; مفهوم التجمع الحركي ومبرراته عند سيد قطب «القسم الثاني» | مجلة المجتمع

العنوان مفهوم التجمع الحركي ومبرراته عند سيد قطب «القسم الثاني»

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1972

مشاهدات 89

نشر في العدد 120

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 03-أكتوبر-1972

وإذن، فلا بد من تجمع حركي إسلامي يواجه التجمع الجاهلي. «لم يكن بد أن ينشأ تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي، منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام إلغاءه.» «۱» «إن التصور الاعتقادي يجب أن يتمثل من فَورِه في تجمع حركي، وأن يكون التجمع الحركي في الوقت ذاته تمثيلًا صحيحًا وترجمة حقيقية للتصور الاعتقادي.» «۲» «والحركة بهذا الدين حركة في واقع بشري، والصراع بينه وبين الجاهلية ليس مجرد صراع نظري يقابل بنظرية، إن الجاهلية تتمثل في مجتمع ووضع وسلطة، ولا بد كي يقابلها هذا الدين بوسائل مكافئة أن يتمثل في مجتمع ووضع وسلطة، ولا بد بعد ذلك أن يجاهد ليكون الدين كله لله، فلا تكون هناك دينونة لسواه.» «۳» إخلاص وهجرة ولكن كيف يتم بناء هذه الحركة الإسلامية المكونة للمجتمع المسلم؟ يجيب سيد رحمه الله: «إن هذا المجتمع لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله، لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور، ولا تدين بالعبودية لغير الله في العبادات والشعائر، ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع، ثم تأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة، تنقي ضمائرها من الاعتقاد في ألوهية أحد غير الله معه أو من دونه وتنقي شعائرها من التوجه بها لأحد غير الله معه أو دونه، وتنقي شرائعها من التلقي عن أحد غير الله معه أو من دونه، عندئذ، وعندئذ فقط، تكون هذه الجماعة مسلمة، ويكون هذا المجتمع الذي أقامته مسلمًا كذلك. فأما قبل أن يقرر ناس من الناس إخلاص عبوديتهم لله على النحو الذي تقدم فإنهم لا يكونون مسلمين. وأما قبل أن ينظموا حياتهم على هذا الأساس فلا يكون مجتمعهم مسلمًا، ذلك أن القاعدة الأولى التي يقوم عليها الإسلام، والتي يقوم عليها المجتمع المسلم هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لم تقم بشطريها. وإذن فإنه قبل التفكير في إقامة نظام اجتماعي إسلامي، وإقامة مجتمع مسلم على أساس هذا النظام، ينبغي أن يتجه الاهتمام أولًا إلى تخليص ضمائر الأفراد من العبودية لغير الله في أية صورة من صورها التي أسلفنا، وأن يتجمع الأفراد الذين تخلص ضمائرهم من العبودية لغير الله في جماعة مسلمة، وهذه الجماعة التي خلصت ضمائر أفرادها من العبودية لغير الله، اعتقادًا وعبادة وشريعة، هي التي ينشأ منها المجتمع المسلم، وينضم إليها من يريد أن يعيش في هذا المجتمع بعقيدته وعبادته وشريعته التي تتمثل فيها العبودية لله وحده، أو بتعبير آخر: تتمثل فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. هكذا كانت نشأة الجماعة المسلمة الأولى التي أقامت المجتمع المسلم الأول. وهكذا تكون نشأة كل جماعة مسلمة، وهكذا يقوم كل مجتمع مسلم. إن المجتمع المسلم إنما ينشأ من انتقال أفراد ومجموعات من الناس من العبودية لغير الله معه أو من دونه إلى العبودية لله وحده بلا شريك، ثم من تقرير هذه المجموعات أن تقيم نظام حياتها على أساس هذه العبودية، وعندئذ يتم ميلاد جديد لمجتمع جديد، مشتق من المجتمع الجاهلي القديم، ومواجه له بعقيدة جديدة، ونظام للحياة جديد، يقوم على أساس هذه العقيدة، وتتمثل فيه قاعدة الإسلام الأولى بشطريه، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.» «٤» ويرى سید أن هذا الانتقال الذي تحدث عنه، انتقال الأفراد من المجتمع الجاهلي المعاصر إلى المجتمع الإسلامي الناشئ، هو الهجرة الثانية في التاريخ الإسلامي. «لقد ظل شرط الهجرة قائمًا حتى فتح مكة، حين دانت أرض العرب للإسلام ولقيادته، وانتظم الناس في مجتمعه، فلا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد وعمل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. غير أن ذلك إنما كان في جولة الإسلام الأولى التي حكم فيها الأرض ألفًا ومائتي عام تقريبًا، لم ينقطع فيها حكم شريعة الإسلام، وقيام القيادة المسلمة على شريعة الله وسلطانه. فأما اليوم وقد عادت الأرض إلى الجاهلية، وارتفع حكم الله سبحانه عن حياة الناس في الأرض، وعادت الحاكمية إلى الطاغوت في الأرض كلها، ودخل الناس في عبادة العباد بعد إذ أخرجهم الإسلام منها. الآن تبدأ جولة جديدة أخرى للإسلام كالجولة الأولى تأخذ في التنظيم كل أحكامها المرحلية، حتى تنتهي إلى إقامة دار إسلام وهجرة، ثم تمتد ظلال الإسلام مرة أخرى بإذن الله فلا تعود هجرة، ولكن جهاد وعمل، كما حدث في الجولة الأولى.» «٥» وفي استطرادات سيد في هذا المجال يبدو بوضوح تام خطأ قول من يتهمه بتكفير المسلم غير الحركي، فإنه يميز اعتمادًا على هذه الهجرة بين مسلم عضو في المجتمع الحركي، وبين من يدعوه بالمسلم، بل المؤمن الذي ليس بعضو، ففي تعقيبه على الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ﴾ (الأنفال: 72)، يقول رحمه الله: «وهذا الحكم منطقي ومفهوم مع طبيعة هذا الدين التي أسلفنا ومع منهجه الحركي الواقعي، فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء في المجتمع المسلم، ومن ثم لا تكون بينهم وبينه ولاية، ولكن هناك رابطة العقيدة، وهذه لا ترتب وحدها على المجتمع المسلم تبعات تجاه هؤلاء الأفراد، اللهم إلا أن يعتدى عليهم في دينهم، فيفتنوا مثلًا عن عقيدتهم، فإذا استنصروا المسلمين في دار الإسلام في مثل هذا، كان على المسلمين أن ينصرهم في هذه وحدها، على شرط ألا يخل هذا بعهد من عهود المسلمين مع معسكر آخر، ولو كان هذا المعسكر هو المعتدي على أولئك الأفراد في دينهم وعقيدتهم، ذلك أن الأصل هو مصلحة المجتمع المسلم وخطته الحركية وما يترتب عليها من تعاملات وعقود، فهذه لها الرعاية أولًا، حتى اتجاه الاعتداء على عقيدة أولئك الذين آمنوا ولكنهم لم ينضموا للوجود الفعلي لهذا الدين المتمثل في التجمع الإسلامي، وهذا يعطينا مدى الأهمية التي يطلقها هذا الدين على التنظيم الحركي الذي يمثل وجوده الحقيقي.» «6» فهذا نص صريح لم يجرد فيه سيد رحمه الله غير الحركيين من الإيمان. وجوب الولاء لقيادة إسلامية ثم إن هذا المجتمع الإسلامي الذي أنشأه التجمع الحركي لا بد أن يقوم على ولاءين مزدوجين في آن واحد يتكاملان، ولاء لقيادة النبي صلى الله عليه وسلم باتباعه، وولاء للقادة الذين يقودون التجمعات الحركية مهما تعاقبوا بالمقدار الذي لا يعارض نص القائد الأول صلى الله عليه وسلم. إن هذا «الدين هو الاتباع والطاعة للقيادة الربانية التي لها وحدها حق الطاعة والاتباع، ومنها وحدها يكون التلقي، ولها وحدها يكون الاستسلام، فالمجتمع المسلم مجتمع له قيادة خاصة كما له عقيدة خاصة وتصور خاص قيادة ربانية متمثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما يبلغه عن ربه مما هو باق بعده من شريعة الله ومنهجه. وتبعية هذا المجتمع لهذه القيادة هي التي تمنحه صفة الإسلام وتجعل منه مجتمعًا مسلمًا، وبغير هذه التبعية المطلقة لا يكون مسلمًا بحال. وشرط هذه التبعية هو التحاكم إلى الله والرسول، ورد الأمر كله إلى الله، والرضى بحكم رسوله وتنفيذه مع القبول والتسليم.» «7» ثم «من بعده في كل قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله وحده وربوبيته وقوامته وحاكميته وسلطانه وتشريعه، وأن يخلع كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ولاءه من التجمع العضوي الحركي الجاهلي أي التجمع الذي جاء منه، ومن قيادة ذلك التجمع، في أية صورة كانت، سواء كانت في صورة قيادة دينية من الكهنة والسدنة والسحرة والعرافين ومن إليهم، أو في صورة قيادة سياسية واجتماعية واقتصادية كالتي كانت لقريش، وأن يحصر ولاءه في التجمع العضوي الحركي الإسلامي الجديد وفي قيادته المسلمة.» «8» بالتجمع والولاء تتكون الأمة الإسلامية وبهذا التجمع الإسلامي، والولاء لقيادته، تتكون الأمة الإسلامية «بالمصطلح الإسلامي للأمة، وهي: الجماعة تدين بعقيدة واحدة، وتتجمع على آصرتها، وتدين لقيادة واحدة قائمة على تلك العقيدة. فهذه الأمة الثابتة على الحق، العاملة به في كل حين، هي الحارسة لأمانة الله في الأرض، الشاهدة بعهده على الناس، التي تقوم بها حجة الله على الضالين المتنكرين لعهده في كل جيل.» «۹» التجمع بيئة ضرورية للمسلم «إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته، فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية. هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير، المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل، والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم. عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر، والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة، والحق فيه أقوى من الباطل، والعدل فيه أنفع من الظلم. فاعل الخير فيه يجد على الخير أعوانًا، وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانًا. ومن هنا قيمة هذا التجمع. إن البيئة التي ينمو فيها الخير والحق بلا كبير جهد، لأن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه، والتي لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعسر ومشقة، لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه. والتصور الإسلامي عن الوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص يختلف في هذا كله عن التصورات الجاهلية اختلافًا جوهريًّا أصيلًا. فلا بد إذن من وسط خاص يعيش فيه هذا التصور بكل قيمه الخاصة. لا بد له من وسط غير الوسط الجاهلي، ومن بيئة غير البيئة الجاهلية. هذا الوسط الخاص يعيش بالتصور الإسلامي ويعيش له، فيحيا فيه هذا التصور، ويتنفس أنفاسه الطبيعية في طلاقة وحرية، وينمو نموه الذاتي». «١٠» هذا أو الفساد «هذا هو المنهج الواقعي الحركي الإيجابي لهذا الدين، لا ما يقوله المهزومون والمخدوعون، ولو كانوا من المخلصين الطيبين الذين يريدون أن يكونوا من المسلمين.» «۱۱» «وهكذا وجد الإسلام، هكذا وجد متمثلًا في قاعدة نظرية مجملة ولكنها شاملة، يقوم عليها في نفس اللحظة تجمع عضوي حركي مستقل منفصل عن المجتمع الجاهلي ومواجه لهذا المجتمع، ولم يوجد قط في صورة نظرية مجردة عن هذا الوجود الفعلي. وهكذا يمكن أن يوجد الإسلام مرة أخرى، ولا سبيل لإعادة نشأته في ظل المجتمع الجاهلي في أي زمان وفي أي مكان بغير الفقه الضروري لطبيعة نشأته العضوية الحركية.» «۱۲» «إن البشرية كلها في حاجة إلينا، في حاجة إلى عقيدتنا، وفي حاجة إلى مبادئنا، وفي حاجة إلى شريعتنا، وفي حاجة إلى نظامنا الاجتماعي، الذي يكفل الكفاية لكل فرد، ويكفل الكرامة لكل إنسان، ويكفل سلام الضمير وسلام البيت وسلام المجتمع، كما يكفل السلام الدولي العام. ومن هذه الحاجة الإنسانية بعد عقيدتنا في الله نحن نستمد قوتنا وثباتنا على الدعوة إلى عقيدة الإسلام وشريعته ونظامه الاجتماعي الخاص، وسنثبت بعون الله ولو تَخَطَّفَنا الشر والطغيان من كل مكان. إن البشرية كلها في حاجة إلينا، ومن ثم تبدو جسامة الجريمة التي يرتكبها من يحاولون أن نذوب في أية حركة أو أية منظمة أو أي اتجاه، في داخل الوطن الإسلامي وخارجه على السواء.» «۱۳» وأن الانخلاع عن الفردية، وعن الكبرياء، وتطويع النفس لطاعة قائد إسلامي وموالاته شرط ضروري جدًّا للحفاظ على سلامة الدعاة، وإلا «فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفرادًا، وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده، ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام، وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله.» «١٤» «والمسلمون لا يقيمون وجودهم على أساس التجمع العضوي الحركي ذي الولاء الواحد والقيادة الواحدة، يتحملون أمام االله فوق ما يتحملون في حياتهم ذاتها تبعة تلك الفتنة في الأرض، وتبعة هذا الفساد الكبير.» «١٥» بل أشد من هذا إن لم يكن التجمع، «لأن الأفراد المسلمين نظريًّا، الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرين حتمًا للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية. سيتحركون طوعًا أو كرهًا، بوعي أو بغير وعي، لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده، وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا. أي أن الأفراد المسلمين نظريًّا سيظلون يقومون فعلًا بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون نظريًّا لإزالته، وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد، وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا ويقوى، وذلك بدلًا من أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي، لإقامة المجتمع الإسلامي.» «١٦» «1» «2» «3» الظلال 10/70، 7/93، 9/291 «4» معالم في الطريق /۸۷ «5» «6» «7» الظلال 10/74/73/، 4/214 «8» الظلال 10/70، 9/120 «10» «11» «12» الظلال 4/27، 9/291، 10/70 «13» نحو مجتمع اسلامی – (۱۲) «14» «15» «16» الظلال 10/73/74/69
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

200

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10

نشر في العدد 53

118

الثلاثاء 30-مارس-1971

من هَدي النُبوة

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية