العنوان مفهوم الإرهاب والقراءات النشاز
الكاتب خضير جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
مشاهدات 65
نشر في العدد 1316
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
في معترك الصراع الحضاري، الذي خاضه الإسلام، إبان مواجهته الجاهلية وظلماتها، ثبت الوحي المبين مفهوم الإرهاب، ورفع لافتة التحدي في نص قرآني رصين، حين قال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: 60).
ثم عقّب بعدها بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (الأنفال: 61).
وبما يؤكد أن مواجهة أعداء الله وأعداء الحياة لا تحسم إلا بإرهابهم، وإيقاف عدوانهم، وعندها فلا إصرار على مواصلة الإرهاب بحقهم، إذا ما جنحوا للسلم ومالوا إليه، وهو ما يعني أن المفهوم القرآني للإرهاب لم يأت منقطع الصلة، أو منبت الجذور، عن المثل العليا، ولا عن أرضية الواقع وظروفه الموضوعية.
ففي الوقت الذي يؤكد فيه الإسلام على ضرورة التفيؤ تحت ظلال الرحمة، وأجنحة المحبة، ورايات السلام لا يعدم خيار انتهاج خيار آخر، بوجه من يقف عقبة في دروب السلام، ويضيق على نفسه والآخرين سبل التفاهم والوئام، ويوصد كل أبوابها فلا يبقى منها إلا إنفاق العدوان، ودهاليز العنف، ليتعاطاه مع المؤمنين، وعندها لا مناص من إيقاف عدوانه، حتى يجنح للسلم، ويذعن للحق والحقيقة، وإلا فالإرهاب ليس هواية يمارسها المؤمنون، ولا هو الخيار الوحيد، في فض النزاعات مع خصوصهم من بني البشر، وإنما هو سلاح مشروع في أكف جحافل التوحيد، وفرسان الهدى، لمواجهة التمرد، والتعسف، والعدوان، والتاريخ الإسلامي وأخلاقية جيوش الفتح الإسلامي وقادتهم، شواهد شاخصة للتدليل على هذه الحقيقة.
إن أسلحة المسلمين عبر التاريخ لم تكن لتطول أعزل أو ضعيفًا، أو شيخًا آمنًا، ولم تستهدف إنسانًا بريئًا مسالمًا، وإنما حدد الإسلام أهدافه، وحصرها بأعداء الله، وأعداء المؤمنين، وحتى هؤلاء الأعداء لا يبدؤهم بقتال، ولا يغلق بوجههم سبل الحوار، ليحصرهم في زوايا حرجة لا يجدون منها مخرجًا، ولكنهم حينما يمعنون في الأذى والعدوان، ويصرون على معاداة الله ورسوله والمؤمنين، عندها لا يجد بُدًّا من مواجهتهم، بما يفزع قلوبهم، وينزع منهم أسلحة الدمار، لأن إرعابهم وإرهابهم في هذه الحالة، ضرورة لرد العدوان، وقمع أهله، وإبطال أسلحته، نشرًا للسلم، وتعميمًا للأمن، وتوفيرًا للأمان.
وتأسيًا على ذلك يكون إرعاب أعداء الله إجراءً وقائيًّا، لصد أعداء الإنسانية والخير والمحبة والجمال والكمال، ولأن أعداء الله هم أعداء القيم الخيرة، وقطاع طرق الكمال، فلا يكون إرهابهم إلا انتصارًا للحياة الحرة الكريمة التي يريدها الإسلام لعباد الله أجمعين.
وقد شهدت السنوات الأخيرة حملة استكبارية شرسة ضد هذا المفهوم القرآني ومعانيه الإيجابية، وذلك في مسعى خبيث، من قبل الدوائر الظلامية، لإجراء عمليات غسيل للأدمغة والعقول، ولتصيّر منه -فيما بعد- سلاحا تشهره بوجه الباحثين عن النور، والمدافعين عن الحق والحقيقة والقيم، حتى باتت تهمة الإرهاب، وكأنها لصيقة بحركات التحرر، وسمة مميزة للإسلاميين أفرادًا، وشعوبًا، وحكومات، وحركات، وقد لعب الإعلام المضلل دورًا قذرًا في قلب الحقائق وتزويرها.
لقد قرأ أعداء الإسلام مفهوم الإرهاب بالمقلوب، وتعاملوا مع الإسلاميين، وفق هذه الرؤية المقلوبة، والمغالطات الوقحة، من خلال التكثيف الإعلامي والسياسي، ضد ما نعتوه بالإرهاب، ومن أسموهم بالإرهابيين ظلمًا، وسعوا جاهدين إلى محاصرة من يرفض طغيانهم بهذه التهمة؛ إذ لا يلمزون بها غير الإسلام وأهله، والملتزمين بقيمه، وحملة أفكاره، والداعين لمشروعه الحضاري البديل؛ الأمر الذي اضطر بعض الإسلاميين إلى التواري خلف أستار التقية، وأبواب النكوص، متنصلين عن كل دفاع مشروع، خشية أن تلاحقهم تهمة الإرهاب الموجبة لأشد أنواع العقاب، وبذلك يكون المستكبرون قد حققوا بعض ما يهدفون إليه، من خلال تناولهم لقيم الإسلام، وقراءة تعاليمه عبر نظارات مصالحهم الداكنة، ليضعوا ما لا يروق لهم من تشريعاته في قفص اتهامهم، في محاولة لمحاصرة الفكر الإسلامي ومقولاته، والتضييق على حملة مشاعل نوره، ودفعهم باتجاه التبرؤ منها، بعد أن لم تعد مقتصرة على تهمة الإرهاب وإنما اتسعت قائمة الاتهام لتشمل مفردات أخرى كالرجعية والأصولية، والشمولية، وانتهاك حقوق الإنسان، وقد تأتي على آخر أفكارنا السامية، وعناصر القوة في حضارتنا؛ الأمر الذي يدعونا جميعًا للتعامل الحذر، والواعي مع مثل هذه الموجات الإعلامية الماكرة، كي لا نغير نظرتنا -تحت طائلة الضغوط- إزاء المفاهيم القرآنية الأصيلة، وألا نلجأ إلى إبراء ساحتنا من تهم كهذه بالتنصل عما هو أصيل جليل، من مفردات الحضارة الإسلامية، فالأصولية حين تعني العودة إلى الأصول، التي بشر بها الوحي المبين تهمة لا ننفيها، وشرف عظيم لا نتخلى عنه والإرهاب الذي أمر الله بتهيئة أسبابه سلاح فعال بأيدينا لا مبرر لخلعه، ما دام دفاعًا عن الحياة، والحرية، والإنسان، والقيم الفاضلة.
إن المستكبرين الطغاة حينما يرهبون العالم كله، بما يمتلكون من أسلحة الدمار الشامل، ويهددون الأحياء والحياة بالقضاء عليها وعليهم لا يسمون عدوانهم هذا إرهابًا، أما حين تتعالى صيحات الضحايا، وصرخات القرابين، تحت سكاكين غدرهم، فهذا هو الإرهاب بعينه -وفق قواميسهم- وعندها تقوم الدنيا ولا تقعد، لأن تلك الصيحات، وهذه الصرخات ترهب من يتلذذ بذبح الضحايا، وتفسد عليه لذة الذبح، ونشوة الانتقام وحين يستخدمون كل أسلحة العدوان لمحاصرة الشعوب، فإنهم يحكّمون بذلك ضوابط الشرعية الدولية التي لا بد منها، لضبط إيقاعات الضحايا، وفق معزوفة القانون الدولي ونوتاته، التي أباحت للصهاينة وللمرتبطين بعجلات المصالح الاستكبارية أن يفعلوا ما يشاءون، باعتبارهم عازفين على سمفونية النظام الدولي الجديد.
وهكذا تضيع الحقوق، وتنقلب المعايير، في عالم يفتقد فيه الكبار إلى أبسط معاني الإنسانية، ويفتقرون فيه إلى ألف باء الأخلاق، ولذلك فلا سبيل لصد طوفان طغيانهم إلا الصمود أمام موجهات الإعلام المضلل، وبالتصدي لكل المخططات التي تستهدف الوجود، والقيم، والفضائل، وفي غيرها فلن يتركنا أعداء الله إلا ونحن جثث هامدة، لا حركة فيها، ولا حياة، ولا روح.
(*) أستاذ أكاديمي- جامعة طهران.