العنوان مقابلة مجلة «المجتمع» مع الأستاذ عمر التلمساني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1982
مشاهدات 55
نشر في العدد 562
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 23-فبراير-1982
لو كانت معارضتي هينة لينة لما وضعني السادات في سجن انفرادي دون الآخرين، ولما حمل عليَّ في كثيرٍ من خطبه.. ولما هاجمني وصادر صحيفتي.
إن حسن البنا لم يعد جهازًا سريًا لمقاتلة الناس.. بل لمقاتلة اليهود والاستعمار وأعوانه.
بذل السادات محاولات شتى لتطويع معارضتنا.. وحاول شخصيًا إدخالي مجلس الشورى لكننا كنَّا واعين لهذا المخطط.
إن الحكام في غاية السوء.. ولكن ما العمل؟ لا بد من معالجة الأمور بالحكمة والرؤية فقط.
عندما ألتقي بشيوعي يصلي خلفي الجماعة والجمعة، لا أستطيع أن اشتمه وأقول عنه كافر.
لقد كانت معارضتنا موضوعية لم نتهم، ولم نشتم.
لا أريد أن أصدر رأيًا عن الرئيس الحالي.
نحن لا يعنينا من يحكم؟.. بل .... بِمَ يحكم؟.
لا يمكن.. لا يمكن.. لا يمكن أن أبايع أحدًا لا يحكم بكتاب الله.
المعتقلون ما زالوا بالمئات في أقبية السجون المصرية.
إن أهم مشكلة سياسية بيني وبين السادات هي المعاهدة.
لماذا لا أخاطب خصمي بلغة مهذبة؟
سأظل أعارض معاهدة "السادات" إلى أن ألقى الله تعالى
فتاوي مشايخ السلطة سببٌ من أسباب العنف.
أعتقد أن هناك من يخالفني من الإخوان.
الأستاذ عمر التلمساني أحد قيادات الإخوان المسلمين في مصر. ومن أقطابهم في العالم.. رجل قارب الثمانين من عمره.. وحفرت التجاعيد على وجهه تجارب السنين وممارسات الحياة وتاريخ الإخوان.. عرف بالصلابة والقوة داخل السجون.. ولم يلن قطٌ لإرهاب وتهديد.. انضم إلى الإخوان في منتصف الثلاثينيات وكان ضمن مكتب الإرشاد الذي يقود الجماعة في عهد المرشد السابق حسن الهضيبي.. ظل في السجون منذ بداية حكم عبد الناصر حتى بداية عهد السادات.. وفي حارة المليجي القديمة.. وفي زقاق ضيق اسمه شارع القبيسي.. تقع العمارة التي يسكن فيها الأستاذ عمر.. عمارة قد تقارب عمر الأستاذ التلمساني.. وفي شقته المتواضعة.. كل شيء متواضع.. وكل ركن يوحي بالزهد والتعفف عن رغائب الدنيا.. في تلك الشقة دارت هذه المناقشة:-
المجتمع:- أستاذ عمر.. تعرض الإخوان المسلمون لسلسلة إجراءات بوليسية قمعية قبل وبعد مقتل السادات فهل سلسلة الإجراءات هذه لها علاقة باغتيال السادات؟
التلمساني:- صرح رئيس الجمهورية الحالي للصحف أن الإخوان المسلمين بعيدون كل البعد عن حادث اغتيال السادات.. وهذا يكفي.
المجتمع:- هل كانت لكم علاقات أو اتصالات في التنظيمات الإسلامية الأخرى التي قتلت السادات؟
التلمساني:- لقد كنت محبوسًا منذ ٣ سبتمبر إلى ١٢ نوفمبر حبسًا انفراديًا دون سائر المعتقلين، وكنت الوحيد الذي وضع في حبس انفرادي.. ولم أكن أعلم شيئًا عن العالم الخارجي، حتى اغتيال السادات لم أعلم به إلا من المسؤولين في إدارة السجون عندما كانوا يتناقلون الخبر في أروقة السجن.
المجتمع:- وهل هناك بقية باقية في السجن من الإخوان؟
التلمساني: الذين تحفظ عليهم من كبار الإخوان يقارب عددهم الخمسين.. أما الذين اعتقلوا من الإخوان في ظل قانون الطوارئ فهم بالمئات... والحمد لله لقد خرج معظم الإخوان المتحفظ عليهم، ولم يبق إلا أعدادٌ بسيطةٌ.. أما المعتقلون فما زالوا بالمئات في أقبية السجون.
المجتمع:- هل وعدتك القيادات السياسية في مصر بالإفراج عنهم أو شيء من ذلك؟
التلمساني: لم أتصل بأي مسؤول من المسؤولين في مصر.. ولكنهم صرحوا في الصحف أنه لم يبق في السجون إلا من ثبتت عليه إدانة بأدلة واضحة.
المجتمع:- لماذا اعتقلك السادات في الآونة الأخيرة؟
التلمساني:- في تقديري أن أهم مشكلة سياسية بيني وبين السادات هي معاهدته مع إسرائيل، وخطواته في تحقيق هذه المعاهدة.. كان يريد أن يقول معه المصريون إنها معاهدةٌ سلامٌ عادلٌ وإنهم جميعًا رضوان عنها.. ولكن الحقيقة غير ذلك.. ورغم ذلك فلم يكن في مصر من يعارض هذه المعاهدة علنًا وفي الصحف إلا الإخوان المسلمين.. ولقد بذلت محاولات شتى لتطويع معارضتنا.. وحاول السادات شخصيًا إدخالي في مجلس الشورى.. وغيره.. وغيره.. ولكننا كنا واعين لهذا المخطط.. ولقد كانت معارضتنا موضوعية لم نشتم ولم نتهم ولم نتشنج..
المجتمع:- ولكن كثير من الإسلاميين وغيرهم يقولون إن معارضتك كانت لينة حرصًا منك على عدم اقتحام الدعاة في صراع دموي مع السلطة.. ولكن رغم كل هذا -كما يقولون- وصلت- وأنت الداعية إلى التروي والتعقل -إلى نفس النتيجة القمعية التي وصل إليها دعاة القوة.. فلقد اعتقلت، وقتل كمال السنانيري وزج بإخوانك في السجون فما رأيك؟
التلمساني:- كتب أحد الصحفيين عندكم في الكويت يقول إن التلمساني يؤيد السادات تأييدًا مقنعًا.. وقال آخر لي إنك تعارض السادات على استحياء.. ولكنني ملتزمٌ بالخلق الإسلامي.. ما أمرنا أن نشتم إنسانًا أو نهاجم إنسانًا.. وقد قال لنا الرسول صلى الله عليه وسلم «إن الدين النصيحة»، ولم يكن في ذهني المعارضة اللينة أو الصلبة بل كان في ذهني أدب الإسلام وأسلوبه في الدعوة ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
وفي موضع آخر ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
أنني أعارض من أجل الإسلام.. والأحزاب تعارض من أجل إزاحة الحاكم من كرسيه والاستيلاء عليه، وهذا فرق مهم بيننا وبين غيرنا.. نحن لا يعنينا من يحكم؟ بل بِمَ يحكم؟.. فلو كان عبدًا حبشيًّا يحكم بكتاب الله لاتبعناه... والذين يصفون معارضتي بالليونة لهم ما يشاءون... وأنا أعمل بقناعتي ولو كانت معارضتي هينة لينة على السلطة لما وضعني السادات في سجن انفرادي، ولما حمل عليَّ في كثير من خطبه ومواقفه، ولما هاجمني ولما صادر صحيفتي....
المجتمع:- معذرة.. نحن نختلف معك في طبيعة المعارضة الإسلامية.. فالإسلام يهاجم بعنف وحدة رؤوس الكفر كأبي لهب وأبي جهل وفرعون وهامان والنمرود.. لقد قال الله تعالى عن أبي لهب: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: ١).
وهاجم امرأته فقال عنها: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ (المسد: ٤- ٥).
كما قال الله تعالى عن أبي جهل: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾ (القلم: ١١- ١٢- ١٣).
وقد عرض الكفار هدنة على الرسول كفلوا له فيها حرية الدعوة، واشترطوا عليه فقط الكف عن شتم آلهتهم وفضح مخالفاتهم، ورفض الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الهدنة لأنها كانت تعني التخلي عن المنهج القرآني.. كما جعل الرسول مجاهدة الحكام باللسان نوع من الجهاد لقد قال: « ثُمَّ إنَّها تَخْلُفُ مِن بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يقولونَ ما لا يَفْعَلُونَ، ويَفْعَلُونَ ما لا يُؤْمَرُونَ، فمَن جاهَدَهُمْ بيَدِهِ فَهو مُؤْمِنٌ، ومَن جاهَدَهُمْ بلِسانِهِ فَهو مُؤْمِنٌ، ومَن جاهَدَهُمْ بقَلْبِهِ فَهو مُؤْمِنٌ، وليسَ وراءَ ذلكَ مِنَ الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ.» وهذا ما رواه مسلم.. فكيف نوفق بين هذا وبين فهمك لأسلوب معارضتك؟
التلمساني:- إن التوجيه القرآني العام لأسلوب الدعوة هو ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: ١٢٥).
أما النصوص التي ذكرتها فهي حالات خاصة ولأناس معينين.. أما عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الحديث يرتب مراحل مقاومة المنكر فما لا تستطيع تغييره وإصلاحه بيدك، بينما تستطيع أن تغيره بلسانك فأنت آثم إن لم تغير بلسانك.. وما لا تستطيع تغييره وإصلاحه بلسانك فلا بد أن تغيره بقلبك.. معنى هذا أنه سيأتي زمان على المسلمين لا يستطيعون إنكار المنكر لا بأيديهم ولا بألسنتهم فينكرونه بقلبهم وهذا أضعف الإيمان.. وهذا هو الفهم الصحيح للحديث الذي يجب أن يفهمه الشباب.. فالقضية ليست قضية عنف وقوة.. الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في المسجد الحرام ولم يستطيع تغيير (٣٦٠) صنم في الكعبة.. وهدمها عندما أسس الدولة وفتح مكة... فهل سجود الرسول في الكعبة والأصنام فيها اعتراف وإقرار بالأصنام؟ لا طبعًا...
المجتمع:- أستاذ عمر.. التوجيه القرآني العام لأسلوب دعوة عامة الناس هو ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: ١٢٥).
ولكن التوجيه القرآني العام والمنهج النبوي لأسلوب دعوة المتكبرين والجبارين من الحكام والوجهاء هو ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ فما رأيك؟
التلمساني:- الذي أعرفه أن الرسول كان يقول ويدعو «اللهم أنصر الإسلام بأحد العمرين» في الوقت الذي كانا فيه عمر بن الخطاب وأبو جهل أشد أعداء الإسلام..
إن المنهاج العام في الإسلام ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٥٦).
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٩٩).
﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩)
لابد للشباب أن يتذكر هذه الآيات..
المجتمع:- إذن على ماذا استند الشباب الذين اغتالوا السادات؟
التلمساني:- أولًا: يجب أن يكون مستقرًا في الأذهان أن الإسلام لا يقر الاغتيال.. أما ما يخص الشباب الذين اغتالوا السادات فإنني استنكر الحملة الصحفية المصرية ضدهم واتهامهم بالإرهاب والتخريب.. كان من الأجدر والأولى أن يتعرضوا لدوافع العملية وأسبابها؟ فالعاقل يبحث عن السبب ويشخص الحالة تشخيصًا كاملًا صادقًا دقيقًا، ثم يفكر بعد ذلك في وسائل العلاج.
