العنوان مفهوم البر في الإسلام
الكاتب الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح
تاريخ النشر الاثنين 01-يناير-1979
مشاهدات 71
نشر في العدد 426
نشر في الصفحة 30
الاثنين 01-يناير-1979
البر كلمة رائعة، من الكلمات الإسلامية العريقة المنبت الأصلية في المدلول والمفهوم، وهي أغزر الكلمات الإسلامية مادة، وأدقها تعبيرًا عما يقع تحت فعل الخير، وتعبيرًا عما يجول في النفس من خواطر ونيات طيبة.
واستطاعت هذه الكلمة في ظل عالمية الإسلام أن تتسع وترتفع حتى تصعد أرقى الاختلاجات، فليس هناك معنى من معاني الخير، ولا فكر من الأفكار الحسنة، ولا عاطفة من العواطف النبيلة، ولا عمل من السلوك الإسلامي إلا وله بكلمة «البر» اتصال وارتباط، ولم أقف فيما قرأت على مفهوم يقارب في شموله وعمومه واتساعه مفهوم البر في الإسلام.
والبر في الإسلام قيمة عليا من القيم الفاضلة، وأساس من أسس مكارم الأخلاق، وبعبارة أقرب وأوجز: البر هو جماع الخير كله. والبر بالنسبة للإنسان جماع كل فضيلة، ويتسع المفهوم ليشمل المعاني النفسية والأخلاقية الموجهة، وما ينشأ عنهما من أعمال صالحة طيبة يقترب بها العبد إلى ربه.
وقد كان المسلمون يفهمون معنى البر على هذا الوجه، ويدركون أن كل عمل صالح أو نية طيبة أو خلق مرضي شعبة من شعب البر، وقد جاء رجل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسأله عن البر والإثم، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «استفتِ قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب». وفي آية واحدة من سورة البقرة يضع الله، سبحانه وتعالى، قواعد البر في الإسلام، وقواعد التصور الإيماني، وقواعد السلوك المنظم، وقواعد الأخلاق، وقواعد الصحة، والكمالات النفسية؛ قال تعالى:
﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177).
قال الفيروز آبادي في كتابه «بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز»: وأصل الكلمة ومادتها -أعني «برر»- موضوعة لخلاف البحر، وتصور منه التوسع، فاشتق منه البر، أي التوسع في فعل الخير. وينسب ذلك تارة إلى الله تعالى في نحو «إنه هو البر الرحيم» وإلى العبد تارة، فيقال: بر العبد ربه، أي توسع في طاعته، فمن الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة. وذلك ضربان: ضرب في الاعتقاد، وضرب في الأعمال. وقد اشتمل عليهما قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾، وعلى هذا رُوي أنه -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن البر فتلا هذه الآية. فإن الآية متضمنة للاعتقاد، ولأعمال الفرائض، والنوافل. وبر الوالدين: التوسيع في الإحسان إليهما. ويستعمل البر في الصدق لكونه بعض الخير. يقال: بر في قوله وفي يمينه. وحج مبرور: مقبول، وجمع البارّ: أبرار وبررة، وخُصَّ الملائكة بالبررة من حيث أنه أبلغ من الأبرار؛ فإنه جمع بر، والأبرار جمع بارّ، وبر أبلغ من بار، كما أن عدلًا أبلغ من عادل.
وآية البر هذه هي أجمع الآيات في تحديد معنى البر من النواحي الواقعية والعلمية والسياسية والاجتماعية، فهي ترشد فيما ترشد إلى أن «البر» لا يرتبط بشيء من المظاهر والصور والأشكال، وإنما يرتبط بالحقائق وروح التكاليف.
لذلك يرى علماء الأمة الإسلامية أن هذه الآية اشتملت على جمل عظيمة، وقواعد عميقة، وعقيدة مستقيمة، ومَن اتصف بهذه الآية فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، والآية كما ترى مشتملة على خمس عشرة خصلة، وترجع إلى ثلاثة أقسام جامعة لكل أنواع البر، فالخمس الأولى منها تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل صحة الاعتقاد، وقد بينت الآية ذلك في قوله تعالى:
﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: 177).
وماذا في تلك الصفات من قيم تجعل لها هذا الوزن في ميزان الله؟ يقول شهيد الإسلام سيد قطب: ما قيمة الإيمان بالله واليوم الآخر، والملائكة والكتاب والنبيين؟ إن الإيمان بالله هو نقطة التحول في حياة البشرية من العبودية لشتى القوى، وشتى الأشياء، وشتى الاعتبارات، إلى عبودية واحدة لله، تتحرر بها النفس من كل عبودية، وترتفع بها إلى مقام المساواة مع سائر النفوس، وفي الصف الواحد، أمام المعبود الواحد، ثم ترتفع بها فوق كل شيء وكل اعتبار. وهو نقطة التحول كذلك من الفوضى إلى النظام، ومن التيه إلى القصد، ومن التفكك إلى وحدة الاتجاه. فهذه البشرية دون إيمانها بالله الواحد لا تعرف لها قصدًا مستقيمًا، ولا غاية مطردة، ولا تعرف لها نقطة ارتكاز تتجمع حولها في جد وفي مساواة، كما يتجمع الوجود كله، واضح النسب، والارتباطات والأهداف والعلاقات. والإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالعدالة الإلهية المطلقة في الجزاء، وبأن حياة الإنسان على هذه الأرض ليست سدى ولا فوضى بغير میزان، وبأن الخير لا يعدم جزاءه ولو بدا أنه في هذه الأرض لا يلقى الجزاء، والإيمان بالملائكة طرف من الإيمان بالغيب الذي هو مفترق الطريق بين إدراك الإنسان وإدراك الحيوان، وتصور الإنسان لهذا الوجود وتصور الإنسان الذي يؤمن بما وراء الحس والحيوان المقيد بحسه لا يتعداه، والإيمان بالكتاب والنبيين هـو الإيمان بالرسالات جميعًا والرسل أجمعين، وهو الإيمان بوحدة البشرية ووحدة إلهها ووحدة دينها ووحدة منهجها الإلهي، ولهذا الشعور قيمة في شعور المؤمن الوارث لتراث الرسل والرسالات.
فإذا انطلق المسلمون بهذه القيم الرفيعة لإحقاق الحق وإعلاء كلمة الله، وسيادة المنهج الإسلامي، فتلك دعوتهم، ولا حياة للمسلمين بدون هذه الدعوة. والعقيدة الإسلامية تعتبر أصلح العقائد، ومنهجها التربوي والموجه للضمائر يعد أصلح المناهج. ومن هنا كان على المسلمين أن يواجهوا تحديات العصر، أيًّا كان نوعها وأيًّا كانت أساليبها وأشكالها، بالمنهج الإسلامي.
والنوع الثاني من أقسام البر، التي ترجع إليها الخمس عشرة من الخصال التي جاءت في آية البر التي معنا، يشمل ست خصال جاءت بعد الخمس الأولى منها، وهذه الست تتعلق بالكمالات النفسية التي هي من قبيل حسن معاشرة العباد، وهي قوله تعالى:
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (البقرة: 177).
وهذه الخصال الست تدخل في البر في العمل. والعمل هو مدد العقيدة، وفي نفس الوقت هو ثمرتها يحفظها وينميها ويدل عليها. و«قيمة المال» هي الانعتاق من ربقة الحرص والشح والضعف والأثرة، انعتاق الروح من حب المال الذي يقبض الأيدي عن الإنفاق ويقبض النفوس عن الأريحية ويقبض الأرواح عن الانطلاق، فهي قيمة روحية يشير إليها النص على حب المال، وقيمة شعورية أن يبسط الإنسان يده وروحه فيما يحب من مال، لا في الرخيص منه ولا الخبيث، فيتحرر من عبودية المال، هذه العبودية التي تستذل النفوس وتنكس الرؤوس، ويتحرر من الحرص، والحرص يذل أعناق الرجال. وهي قيمة إنسانية كبرى في حساب الإسلام الذي يحاول دائمًا تحرير الإنسان من وساوس نفسه وحرصها وضعفها قبل أن يحاول تحريره من الخارج في محيط الجماعة وارتباطاتها، يقينًا منه بأن عبيد أنفسهم هم عبيد الناس، وأن أحرار النفوس من الشهوات هم أحرار الرؤوس في المجتمعات. ثم إنها بعد ذلك كله قيمة إنسانية في محيط الجماعة.
النوع الثالث يشمل الخصال الأربع الأخيرة التي جاءت في الآية، وهي خصال تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل تهذيب النفس. جاء فيها قوله تعالى:
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177).
فقد جاء بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مبدآن مهمان من مبادئ البر في الخلق:
المبدأ الأول: مبدأ القيام بالواجب. وقد عبرت عنه الآية في: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ (البقرة: 177).
والعهد لفظ شامل يجمع ألوانًا من الارتباطات والالتزامات لا غنى للنفس عنها ولا استقامة للحياة بدونها، أو عهد بين الإنسان والإنسان، أو عهد بين الدولة والدولة، وعهود الله مع عباده كثيرة، منها العام ومنها الخاص. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يس: 60).
وحظ الناس اليوم من هذا العهد هو ترابط المصلحين والدعاة على مبدأ الخير والصلاح، والإصلاح والتربية والتوجيه.
أما عهود الناس بعضهم مع بعض، فهي تتمثل فيما يحدث بينهم من عقود والتزامات مالية أو غير مالية، أو فيما يحدث بين الأمة والأمة في تحديد الحقوق والالتزامات، وكلها يجب الوفاء ما لم تكن في معصية الله.
والوفاء بالعهد سمة الإسلام التي يحرص عليها ويكررها القرآن كثيرًا ويعدُّها آية الإيمان، وآية الآدمية وآية الإحسان، وهي ضرورة لإيجاد جو من الثقة والطمأنينة في علاقات الأفراد وعلاقات الجماعات، وعلاقات الأمم والدول، تقوم ابتداءً على الوفاء بالعهد مع الله، وبغير هذه السمة يعيش كل فرد مفزعًا قلقًا، لا يركن إلى وعد ولا يطمئن إلى عهد، ولا يثق بإنسان. ولقد بلغ بالإنسان من الوفاء بالعهد لأصدقائه وخصومه على السواء قمة لم تصعد إليها البشرية في تاريخها كله، ولم تصل إليها إلا على حداء الإسلام وهَدي الإسلام.
والمبدأ الثاني: مبدأ مقاومة الطوارئ والتغلب على عقبات الحياة. وقد عبرت عنه الآية بقولها:
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (البقرة: 177).
والصبر عدة النجاح في الحياة، والسبيل الوحيد للتغلب على جميع الصعاب.
إن الصبر في الإسلام هو الرجاء في الله والثقة بالله والاعتماد على الله. ولا بد للأمة الإسلامية التي نيطت بها القوامة البشرية والعدل في الأرض، والتي هي خير أمة أخرجت للناس، لا بد لها أن تهيئ نفسها لإصلاح البشرية، وتتجمل بالصبر وقوة التحمل.
وهكذا تبين آية البر في سورة البقرة أن الأمة الإسلامية هي أمة القيادة والتوجيه، وأن لها في هذا العالم صدارة يجب ألا تفرط فيها. ومن هنا كان على المجتمعات الإسلامية أن تحافظ على خصال البر التي جاء بها الإسلام، وهي تشمل البر في العقيدة، والبر في العمل، والبر في الخلق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل