء لهذا الدين العظيم. غير أن أمورًا يتجاهلها بعض المسلمين أو يغفلون عنها وهي أسس في بناء التقوى في النفس ومظاهر هامة من مظاهرها بالإضافة إلى أنها قواعد اجتماعية هامة لو اتبعت في ظل طاعة الله لأسهمت في بناء النفس الإنسانية السوية والمجتمع الإسلامي النظيف.

إن إتقان عمل المسلم من التقوى والغش فيه وإهماله يثير شكًا في مدى ما يتمتع به المسلم من تقوى ولو صلى وصام وأظهر الصلاح وبان عليه الورع.

والمحافظة على الوعد ثمرة من ثمرات التقوى، ومن لا يحافظ على وعده يدخل ضمن ثلاثة وصفوا والعياذ بالله بالنفاق فلتحذر، أما المحافظة على الوقت واحترامه فأمر هام لا يقل أهمية عما أشرنا إليه ليعرف المسلم متى يصلي ومتى ينام ومتى يعمل ومتى يأكل ومتى يستريح ليعطي كل أمر ما يستحقه من العناية والإخلاص في السر والعلن خلاصة المفهوم السليم للتقوى، والذوق مظهر جميل وثوب حسن من ثياب التقوى والرفق في المعاملة وحسن الحديث والوجه الطلق والابتسامة الصافية، وحرص المرء على النظام وخدمة الآخرين والإنصاف مع الخصم والمخالف في الرأي والتناصح بين الإخوة كل ذلك وأمثاله من الأسس والقواعد التي يقوم. عليها المجتمع المسلم الصالح، وذلك لعمري المقياس الصحيح من مقاييس التقوى.

إن الصلاة عمود الدين، ولكن روح الصلاة الخشوع وأن تكون ناهية لصاحبها عن المنكر والفحشاء آمرة بالمعروف، والمعروف أفق واسع لا يعمل فيه إلا العاملون المخلصون الذين تفيض قلوبهم إيمانًا ومودة ووجوههم بشرًا وألسنتهم أطيب الحديث.

۲– حفظ القرآن مهم ولكن حسن التلاوة وفهم معانيه وتطبيق أحكامه أهم:

لا يختلف عالمان مسلمان على أن خير ما يملأ به المسلم جوفه كما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم- سورًا وآيات من القرآن العظيم، ومعلوم أن حفظ كتاب الله في الصدور وتطبيقه في واقع الحياة بات طموحًا يسعى له المسلم الصادق

ويبذل في سبيل بلوغه الغالي والنفيس والمسلم الذي يحفظ كتاب الله في صدره ينال كثيرًا من المنافع الدنيوية والأخروية الجمة التي تجعله ذا شأن عند الله والناس معًا ، فهو ينال بذلك ثواب الآخرة كما ينال من منافع الدنيا ما يتمثل في فهم أحكام الإسلام واتباع سبيل الرشاد بالإضافة لإتقان تلاوة القرآن ومعرفة بلاغته وإعجازه مما يورث المسلم فصاحة لسان وسحر بيان أن خطب أو كتب أو حاضر أو حاور أو بحث أو تحدث، وفي صدر الإسلام الأول كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يزوج المسلم بمهر لا يتعدى حفظه السورة البقرة أو غيرها مما تيسر من سور القرآن الكريم.

ومثل هذه القيمة العظيمة لحفظ القرآن عن ظهر قلب لا تحول المسلم وحدها أن تتولى شؤون المسلمين أو أن يكون على رأس العمل الإسلامي في أي مستوى من مستوياته بل لابد من مراعاة جوانب أخرى وسمات عديدة ذات أهمية بالغة وشأن عظيم يجعل المسلم جديرًا بأن يوكل له من أمور المسلمين ما يستطيع تدبيره، ومن شؤون الأمة ما يقدر على إدارتها الأمر الذي يجعله مبدعًا قادرًا في جانب عاجزًا غير مثمر ولا نافع في جانب آخر. ولدينا الدليل القاطع على ذلك في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم- الذي ولى خالدًا بن الوليد - رضي الله- عنه قيادة المجاهدين وجعله أكثر من مرة على رأس جيوش الدعوة وقد فعل صحابته من بعده مثل ذلك على قلة ما يحفظ خالد - رضي الله- عنه من سور القرآن الكريم وآياته عن ظهر قلب. ومع ذلك كان سيف الله المسلول، وكان المجاهد الفذ والعسكري النابغة والقائد الذي لم يهزم قط.

وما يقال عن حفظ القرآن الكريم يقال عن ورع الرجال وتقواهم وزهدهم في الدنيا، وفي السيرة النبوية المطهرة برهان ناصع ودليل قاطع على ما نقول يتمثل في الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه- الذي كان علمًا من أعلام الزهد والورع والتقوى والبعد عن الذات والأنانية ومع ذلك لم يوله الرسول - صلى الله عليه وسلم- الإمارة ولم يوكل له أمرًا من أمور القيادة والحكم لأنه كان يضيف إلى معرفته بتقوى الصحابي الجليل وورعه معرفة أخرى بشخصيته قوة وضعفًا وبمدى قدرته على تولي أمر القيادة وإدارة شؤون الحكم.

٣– الورع والدهاء كلاهما لازم للمسيرة

ينبع ورع المسلم من صفاء عقيدته وعمق تقواه وللورع دور كبير في توجيه مسيرة المسلم نحو طاعة الله والأخذ بما أحل الله والتمتع بالطيبات في كل مجالات حياته وانطلاقة مسيرته طعامًا وشرابًا ودواءً وثيابًا وتعاملًا مع الناس في شتى مجالات المعرفة والسياسة والمال والجهاد والتعليم والتعلم والترويح الهادف البريء مثلما للورع دور كبير كذلك في البعد بالمسلم عن مواطن الحرام والشبهات وتجنب المعاصي حيثما واجهته أو لقيها في طريقه الممتد ورحلته ويعينه على التخلص من المأزق والبعد عن الوقوع في المزالق والمطبات كما يعينه على حسن التأني وسلامة الأداء واللطف في التعبير عن مكنونات نفسه وصائب فكره وآرائه.

ومثلما يكون الورع من لوازم صفات المسلم السوي ليحول بينه وبين الوقوع في الحرام فإن الدهاء كذلك من لوازم صفات المسلم السوي ليحول بينه و بين الوقوع في الانحراف والزلل ويعينه على  التخلص من مؤامرة المتآمرين وحبائل الماكرين. فالمسلم الورع صادق في حديثه مخلص في عمله أمين في تعامله وفي بوعده حافظ لعهده، والمسلم الداهية الذكي حذر مما يُدبر له مفتح القلب والعينين ذو بصر وبصيرة معًا مصغ لما يدور حوله متابع لكثير مما يقع في دنياه.

 إن الدعوة لتنمية بذرة الورع والتقوى في نفس المؤمن والعناية بتنمية بذرة الذكاء والوعي والفطنة والدهاء كلاهما أمر هام والدعوة لهما معًا هي التي تصنع المسلم المتكامل في عمق تقواه وعمق وعيه معًا، والإصرار على الالتزام بواحدة من هاتين الصفتين دون الأخرى كالإصرار على أن يفقأ إنسان إحدى عينيه ويحتفظ بالأخرى ليرى جانبًا من الواقع الذي يقف فيه دون الجانب الآخر. لقد كان المسلمون الأوائل يجمعون أو يتمتعون بهاتين السمتين على تفاوت بينهم وعلى اختلاف في مقدار كل منهما لدى الناس. فقد نجد مسلمًا تقيًا ورعًا على قدر كبير من الدهاء والوعي ولكنه كذلك على قدر ولو أقل من التقوى يقربه من الله ويقوده إلى مرضاته.

أما أن يكون المسلم تقيًا عميق التقوى ولا وعي عنده أو أن يكون داهية واعيًا ولا تقوى لديه فذلك أمر مستهجن وغير مقبول بحال في عقيدة التوحيد والفكر الإسلامي الرشيد لأن التقوى بلا وعي غفلة والوعي بلا تقوى ضياع.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

189

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