المجتمع:- طالمًا أن الصحيح أن يفكر المرء أولًا بالسبب.. فما سبب العملية ودوافعها في نظرك؟
التلمساني:- لا أعلم عن دوافعهم شيئًا.. فإنني لم اختلط بهم ولا أدري ما الذي حملهم على ذلك؟
المجتمع:- إذن دعني أناقشك في موضوع الاغتيال السياسي.. كيف لا يقره الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم دفع بعض الصحابة لعمليات اغتيال بعض المشركين واليهود؟ كاليهودي كعب بن الأشرف وغيره.. فما رأيك؟
التلمساني:- لقد رفض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عرض الشباب باغتيال المشركين في مكة، أما في المدينة فلم يأمر الرسول باغتيال أحد غير كعب بن الأشرف وهذه هي الحادثة الوحيدة.. وما عُرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ذلك، فقد اعترض على أسامة بن زيد عندما قتل في المعركة أحد المشركين الذين نطقوا بالشهادة، وقد غضب غضبًا شديدًا..
المجتمع:- هناك حوادث أخرى... وعلى افتراض أنها الحادثة الوحيدة ألا يصح أن تصبح دليلًا على جواز الاغتيال السياسي لمن يخون دينه وأمته ووطنه؟
التلمساني:- لا أظن ذلك.
المجتمع:- معارضتك لاستخدام القوة أمام الأنظمة القمعية التي تصد عن سبيل الله، ولا يجدي معها النصح، تعارض خط حسن البنا الذي يؤيد استخدام القوة في وجه الطغاة الذين يحاربون الإسلام.. وهذا ما تؤكده رسائله.. وقولته المشهورة: «منهجنا النصح والإرشاد، وأن لم ينفع فالقلع والإبعاد» فما رأيك؟
التلمساني:- هذا القول شبيه بأسلوب «لا تقربوا الصلاة» إن حسن البنا أصدر بيانًا بعنوان «بيان للناس» عند مقتل النقراشي يبين أمورًا تطمئن الساسة وتخفف من حدة غضب السلطة.. وعندما جاء الهضيبي من بعده لم يصطدم بالملك بل قال عنه: «زيارة كريمة لملك كريم».. ولا أظن أن هذين القائدين انحرفا عن خط الدعوة بل أيقنوا بإيمان وثيق أن لا بد تجنيب الدعوة مخاطر تهددها...
فالقول... بأن حسن البنا كان يقر الاغتيال السياسي بعيد كل البعد عن الحقيقة.. وإذا كان البعض يتشكك من هذا لوجود التنظيم السري المسلح عن الإخوان فذاك كان معدًا لمواجهة الاستعمار الإنجليزي المحتل لمصر والاستعمار اليهودي المستولي على فلسطين، إن حسن البنا لم يعد جهازًا سريًا لمواجهة الناس ومقاتلتهم هذا ليس أسلوب حسن البنا.
المجتمع:- إذن كيف نفهم عبارة «القلع والإبعاد» أو ما ورد في رسائله من قبوله لاستخدام القوة لتحقيق الإسلام؟
التلمساني:- الإمام البنا في تلك الأقوال والتصريحات يريد أن يكون رأيًا إسلاميًا في البلد، ولو كان يريد استخدام القوة لكان في استطاعته، فلقد كانت لديه قوة لم تتوفر لبقية الأحزاب.. إنه يريد أن يصنع رأيًا عامًا فعالًا يغير الأحداث وليس رأيًا خاصًا أو قرارًا فرديًا.
المجتمع : ولكن الإخوان يفسرون هذا القول تفسيرًا يتمثل في تأييدهم للجهاد في الشام والجهاد في أفغانستان ضد الأنظمة القمعية.. وأظن أنك تؤيدهم.. فما رأيك؟
التلمساني: الإخوان في تلك الديار يدافعون عن أنفسهم لأنهم هوجموا بالسلاح.. فهم يدافعون عن أنفسهم ضد عدو كافر..
المجتمع: ولكنكم هوجمتم واعتقلتم وزج بكم في السجون..
التلمساني: ليس كالصورة التي عليها تلك الديار.
المجتمع: أستاذ عمر.. ألا ترى أن دم الشهيد كمال السنانيري لم يجف بعد... وأنه استشهد من أجل ألا يقول كلمة يسترضي بها طاغية لتستثمر لصالح الطغيان فما قولكم؟
التلمساني: حتى تنكشف الحقائق نصدر حكمًا بهذا.
المجتمع: هل حقًا أنك قلت إنك تبايع حسني مبارك على طول الخط؟
التلمساني: أعوذ بالله ..كيف تصدق مثل هذا الأمر؟ إنها إساءة ظن.. إنني لا أبايع إلا من يمضي ويحكم بكتاب الله وسنة نبيه ويقيم الحكم الراشد.. ولكنني قلت إننا نؤيد حسني مبارك في الإفراج عن المعتقلين، ونحن نؤيد قراره هذا على طول الخط.. لا يمكن ..لا يمكن ..لا يمكن أن أبايع أحدًا لا يحكم بكتاب الله...
المجتمع: أستاذ عمر.. ألا ترى أن حسني مبارك يقوم بخطوات مشابهة لخطوات سلفه في بداية حكمه.. وإنه عندما يقوى ويشتد عوده سيعود لضرب الحركة الإسلامية كما فعل سلفه؟
التلمساني:- لا أريد أن أصدر رأيًا عن الرئيس الحالي.. ولا أريد أن أتوقع منه الشر.. يجب أن نتروى.. وعندما نرى خطأ فسنقول هذا خطأ، وعندما نرى صوابًا فسنقول هذا صواب...
المجتمع:- في مقابلتك مع مجلة «المصور» فُهِم منك أنك عرضت بالمودودي وسيد رحمهما الله ..هل هذا صحيح؟
التلمساني: غير صحيح... لقد قلت أن الأستاذ المودودي إذا اعتمد على قدراته الفكرية وذكائه فلا يوجد من يجاريه ويباريه، ولكن عندما يتعرض للاستنباط وتفسير الآية والحديث فلا يكون بمستواه الآخر، وربما لعدم معرفته باللغة العربية.
المجتمع: نشرت مجلة «المجلة» أنك قلت: إن كل العتب على أمريكا هو أنها تقف بجانب إسرائيل.. أولًا هل هذا حقًا هو كل العتب؟ ثانيًا: هل بيننا وبين أمريكا عتاب أم عداء؟
التلمساني: أنت كصحفي ألم تتبع ما كتبناه عشرات المرات في مجلة الدعوة ضد الشرق والغرب؟ وأنهم مجتمعون على ضرب الحركة الإسلامية وخاصة الإخوان المسلمين. لقد قلت وما أزال: إن أمريكا والغرب والشرق يقاومون الدعوة الإسلامية. وعندما استخدمت كلمة العتاب في حديثي الصحفي أردت الترفع عن أساليب الشتم والهجوم .. لماذا لا أخاطب خصمي بلغة مهذبة ولو كان خصمي في منتهى السفالة؟ فلا بد أن أكون في منتهى الكمال.. وعندما عتبت على أمريكا لوقوفها بجانب إسرائيل؛ ذلك لأنني اعتبرت وقوفها نوعٌ من مقاومة أمريكا للدعوة الإسلامية.
المجتمع:- ذكرت في مقابلتك مع «المصور» أن لكل من اليساريين أصدقاء تحترمهم ..هل هذا يؤدي في المستقبل أن بالإمكان التعاون مع اليسار في جبهة وطنية واحدة؟
التلمساني: الآن ليس مجال الحديث عن تكوين جبهات ضد أحد.. ولكن بالنسبة لاحترامي لبعض شخصيات اليسار فهذا أدب الإسلام.. فأنا عرفت منهم أناسًا على أدب وخلق جم، وهذا لابد أن اعترف به كمسلم.. والرسول صلى الله عليه وسلم كان أكثر العالمين أدبًا مع المشركين واليهود، فأنا عندما ألتقي مع شيوعي يصلي خلفي جماعة ويصلي الجمعة لا أستطيع أن اشتمه وأقول له أنت كافر.. ما أمرنا بهذا...
المجتمع-: إذا عرض على الإخوان المشاركة في الحكم لإصلاح الأوضاع فهل تشارك؟
التلمساني:- لا أشارك في الحكم قبل أن يطبق هذا الحاكم كتاب الله تطبيقًا عمليًا.. المجتمع: هل ستظل تعارض المعاهدة الاستسلامية التي وقعها السادات؟
التلمساني: إلى أن ألقى الله ..وأقول إنها معاهدة لا تتفق مع شرع الله تعالى.
المجتمع: أستاذ عمر.. ألا ترى أنك من جيل عريق، وتقسو كثيرًا على جيل الشباب وتصفهم بالاندفاع؟
التلمساني: قد أقسوا على من أحب... والله يعلم أنني أراهم أمل الدعوة وثمرة الجهد.. وإنني أجنب هذه الثمرة المخاطر حسب اجتهادي.. وقد أكون مصيبًا وقد أكون مخطئًا.. ولكنني لا بد أن أقول ما أراه صوابًا، ويوم أن اكتشف أنني على خطأ أعدل عن رأيي.. إنني أريد المحافظة على الشباب، وأن أجنبهم فتن السجن والاضطهاد... أريد حماستهم متعقلة وإيمانهم مثمر، وألا أعطي للخصوم فرصة للنيل منهم... إن الدعوة لا تقوم إلا بالشباب ..ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم قامت بالشباب... فهم الأمل وهم عماد الدعوة.. لذا يجب أن نصرفهم عن العنف والكسر والصياح.. وإنني أقدر دوافعهم.. فالذي أمامهم لا يمكن السكوت عليه.. إن الحكام في غاية السوء.. ولكن ما العمل؟ لا بد من معالجة الأمور بالحكمة والروية فقط.
المجتمع: ما رأيك في مستقبل الحركة الإسلامية في مصر؟
التلمساني: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: ٤٩).
..إن كل الشباب الذي يقال عنه منحرف هم شبابٌ مؤمنٌ بعمق، ولكن بعضهم مضلل لم يدرس الإسلام بتوسع فأخطأ الطريق... إنهم طاهرون مؤمنون ويريدون خدمة الإسلام.. إن أملي بمستقبل الإسلام أملٌ كبيرٌ؛ لأنه وعد من الله سبحانه والله لا يخلف وعده أبدًا.
المجتمع: أنت اعتبرت الشباب مضللًا، ولم تتحدث عن ضلال الفتاوى التي يصدرها مشايخ السلطة.
التلمساني : أنا دائمًا أقول: إنه بجانب استنكار العنف لا بد من البحث عن الأسباب التي دفعت إلى العنف.. وهذا سببٌ من أسباب العنف.
المجتمع: أستاذ عمر.. ألا ترى أن كثيرًا من الإخوان يخالفونك في بعض تصريحاتك؟
التلمساني: أعتقد ذلك طبعًا.
المجتمع: نشكر الأستاذ عمر التلمساني على هذه المناقشة الممتعة... ونسأل الله أن يلهمه الصواب.. وأن يجعله من الشهداء الأبرار.
رأي الإمام حسن البنا في استخدام القوة
الإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أولًا، وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضا وارتياح -وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دام على هذا المنوال، ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل فسيؤدي ذلك حتمًا إلى ثورة، ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح، وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيرًا من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال.
رسالة المؤتمر الخامس
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل