; مقاصد الهدم في «مسلسلاتهم» | مجلة المجتمع

العنوان مقاصد الهدم في «مسلسلاتهم»

الكاتب المهدي المغربي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1989

مشاهدات 72

نشر في العدد 908

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 14-مارس-1989

  • القتل في المسلسلات البوليسية مجرد لعبة يتنافس فيها الجناة والمحققون، وهي خالية من أي نبض عاطفي أو قيمة أخلاقية.

يواصل التلفزيون الكويتي عرض مسلسل «جيك والرجل البدين» الذي يشد الكثير من المشاهدين؛ لما تمتاز به لغته من سخرية ممزوجة بالتحدي واللعب بالأعصاب، كما يواصل عرض الكثير من المسلسلات والأفلام الغربية على القناة الثانية، ومن يتابع هذه الأفلام والمسلسلات لا بد أن ينتبه إلى المفاهيم الغربية عن مجتمعنا، التي تحاول تلك الأفلام والمسلسلات تسريبها وغرسها في أذهاننا، كما أنه لا بد أن تصدمه بعض الجمل الموحية والمواقف النابية، وأحيانًا تطفو مقاصد الهدم على السطح فتأتي مباشرة جلية، لا يمكن أن تخفى على أي مشاهد. 

  • نقل التفسخ والانحراف:

 مقاصد الهدم أكثر من أن تحصى، منها ما يظهر على مستوى السيناريو والحوار، ومنها ما يظهر على مستوى المشاهد واللقطات الموحية، ومنها ما يظهر على مستوى الأحداث وتعاقبها، ومنها ما هو مباشر، ومنها ما هو مدسوس وغير مباشر، ولكنه يفعل فعله، ومحصلة هذه المقاصد الخبيثة جعل كل المجتمعات على شاكلة المجتمع الأمريكي المتفسخ، ونقل مفاهيمه وقيمه المنحرفة إلى عقول المشاهدين، خاصة منهم الجيل الصاعد، وما يسعد له المشرفون على صناعة الأفلام والمسلسلات الهدامة أن يروا الأجيال المسلمة بالذات وهي تتحول شيئًا فشيئًا عن قيمها السامية، وأخلاقها الحميدة، وطريقها المستقيم الذي رسمته الرسالات السماوية، غايتهم أن يتيه هؤلاء الشباب، ويضيعوا وهم في ديارهم، وأن يشعروا بالتمزق، وأن يعيشوا حالة صراع يهدم ولا يبني، ويغوص بهم في الأوحال، ويغرقهم في الحيرة، والشك إنها سياسة خبيثة تبدأ من حيث انتهى الاستعمار، ولكنها تحقق عبر الصورة والصوت والكلمة الخبيئة أكثر مما حقق الجندي الاستعماري على المدى القصير والبعيد، ولو أخذنا أي فيلم هوليودي أو مسلسل أمريكي عمومًا، ودرسناه بتأن لتبينت لنا مقاصد الهدم فيه، ووضحت لنا غايات تجار السينما، هذه السينما التي أصبحت أشبه بالمخدر الذي تعودت عليه عيوننا وأذهاننا، ولم نعد نصبر عليه طويلًا.

  • القتل جزء من البزنس:

 لنأخذ مثلًا المسلسل المعروف «جيك والرجل البدين» وهو مسلسل بوليسي يعتمد على شخصيتين رئيسيتين، رئيس قسم المباحث وهو الرجل البدين المدعو «ج. ال ماكييب»، ومساعده المدعو «جيك» وهو شاب وسيم، وحلقات هذا المسلسل عبارة عن قصص منفصلة لا يربط بينها سوى عنصر الجريمة التي يحقق في ملابساتها الثنائي «جيك» «والرجل البدين»، فمن حيث الموضوع لا نجد سوى الإجرام من أعلى درجة أي القتل المتعمد، وبرودة دم، وإخفاء الجريمة ومعالمها، وتدور حول هذا الموضوع الرئيسي مواضيع ثانوية تعكس تحلل المجتمع الأمريكي وماديته، وغلبة العنف، مثل: الابتزاز، والتحايل، والقمار، والتعامل بالرشاوى الذي صار جزءًا لا يتجزأ مما يسمونه «بزنس»، وإذا كان المسلسل في الظاهر ينتهي بتفوق رجلي المباحث وإيقاعهما بالجناة، إلا أن المسلسل في كل حلقة من حلقاته يعمل على رسم الصورة المثلى للرجل القوي. 

 فهو الذي يتحكم بأعصابه، وهو الذي يكون أكثر دهاء ومكرًا، وهو الذي يعرف ماذا يفعل ومتى يفعل، وهو الذي لا يستنكف عن اللجوء إلى أية وسيلة لتحقيق هدفه.

 أما عنصر التشويق في هذا المسلسل فهو لغته الساخرة، والمزج بين العنف الجسماني والنفساني، وهما السلاحان الأساسيان اللذان يمكنان الثنائي من النجاح في مهمة الكشف عن الجاني أو الجناة، إن ما يشد الانتباه ويلفت النظر في الجرعة الذي يقوم عليه هذا المسلسل هو أن القتل لأي سبب كان لا يظهر بالنسبة للقتلة والمحققين سوى لعبة يتنافس فيها الجانيان، خالية خلوا كاملًا من أي نبض عاطفي أو قيمة أخلاقية، وحتى عندما ينكشف أمر القاتل فإنه يبدو كأنه يسلم بخسارته لهذه اللعبة التي دخلها، وهو يعرف مسبقًا أنه قد يخسرها إن لم يكن الأقوى.

  • المحقق يغازل الزوجة أمام زوجها:

 ومن حيث المشاهد لا يخلو هذا المسلسل من مشاهد فاضحة ومداعبات جنسية تتخلل أعمال العنف، وتزدوج به أحيانًا، وليس غريبًا أن نرى قاتلًا وعشيقته يديران للجريمة، وهما يتغازلان ويداعب أحدهما الآخر، وليس غريبًا أيضًا أن نرى «جيك» الشاب الوسيم يستغل وسامته ليدخل مغامرات غرامية تشكل جزءًا من تحقيقه، وقد تذهب بعض اللقطات بعيدًا في جرح مشاعر المشاهد المسلم وصدمه من ذلك مثلًا: تغزل «جيك» في إحدى الحلقات بعيني زوجة أحد المشبوهين أمام زوجها؛ حيث يقول لها «أهما زرقاوان أم خضراوان؟ أم أن خيطًا أخضر إلخ».

أما الرجل البدين فيظهره المسلسل في قمة الذكاء والفطنة، وهو يعاشر كلبًا كبيرًا؛ لأنه يعيش أعزب، وكأنه يقول للمشاهد أنا مثال الرجل الناجح في مهنتي مع أنني عشت حياتي بالطول والعرض، ولم أكون أسرة وها أنا ذا سعيد مع كلبي.

  • تمجيد القوة والتفوق:

 وحتى حينما يلجأ صناع الأفلام والمسلسلات إلى بعض القصص الواقعية ليعرضوها في قالب درامي فإنهم ينتقون منها ما يخدم أهدافهم الخبيثة، ويعالجونها معالجة تؤدي إلى النجاح في تحقيق تلك الأهداف بنسبة عالية، من ذلك مثلًا قصة «نادي الشبان المليارديراية» وهي إنتاج تلفزيوني أمريكي يعرض مجموعة شبان في مقتبل العمر يتزعمهم شاب يدعى «جو هانتون» يؤمن بأن القيمة الوحيدة في الحياة أن تكون قويًا نفسيًا وجسميًا وغنيًا، وأن تفعل كل شيء من أجل القوة والمال، وقد بنى فلسفة تقوم على ما يسميه التناقض الإيجابي، ويعني بذلك أن كل ما في الحياة نقيض يصارع نقيضًا، وأنه ليس هنالك حقيقة مجردة، وأن القتل يصبح ضروريًا أحيانًا، وأن بين القتل وعدمه خطأ نجد أنفسنا مضطرين أحيانًا لتجاوزه. 

ومن هنا ينطلق إلى إقناع شرذمة من الشبان الذين كانوا زملاءه في الثانوية بالالتفاف حوله، وتكوين ناد سماه نادي «البي بي سي» أي نادي الشبان المليارديرية، وهو يقول عنه إنه يجمع النخبة التي سيصبح أفرادها من أثرى الأثرياء، وتبدأ المشاريع الوهمية، ويكسب النادي أموالًا طائلة بالمضاربة في البورصة، ولكن ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة كما يقول المثل، وإذا كان لا يغلب المحتال سوى محتال، فإن ظروف الفساد جمعت بين «جو» فارس النادي، وزعيم الشباب الحالمين بالمليارات، ومحتال أخرى يدعى «رون ليفن»، وتتوالى الأحداث، ويتغلب المحتال «رون ليفن» على «جو»؛ حيث يوهمه بأنه وضع في حسابه أربعة ملايين دولار ليضارب بها في البورصة بدعوى الثقة في قدرته على التعامل وذكائه، ويدخل «جو» المضاربات ويخسر حتى يكاد ينقطع نفسه، ثم ينقلب الوضع فيكسب مبلغًا خياليًا وهو ثلاثة عشر مليون دولار.

ولكنه لا يلبث أن يكتشف أن ذلك المبلغ الخيالي الذي ربحه وأقام الحفلات من أجله ليس إلا سرابًا؛ لأنه لم يدخل المضاربات بأربعة ملايين حقيقية، بل برقمها الذي لا يساوي الخبر الذي كتبت به، وأن المستفيد الوحيد من هذه الخدعة هو «رون ليفن» الذي استعان برقم الربح الخيالي كرصيد ثقة للحصول على أموال، وعندئذ يقرر «جو هنتن» قتل «رون ليفن»، ويخطط مع زميلين له في الـ «بي. بي سي» لتنفيذ ما يسميه الجريمة المثالية التي تختفي بعدها جثة القتيل؛ بحيث يستحيل التأكد فيما بعد من قتله أو اختفائه، والغاية من القتل سلب رون ليفن كل ثروته التي وضعها في بنك سويسري، وبالفعل يقع الإجهاز على «رون ليفن» في بيته بعد أن يوقع تحت التهديد شيكًا بألف وخمسمائة مليون دولار لفائدة «جو هنتن»، ويقع التخلص من الجثة بعد تشويه الوجه بالرشاش برميها في نهر، لكن الشبان الطامعين في الثروة يفاجئون بأن البنك السويسري رفض قبول الشيك وتحويل المبلغ؛ لأن التوقيع لم يكن في المكان المحدد له فيلعن «جو» حظه وهو يقول: «لقد خدعنا رون» للمرة الثانية.

  • من يقتل مرة....

وتسوء أوضاع الـ «بي. بي. سي»؛ فيفكر مؤسسها «جو هنتن» في طريقة أخرى للحصول على الملايين، ومرة أخرى يتجه إلى الجريمة، فيقرر ابتزاز رجل ثري من أصل عربي يدعى «نبوتي» وتحويل أملاكه إلى ابنه مسعود الذي هو أحد أعضاء الـ «بي. بي. سي». 

 ويتعاون هذا الابن الذي لا تفيه صفة العائق، وهكذا تركز الأضواء على شاب من أصل عربي يخطط مع رفاق السوء لابتزاز والده، بل تبلغ به الدناءة إلى الإيعاز بتعذيبه وقتله إذا لزم الأمر. 

ويشارك في هذه الجرعة مشاركة مادية؛ لأن ولاءه للـ«بي. بي. سي» و«لجو هنتن» يعلو على ولائه لأسرته ولوالده.

 وتتم العملية ويختطف الأب نبوتي من بيته، ويوضع في صندوق حديدي لينقل إلى مكان الاحتجاز المتفق عليه، لكن الأقدار تفسد الخطة، ويموت الأب نبوتي داخل صندوق الحديد أثناء نقله؛ فيفشل «جو هنتن» للمرة الثانية، وتفوح رائحة الجريمة، ولكن جو هنتن يصر على الإنكار، ويظل شريكه في التنفيذ وفتوته الزنجي المدعو «بوكر» طليقًا حتى بعد اعتقاله للتحقيق معه. 

 ولو عدنا لمشاهد هذه القصة التلفزيونية لوجدنا أن جو هنتن يقدم دائمًا في صورة الرجل الهادئ الواثق من نفسه، المتحكم في عواطفه، المفوه المقنع لكل محدثيه، بل والساحر بالنسبة لأعضاء الـ بي.بي.سي، لا يلين عندما يسيطر الضعف على الآخرين، ولا يفزع مهما كان الموقف مفزعًا أو حرجًا، ولا يخفى ما في ذلك من تمجيد لمثل هذه الصفات، واعتبارها مقياس النجاح، ومقياس القوى، ثم إن هذا الشاب لا ينسى متطلبات الاحتيال من إقامة الحفلات الباذخة، واستقدام الفتيات لها، واستخدامهن لغرض أو لآخر وهو كبير الثقة قبل اكتشاف أمره، لا يتعرض مطلقًا إلى «الأسرة» أو «الزواج» رغم أنه يعاشر فتاة معاشرة الأزواج مما يوحي بشطب هذين المفهومين من قاموسه، وهذا يناسب فلسفته التي تقوم على الاعتماد على النفس وعلى النفس فقط، يضاف إلى ذلك أنه من الطبيعي أن تظهر النساء المتبرجات الكاشفات في حفلات «جو»، فهذا ما لا يغيب عن أي وجبة تلفزيونية أمريكية فيلمًا كانت أو مسلسلًا.

  • زنجي وعربي:

وإذا كان جو يمثل قدرة استخدام العقل (كما تقتضيه فلسفته طبعًا) فإن هنالك شخصًا آخر انضم إلى الـ بي. بي. سي؛ ليمثل قدرة استخدام الجسم (دائمًا حسب ما تقتضيه نفس الفلسفة) وهذا الشخص هو زنجي، طويل القامة، مفتول العضل، وهو فتوة بأتم معنى الكلمة، أتي به حتى تتسم الإشارة بالقدرة الجسمية إضافة إلى القدرة العقلية، فهو الذي سيدرب جماعة الـ بي. بي. سي على استعمال السلاح، وعلى الرماية، وعلى مختلف أعمال العنف بعد التدريب الرياضي، ولا ندري لماذا اختير الزنجي لهذه المهمة، والأغلب -على الظن- الإشارة إلى الزنوج والأفارقة بأنهم لا يحسنون استعمال عقولهم، ولا يصلحون إلا للأعمال التي تتطلب جهودًا عضلية، أما الشاب مسعود نبوتي ذو الأصل العربي فقد اختير له أسوأ دور وأكثره إساءة للعرب عمومًا؛ حيث صورته القصة التلفزيونية نذلًا يحرض على الاعتداء على أبيه وتعذيبه، وحتى قتله إن لزم الأمر؛ من أجل الاستحواذ على أمواله الطائلة، والتي سيكون للبي بي سي القسط الأكبر منها، وتذهب القصة إلى تقديم «الأب نبوتي» على أنه جمع ثروته بطرق غير شرعية وبالاحتيال؛ ولذا وما دام الأمر كله احتيال فلم لا يجوز لأعضاء البي بي سي أن يسلكوا نفس الطريق.

 إن هذه القصة رغم لقطات المحاكمة التي تتخللها تركز على فلسفة هؤلاء الجماعة من الشباب، وعلى المسار الذي سارت فيه شركتهم التي كانوا يريدون بناءها من لا شيء ليصلوا بها إلى أعلى المراكز، وهي تعطينا صورة للمجتمع الأمريكي الذي شطب من قاموسه كلمات الرحمة، والشفقة، والمروءة، والوفاء، ورد الجميل، ولم يبق ما تدانيه سوى مبدأ القوة والتفوق بأية وسيلة كانت، كما تعطينا صورة عن العنف الذي يسود ذلك المجتمع. 

 العنف الذي ليس له أي مبرر أحيانًا، وتخاذل رجال الأمن في مساعدة من يتعرضون للتهديد، أو يصبحون أهدافًا لمافيا العصابات، فلا يحرك رجال الأمن هؤلاء قبل الجريمة ساكنًا، وإنما يبدأ تحركهم بعد تنفيذ الجريمة، هذا إذا تحركوا أصلًا، وكل هذه السلبية بدعوى الحرية والديمقراطية مما يجعلنا نتأكد أن مئات القتلة وربما الآلآف في مثل هذا المجتمع يفلتون من العدالة، وهذه الظاهرة تؤدي بدورها إلى اتساع حلقة الإجرام، ويظل هكذا مجتمعًا يدور في حلقة مفرغة، إن محاكمة زعيم الـ بي بي سي جو هنتن ليس سوى الشجرة التي تخفي الغابة الأمريكية التي يسيطر فيها الأقوى والأدهى والأكثر ثراء، وكل من يشاهد هذه القصة على الشاشة الصغيرة يلاحظ -دون جهد- أنها عرضت على نحو يجعل الكثير من المشاهدين يتعاطفون مع هؤلاء الشبان، وبالخصوص مع زعيمهم جو هنتن.

 ونحن نتساءل أهذا هو المجتمع الذي نريده؟  أهذه هي المبادئ والقيم وطرق العيش والعلاقات المتسربة كلها عبر المادة الفلمية والتلفزيونية هي التي نريدها أو نتمثلها؟ وكم هي الأخطار التي تهدد مجتمعنا عندما يتشرب شبابنا بأسماعهم وعقولهم هذه المادة الفلمية أو التلفزيونية؟ وإذا وعينا ذلك لم يعد لدينا مبرر للتساؤل في حيرة لماذا بدأ شبابنا يحيد عن الجادة؟ ولماذا أخذت قيمنا الإسلامية وأخلاقنا تتعطل؟ ولماذا بدأ الفساد يعتري كل شؤون حياتنا؟

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل