العنوان مقاصد الشريعة في نظام الوقف (٧)
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 28-فبراير-2009
مشاهدات 60
نشر في العدد 1841
نشر في الصفحة 66
السبت 28-فبراير-2009
إذا دققنا النظر في السجل التاريخي لنظام الوقف الذي عرفته مجتمعاتنا منذ فجر الإسلام سيتضح أنه كان نظامًا متكامل الأركان الإدارية والتشريعية، والوظيفية، وكان موظفًا بكامل أركانه في خدمة تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية، وهي بدورها كانت موظفة لتحقيق رسالة الإسلام للإنسانية كلها. وكان نظام الوقف أيضًا قاعدة مادية ومعنوية لبناء كثير من مؤسسات المجتمع المدني ودعم سياسات التنمية الدائمة؛ وذلك على امتداد مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
وبالرجوع إلى تراث الوقف الفقهي وسجله التاريخي يتضح كذلك أن فعاليات الوقف قد غطت مختلف المجالات العلمية والتعليمية والصحية والخدمية، وحتى الترفيهية، والذي لا يقل أهمية عن هذا وذاك هو أن التجارب التاريخية أثبتت أيضًا أن نظام الوقف كان أحد الابتكارات المؤسسية الإسلامية التي جسدت الشعور الفردي بالمسئولية الجماعية، ونقلت هذا الشعور من المستوى الفردي الخاص إلى المستوى الجماعي العام. وذلك بملء الإرادة الحرة للمحسنين وفاعلي الخير من أبناء الأمة.
إذا رجعنا إلى الشاطبي مؤسس علم المقاصد، سنجد أنه قد أكد على أن المصالح المعتبرة هي مقاصد الشريعة، أو هي مضمون هذه المقاصد دنيوية كانت أو أخروية كلية تتعلق بمصالح الجماعة أو ببعض فئاتها، أو جزئية تتعلق بأفرادها أو ببعضهم. وأن لكل مصلحة أو مقصد وسيلة أو وسائل لتحقيقه.
والمقاصد الشرعية هي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، أما الوسائل فهي الطرق المفضية إليها، أو هي الأحكام التي شرعت لأن بها تحصيل أحكام أخرى... إذ بدونها قد لا يحصل المقصد، أو يحصل معرضًا للاختلال والانحلال.
ومن هذا يتين بجلاء أن الوقف - وسائر عقود التبرعات هي من وسائل المصالح (المقاصد)، الضروري منه والحاجي والتحسيني، ومن هنا كان تعلقه بنظرية المقاصد، ومن هنا أيضًا تلقته الأمة بالقبول وانتشر العمل به في مختلف الأقطار والأمصار بالرغم من أن التوجيه الشرعي الخاص به قد جاء على سبيل الندب وليس على سبيل الوجوب أو الفرض.
وما كان هذا القبول وذلك الانتشار إلا أثرًا من آثار تعلقه بمقاصد الشريعة السمحة، ولعلنا نزيد فنقول إن قوة الوقف وفاعليته ارتبطت بنضح الوعي الاجتماعي بالمقاصد الإنسانية للشريعة، فكان ازدهاره مؤشرًا على مراعاة تلك المقاصد وما تتضمنه من مصالح، والعكس كان بالعكس.
إن الأفق الطبيعي والواسع الذي تفتحه نظرية المقاصد أمام نظام الوقف الإسلامي هو أفق ما يسمى المجتمع المدني على المستويين المحلي والعالمي، وما يتعلق بذلك من مهمات تنموية وعمرانية، وستجد كلما أرسلنا النظر إلى أبعاد هذا الأفق أن النزعة الإنسانية العميقة الكامنة في نظام الوقف ومنظومة العمل الخيري المستندة إلى أصول الشريعة ومقاصدها هي ما تسعى إليه نظرية المجتمع المدني المحلي والعالمي، أو هي ما يجب أن تسعى إليه في تجلياتها المعاصرة على المستوى المعرفي أو الفلسفي على الأقل، وستجد أيضًا أن بالإمكان أن تسهم في بلورة هذه النظرية بإظهار الأبعاد الإنسانية في النظم الإسلامية، ومنها الوقف ومنظومة العمل الخيري ومقاصدها الشرعية وذلك إذا أعدنا فهم نظرية مقاصد الشريعة، وسعينا لربطها بالواقع وتغذية الوعي بها، والالتزام بتوجيهاتها في التشريعات، وفي المشروعات والبرامج وفي بناء الأولويات ورسم السياسات حيث أن مقاصد الشريعة مبنية على الفطرة الإنسانية، وهدفها العام هو حفظ نظام العالم واستدامة صلاحه بصلاح الإنسان.
وعلينا أن نجتهد ونبذل كل ما في وسعنا للكشف عن المعاني المدنية والإنسانية العميقة لنظرية المقاصد العامة للشريعة، وأن نتخذها أساسا نيني عليه وتنطلق منه في عملية تأسيس علومنا الاجتماعية المعاصرة، ولا بأس أن نقوم أثناء هذه العملية بكسر بعض المفاهيم المغلقة، وفتح آفاق جديدة لإعادة قراءة كثير من النظريات الموروثة، وإلا ستظل حبيسة أزمنة مضت، وأسيرة الفاظ وتعبيرات تغيرت بتغير أحوال المجتمع ليس فقط على المستوى المحلي أو القطري، وإنما أيضًا على المستوى العالمي، وإذا كان هدف المقاصد هو حفظ نظام العالم واستدامة صلاحه بصلاح الإنسان، فإن مقاصد الشريعة لا يمكن أن تبلغ كمال تحققها إلا على مستوى عالمي، وإن موضوع المجتمع المدني على المستويين المحلي والعالمي، هو أحد الموضوعات التي تتجلى فيها مقاصد الشريعة بكل أبعادها المدنية والإنسانية.