; مفهوم الثقافة محاولة للفهم | مجلة المجتمع

العنوان مفهوم الثقافة محاولة للفهم

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2012

مشاهدات 56

نشر في العدد 2018

نشر في الصفحة 57

السبت 08-سبتمبر-2012

شاع استعمال لفظ الثقافة والمثقف في العصر الحاضر في مجال الحديث والتأليف والمحاضرات.. ويُراد بها الأخذ من كل علم بطرف، ومن ثم يقولون: «تعلم شيئًا عن كل شيء، لتكون مثقفًا، وتعلم كل شيء عن شيء، لتكون عالمًا».

 والشأن في المسلم أن يكون على بصيرة من دينه، ويتسلح بثقافة إسلامية ثابتة الأصول باسقة الفروع، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها! وعلى الرغم من كثرة المؤتمرات والمؤلفات والمحاضرات في هذا الموضوع، لم نجد تعريفًا متفقًا عليه للثقافة.

وقد ناقشت إحدى لجان المؤتمر العالمي الثاني الذي دعت إليه «اليونسكو» المنعقد في «المكسيك» في الفترة من ٢٦ يوليو إلى ٦ أغسطس عام ۱۹۸۲م، وحضره ممثلون عن (۱۲۹) دولة، ناقشت تعريف الثقافة.. ومع ذلك أجمع المشاركون على أن كلمة «ثقافة» لا تزال غامضة، وغير محدّدة، على الرغم من أن مفهومها قد أصابه توسع ملموس في المناقشات التي جرت منذ انعقاد المؤتمر العالمي الأول للثقافة في مدينة «البندقية» عام ١٩٧٠م! وتستعمل مادة «ثقف» في الحسيّات، يقال: تثقيف الرماح أي تسويتها، ويقال: ثقف تثقيفا: سوّاه، كما تستعمل في المعنويات: قال أبن دريد: ثقفت الشيء: «حذقته»، وثقفته «إذا ظفرت به » قال الله تعالى: ﴿ فَإِما تَثْقَفَنَّهُمْ في الحَرْب فَشَرَد بهم مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأنفال:57 )، وثقُف الرجل بضم القاف ثقافة: أي صار حاذقًا خفيفًا.. وثقف- بكسرالقاف- ثقفا أي صار حاذقًا فطنا!.

وفي حديث الهجرة: وهو غلام لقن ثقف أي ذو فطنة وذكاء، والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه، وقال الزمخشري: «وثقفتُ العلم أو الصناعة في أوهي مدة: إذا أسرعت أخذه، ومن المجاز: أدبه وثقفه، ولولا تثقيفك وتوقيفك لما كنت شيئًا، وهل تهذبت وتثقفتُ إلا على يدك»، وعلى هذا فالثقافة هي: «التسوية والتهذيب والتقويم، والحذق والظفر والفطنة، وسرعة أخذ العلم وفهمه وثبات المعرفة بما يُحتاج إليه».

وليس هناك تعريف جامع مانع . وهو ما يعبر عنه بالحد . لكلمة «ثقافة»، لأنها ذات أبعاد كبرى ودلالات كثيرة، وإيحاءات شتى، وتعني . في إطارها العام . آفاقاً جمة، ومستويات عدة.

وليس هذا خاصًا بالثقافة وحدها.. فهناك ما يعترض الدارسين من صعوبة التعريف الجامع المانع لكثير من المصطلحات التي أصبحت شائعة ذائعة في هذا العصر بدلالات جديدة، وإيحاءات لم تكن معروفة لهذه المصطلحات من حيث الأصل والاستعمال من قبل، مثل:«الفن» و«الحضارة» و«المدنية». ومن هنا اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات. قال محمد بن سلام الجُمحي: «وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات، منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان». 

وقد فهم بعض الباحثين في النقد الأدبي أن لفظة «صناعة» تعني لدى أبن سلام ميزان نقد الشعر فقال: كان أبن سلام أول من نص على استقلال النقد الأدبي، فأفرد الناقد بدور خاص، حين جعل للشعر. أي لنقده والحكم عليه . «صناعة» يتقنها أهل العلم بها مثلما أن ناقد الدرهم والدينار يعرف صحيحهما من زائفهما بالمعاينة والنظر ولعله كان يرد على من يتطاولون إلى الحديث في نقد الشعر من معاصريه وهم لا يملكون ما يسعفهم من ذلك». وهنا يبقى السؤال قائمًا حول ما يعنيه ابن سلام من كلمة «ثقافة» التي عطفها على لفظة «صناعة ». فإذا كان ينفي الترادف فإن مدلول لفظة «ثقافة».

كما يفهم من كلامه . يعني الحذق والفهم والقدرة، أو ما يمكن أن نعبر عنه بما يسمى «الملكة».

فإذا أضيفت الكلمة إلى الشعر كانت ملكة الشعر.. أي القدرة على فهمه وحذقه ونقده.

وإذا أطلقت دون أن تضاف إلى علم أو فنّ فليس ثمة ما يمنع أن تدل على ما نطلق عليه اليوم «الثقافة العامة».

فإذا جعل أبن سلام للشعر ثقافة فإن معنى ذلك أن للنثر ثقافة أيضًا، وهي «الثقافة الأدبيّة»، وتتسع الدائرة، ويتنوع المدلول كلما أضيفت الثقافة إلى علم أو فن خاص كأن نقول: «الثقافة الشرعية»، و«الثقافة التاريخيّة»، و«الثقافة الفلسفية»، و«الثقافة الطبية»، ونحو ذلك.

فإذا ذكرت اللفظة دون إضافتها إلى شيء، فليس لها . على هذا التفسير إلا التنوع والعموم، وإذا اتصف بها إنسان كانت ملكته في فهم ضروب العلوم والفنون والمعارف ملكة جيدة بوجه عام، وهذا يدل عليه لفظ «المثقف» في الاصطلاح الشائع في هذا العصر. 

وحاول بعض التربويين أن يضعوا تعريفًا لها فقالوا إنها: «مجموعة الأفكار والمثل والمعتقدات والتقاليد والعادات والمهارات وطرق التفكير، وأسلوب الحياة والنظام الأسري، وتراث الماضي بقصصه ورواياته وأساطيره وأبطاله، ووسائل الانتقال والاتصال وطبيعة المؤسسات الاجتماعية في المجتمع الواحد». 

وهذا يتفق مع المفهوم الذي تدل عليه كلمة Culture في الاصطلاح الإنجليزي الحديث، منذ أيام «تيلور» E.B.Tylor«ت ۱۹۱۸»ا لأنثروبولوجي الإنجليزي وهو: «جملة ما تحصل في جماعة ما من تراث المعرفة النظرية والعملية، ومن التراث الاعتقادي والحضاري العلمي والفلسفي والفني، بالمعنى الواسع»، وأخيرًا عرف المجمع اللغوي بمصر الثقافة بالمعنى الاصطلاحي بأنها: «العلوم والمعارف والفنون التي يُطلب الحدق بها، وسنواصل بإذن الله تعالى في مقالاتنا المقبلة الحديث عن علاقة الثقافة بالدين الإسلامي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

132

الثلاثاء 05-مايو-1970

مجتمعنا - العدد 8

نشر في العدد 48

94

الثلاثاء 23-فبراير-1971

يوميات المجتمع (48)

نشر في العدد 77

149

الثلاثاء 14-سبتمبر-1971

هذا الأسبوع (العدد 77)