العنوان مفهوم العلاقات الدولية في الإسلام «الحلقة الثانية»
الكاتب د. سعيد حارب
تاريخ النشر الأحد 08-مارس-1992
مشاهدات 54
نشر في العدد 992
نشر في الصفحة 26
الأحد 08-مارس-1992
الأمين العام المساعد لجامعة الإمارات
إن إقامة العلاقات فيما بين الدول أمر قديم، فقد «كانت العلاقات بين
الشعوب قديمًا تقوم على التراسل والتكاتب بواسطة الرسل الموفدين، وقد اعتبر لأولئك
الرسل- على مر الزمن- حرمة كبيرة في الأعراف والشرائع». 14
ومع مرور الزمن تأصلت هذه العلاقات وتم تنظيمها ووضع الأسس والضوابط
لها. والدولة الإسلامية شأنها كشأن بقية الدول من حيث التنظيم والإدارة.. تسعى
لإقامة علاقات مع غيرها من الدول.
لكن الدولة الإسلامية ليست كبقية الدول في أهدافها ووسائلها، فهي قد
تلتقي مع غيرها في الأسلوب والطريقة ولكنها تختلف في الأهداف وعلى مراحل التاريخ
التي مرت به الدولة الإسلامية تعاملت مع غيرها من الدول والشعوب والأفراد تعاملاً
اختلف عما تعاملت به هذه الدول والشعوب والأفراد، فتارة كانت العلاقة تتسم بالجهاد
والمقاتلة، وتارة أخرى بالسلم والموادعة ولذا فقد اختلفت طبيعة العلاقات الخارجية
التي تقيمها الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول.
ولذا وجدنا الفقهاء ورواد الفكر الإسلامي الأوائل يصفون العلاقات بين
الدولة الإسلامية وغيرها من الدول بأنها علاقة «حرب» أو جهاد وقسموا العالم لذلك
إلى «دار إسلام» و«دار حرب» وأضاف بعضهم تقسيمًا ثالثًا وهو «دار العهد».
ومع مرور الزمن وضعف الدولة الإسلامية ودخول الوهن إلى قلوب أبنائها
وتقاعسهم عن الجهاد.. ضعف شأن الأمة بل طمع فيها الطامعون ومزقوها إلى دويلات
وتجمعات يحارب بعضها بعضًا. وأصبح بأس المسلمين بينهم شديدًا وكلمتهم
متفرقة.. ولم يعد للجهاد راية ترفع.
وقد أثَّر ذلك في آراء الفقهاء والعلماء المتأخرين من المسلمين
فنظروا إلى العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول على أنها علاقة سلم..
أما الحرب فهي طارئة وتقدر بقدرها.. ولا يرون اللجوء إليها إلا بعد استنفاد
الوسائل الداعية للسلم أو لرد العدوان وهو ما يعرف «بالحرب الدفاعية»، وقد ذهب
العلماء في ذلك إلى رأيين.
الرأي الأول: أصل العلاقة الحرب:
يذهب الأكثرون من فقهاء الإسلام الأوائل وبعض المتأخرين إلى أن الأصل
في العلاقة بين غير المسلمين الحرب سواء اكتسبوا هذه الحرب بالعداوة ومقاتلة
المسلمين أم الإعداد لقتال المسلمين أم بغير ذلك من الأسباب وكما شرعت الحرب
دفاعًا فإنها شرعت ابتداء كذلك لا يمكن أن يكون بين المسلمين والكفار أي صلح أو
أمان إلا لأمر طارئ، تحقيقًا للمصالح الإسلامية..
فمن بلغته الدعوة الإسلامية ولم يؤمن بها كان على المسلمين مقاتلته
حتى يسلم أو يدفع الجزية. وعلى هذا الرأي جمهور الفقهاء في عصر الاجتهاد الفقهي في
القرن الثاني الهجري 15.
يقول شيخ الإسلام ابن تيميه: «إذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد
ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فمن منع هذا قوتل
باتفاق المسلمين وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان
والراهب والشيخ الكبير والأعمى ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل
بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء
والصبيان لكونهم مالًا للمسلمين والأول هو الصواب لأن القتال هو لمن قاتلنا
إذا أردنا إظهار دين الله». 16
وإلى هذا الرأي ذهب بعض المتأخرين كالدكتور عبد الكريم زيدان والدكتور
مصطفى كمال وصفي والشيخ حسن البنا والأستاذ سيد قطب وغيرهم من المفكرين المسلمين.
الرأي الثاني: أصل العلاقة السلم:
وقد ذهب إلى هذا الرأي كثير من الفقهاء المتأخرين ولا يعرف هذا الرأي
عند المتقدمين من الفقهاء إلا عند «الخطابي من علماء القرن الرابع الهجري في كتابه
«معالم السنن» ونسب هذا القول كذلك إلى جماعة من أهل التفسير كأبي مسلم الأصفهاني
والقفال الشاشي وفخر الدين الرازي ولكن هذه النسبة لا يعول عليها ولا وجود لها في
شيء من المراجع الصحيحة المعتمدة إلا أن تكون بطريق الخطأ في الفهم والنقل لا
غيره». 17
ونسب القول بهذا الرأي إلى الإمام الثوري حيث قال: «ولا يجوز قتالهم
حتى يبدونا». 18
ومن المتأخرين الذين ذهبوا إلى هذا الرأي الشيخ محمد عبده. 19
والشيخ محمود شلتوت قال: «دعت هداية الله إلى السلام إلى حد أنها لم
تجعل المخالفة في الدين الحق سببًا من أسباب العدوان والبغي». 20
وذهب إلى هذا الرأي الدكتور وهبه الزحيلي فقال: «إن الأصل في العلاقات
الدولية في الإسلام هو السلام حتى يكون اعتداء على البلاد أو الدعاة أو حرمات
الإسلام أو المسلمين بفتنتهم عن دينهم والحرب حينئذ ضرورة للدفاع عن النفس أو
المال أو العقيدة». 21
وذهب إلى هذا الرأي كذلك الشيخ محمد أبو زهرة فقال: «لأن الأصل في
العلاقات بين الجماعة هي التواد والتراحم والتعاون على استغلال ينابيع الخير في
الأرض في شرقها وغربها وقاصيها ودانيها فإن الأصل في العلاقة العامة بين الناس
دولًا وجماعات وأفرادًا هو السلام والنزاع لا يكون إلا لأمر عارض». 22
وقال بهذا الرأي كذلك الشيخ عبد الوهاب خلاف حيث قال: «والنظر الصحيح
يؤيد أنصار السلام القائلين بأن الإسلام أسس علاقات المسلمين بغيرهم على
المسالمة والأمان لا على الحرب والقتال». 23
وذهب إلى هذا الرأي كذلك محمد رشيد رضا حيث قال: «إن السلم هي الأصل
التي يجب أن يكون عليها الناس فلهذا أمرنا الله بإيثارها على الحرب». 24
والواقع أننا لا نستطيع أن نجزم بطبيعة العلاقة بين الدولة الإسلامية
وغيرها من الدول وذلك لتغير الظروف والأزمنة التي دفعت بكل فريق لاختيار مذهبه
والاستدلال عليه وذلك لأن كل فريق نظر إلى الواقع الذي كانت تعيشه الدولة
الإسلامية وإمكانية إقامة العلاقة مع غيرها على الأسس والظروف التي تمر بها الدولة
الإسلامية فحين كانت القوة والمنعة والهيبة للإسلام وجدنا الفقهاء يذهبون إلى أن
أصل العلاقة الحرب وحين ضعفت الدولة الإسلامية- بل تغلب عليها أعداؤنا- ذهب
المتأخرون من الفقهاء إلى أن أصل العلاقة السلم.
إن الذي يحدد العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول هو الهدف
الذي من أجله تقام هذه العلاقة، «فمن المعلوم أن الدولة الإسلامية دولة فكرية قامت
على أساس العقيدة الإسلامية وقانونها هو ما قام على هذه العقيدة أو انبثق منها من
نظم وأفكار فهي إذن ليست دولة إقليمية محدودة بالحدود الأرضية ولا هي دولة عنصرية
محدودة بحدود الجنس المعين وإنما هي كما قلنا دولة فكرية تؤهلها عقيدتها أن تكون
دولة عالمية تضم مختلف الأجناس والأقوام إذ باستطاعة أي إنسان أن يعتنق عقيدتها
فيكون من رعاياها وحملة فكرتها وجنسيتها ومن يرفض ذلك فإنه يستطيع العيش في
حمايتها وفي ظل نظامها القانوني ويحمل جنسيتها ويبقى على عقيدته دون مضايقة
ولا إكراه». 25
ولقد كانت طبيعة العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها واضحة للجيل
الأول من المسلمين سواء كانت هذه العلاقة وقت الحرب أو السلم فكما كان الرسول صلى
الله عليه وسلم يقود الجيوش كان يبعث الرسل لملوك الدول يدعوهم فيها للإسلام فلم
تقف الدولة الناشئة تنتظر القوة الكبرى لتنشر الإسلام وإنما كانت تعمل بجميع
الوسائل من أجل الوصول بهذا الإسلام إلى الناس كافة.
لقد كانت الدولة الإسلامية في بداية عهدها ضعيفة لا تملك من القوة ما
يملكه أعداؤها بل إن توسيع ميدان الدعوة بحيث تشمل المعمورة من أرض الله يومئذ أمر
يثير التأمل لقد كان العرب يستكثرون النبوة على واحد منهم ويوسعونه جحودًا وإنكارًا
فما يكون شأن الروم والعجم وهم يرون العرب دونهم منزلة وحضارة وثقافة وسياسة إلا
يكونوا أسرع إلى السخرية وأدنى إلى الكفران.
إلا أن أصحاب الرسالات لا ينظرون إلى الأمور على ضوء الحاضر الضيق
المذكور فإن ثقتهم العميقة في سيادة فكرتهم وامتداد نطاقها تصغر العقبات المفروضة
في الطريق وتجعلها ولو كانت الشم الرواسي- هباء منثورًا. 26
ومن خلال هذا التصور فإن الدولة الإسلامية مطالبة بتبليغ دعوة الله
للناس كافة كما أن المسلمين مطالبون في أي مكان بتبليغ هذه الدعوة «فإذا منعنا من
الدعوة إلى دين الله الذي أوجب الله أن ينذر به ويبلغ جميع خلقه فقال «لأنذركم به
ومن بلغ» ما هدد الدعاة أو قتلوا أو منعوا من دخول البلاد لنشر الدعوة وتبليغ
الهداية فإنهم بمنعهم لهم يعتبرون معتدين على الدين وعلى الخلق أجمعين فعلينا أن
نقاتلهم لحماية الدعوة والدعاة لا لإكراه على الدين». 27
والخلاصة: إننا نستطيع أن نقول إن طبيعة العلاقة بين الدولة الإسلامية
وغيرها من الدول تنطلق من أهداف هذه العلاقة وأعظم هذه الأهداف هو تبليغ دعوة الله
سبحانه وتعالى للناس فإذا لم تقف الدول أمام دعوة الإسلام ولم تمنع نشرها فالعلاقة
معها هي السلم أما إذا وقفت حاجزًا دون دعوة التوحيد أو اعتدت على أرض
المسلمين وفتنتهم عن دينهم فإن الحرب هي العلاقة في هذه الحالة... فالعلاقة إذن
علاقة دعوة قبل أن تكون علاقة سلم أو حرب.
الهوامش
14 الشرع الدولي
في الإسلام- نجيب الأرمنازي- ص 151.
15 انظر آثار
الحرب في الفقه الإسلامي. د. وهبه الزحيلي- ص...
16 السياسة
الشرعية- لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 131.
17 المعاهدات-
د. محمود إبراهيم الديك ص 24.
18 تبيين
الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي ج 3 ص 241.
19 انظر تفسير
المنار- محمد رشيد رضا ج 2. ص 241.
20 من توجيهات
الإسلام- محمود شلتوت ص 93.
21 العلاقات
الدولية في الإسلام د. وهبه الزحيلي ص 120.
22 المجتمع
الإنساني في ظل الإسلام. الشيخ محمد أبو زهرة ص 141 وانظر كذلك العلاقات الدولية
في الإسلام- أبو زهرة ص 47
23 السياسة
الشرعية- عبد الوهاب خلاف ص 77.
24 الوحي
المحمدي- محمد رشيد رضا ص 212.
25 مجموعة بحوث
فقهية- د. عبد الكريم زيدان ص 60.
26 فقه السيرة-
محمد الغزالي ص 326.
27 الجهاد
المشروع في الإسلام- عبد الله بن زيد المحمود ص 21.