; تدفق تلفزيوني غربي وسيل من المغالطات | مجلة المجتمع

العنوان تدفق تلفزيوني غربي وسيل من المغالطات

الكاتب الحبيب المغربى

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989

مشاهدات 57

نشر في العدد 933

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 19-سبتمبر-1989

- في التليفزيونات الغربية برامج متفسخة ومشاهد جنسية فاضحة وعما قريب سنراها في بيوتنا.

- من التعصب الغربي طبيب فرنسي يتحدث عن الترياق دون أن يذكر دواء عربيًا.

نحن الآن نعايش ثورة إعلامية لا تتوقف ولا بد أن تترك آثارها العميقة والخطيرة على المجتمع الدولي ككل وعلى مجتمعنا العربي الإسلامي - وهو الذي يهمنا في المقام الأول - وأخشى ما نخشاه أن تكون هذه الآثار سلبية أكثر مما هي إيجابية بالنسبة إلينا باعتبار أن القائمين على هذه الثورة الإعلامية في شكلها ومضمونها من غير العرب والمسلمين، وأنهم يحتكرون ما يصلون إليه من تقدم من أجل الهيمنة الثقافية التي تسهل أنواع الهيمنة الأخرى.

وقد تحدث منذ سنوات وزير خارجية كندا عن خطورة الهيمنة الثقافية فقال: «ولئن كان الاحتكار سيئًا في صناعة استهلاكية فإنه أسوأ إلى أقصى درجة في صناعة الثقافة حيث لا يقتصر على تثبيت الأسعار وإنما تثبيت الأفكار أيضًا».. من هنا يحق لنا أن نخشى من التدفق الإعلامي الغربي على مجتمعاتنا الإسلامية، لا سيما الإعلام المرئي بعد أن انتشرت الأقمار الصناعية الباثة للبرامج التليفزيونية في كل سماء وبعد أن تضاعفت إمكانية الالتقاط سواء نتيجة قوة البث وبعض الاتفاقيات فيها بين الدول كما هو حاصل بالنسبة لفرنسا وإيطاليا مع دول المغرب العربي، أو نتيجة تطوير الهوائيات ذات القدرة العالية على الالتقاط من الأقمار الصناعية مباشرة ودون واسطة.

بیئة إسلامية وثقافة غربية:

لقد أصبح من المؤكد أن مشاهدي التليفزيون في بلداننا الإسلامية إذا توفرت له إمكانية التقاط قنوات التليفزيون الأجنبية يقبلون على هذه القنوات أكثر مما يقبلون على القنوات الوطنية، وحتى نشرات الأخبار يشاهدونها على القنوات الأجنبية ولا يشاهدونها على القنوات الوطنية، ولهذا الوضع أسبابه التي يمكن أن نختزلها فيما يلي:

1- عدم ارتقاء البرامج التليفزيونية المحلية إلى مستوى البرامج الأجنبية سواء كانت ترفيهية أو تثقيفية.

2- السياسة الإعلامية التي تنتهجها تليفزيوناتنا والتي لم تنجح في استقطاب المشاهدين وثنيهم عن مشاهدة التليفزيونات الأجنبية بالنسبة للذين تتوفر لهم هذه الفرصة.

3- ميل كثير من الشباب المهتز العقيدة على مشاهدة الأفلام الماجنة التي تعج بمشاهد العربي والفساد.

وبناء على ما تقدم فإن التليفزيونات الغربية تجد الطريق أمامها ممهدة لغسل الأدمغة وترسيخ ثقافة غربية في أوساط المسلمين، رغم أن البيئة إسلامية، وهنا يكمن الخطر إذ لم يعد التليفزيون وسيلة ترفيه حيادية بل أصبح ينازع الأسرة والمدرسة في التنشئة والتثقيف والتوجيه، ومن هنا نفهم بسهولة كيف يمكن أن يكون هذا التليفزيون ملوثًا ثقافيًا وفكريًا وسلوكيًا ووسيلة دس وتسمم وتزوير مقصود بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

وأبناء المغرب العربي الذين يلتقطون التليفزيون الفرنسي والإسباني والإيطالي يعرفون أكثر من غيرهم كيف تسهم هذه التليفزيونات في تغريب أبنائهم وزعزعة قيمهم العربية والإسلامية وقد أعرب كثير من المشاهدين التونسيين مثلًا عن قلقهم من غزو القناة الفرنسية الثانية لبيوتهم ببرامجها المتفسخة ومشاهدها الجنسية الفاضحة ناهيك عن تشويهها لكثير من الحقائق التي تتعلق بتاريخ المسلمين وثقافتهم وحضارتهم، وقد عبروا عن هذا القلق بكتاباتهم في الصحف والمجلات مطالبين بقفل هذا الباب الذي يتدفق منه الإعلام الغربي المسموم.

مغالطات:

معظم البرامج أو المشاهد التليفزيونية الغربية التي تتعلق بالعرب والمسلمين وحضارتهم أو التي التعرض لهم ولو من بعيد، تعج بالمغالطات والافتراءات وليس منبعها الجهل بل هي نابعة من عداء تاريخي إستراتيجي مستحكم ومأخوذ في الغالب عن كتب كيدية وعن مستشرقين متعصبين، من ذلك ما عرضه التليفزيون الإيطالي في برنامج فكاهي عن النساء المسلمات المرتديات للحجاب واللباس الإسلامي حيث أظهرهن فاسقات زانيات يتسترن بالحجاب للقيام بمغامراتهن الغرامية، وكأنه بذلك يريد أن يفهم المشاهدين أن النقاب أو الحجاب ليس دليل عفة المرأة المسلمة، وأن هذه المرأة تفعل في السر أكثر مما تفعله المرأة المتبرجة في العلانية ومن نماذج المغالطات في الملفات التلفزية الغربية للتقليل من شأن الشخصيات العربية والإسلامية التاريخية والتركيز على الشبهات حول هذه الشخصيات بل وتلفيق حتى الأكاذيب من ذلك مثلًا ما ذكره أحد المتحدثين في التليفزيون الإيطالي من أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقام الحد على شارب خمر، رغم أنه قال له لقد شربت من زقك يا أمير المؤمنين فرد عليه حسب ادعاء هذا الإيطالي إنما جلدتك لأنك سكرت لا لأنك شربت من زقي، وواضح أن القصد من هذه الروايات المشبوهة زعزعة الثقة بعظماء هذه الأمة وتشويه صورهم في أذهان الناس لا سيما الشباب، وفي المقابل نجد هؤلاء الغربيين سواء عبر الشاشة أو من خلال وسائل الإعلام الأخرى يبالغون في تمجيد أبطالهم وشخصياتهم التاريخية، ويضفون عليهم هالة من الاحترام والإكبار ويهيلون التراب على كل نواقصهم وأخطائهم وتناقضاتهم حتى تبرز الجوانب المضيئة فيهم ليقتدي بها الشباب ويعتزوا بها، فكم من كتب ومقالات دبجت حول شخصية نابليون بونابارت أو شخصية جان دارك، وكم من برنامج تليفزيوني أعد حول روبسيبيار وماري انطوانيت  وغيرهم، ولو تجاوزنا المجال السياسي إلى المجالات الأخرى لوجدنا نفس الشيء، والجدير بالملاحظة في هذا الخصوص أن التليفزيونات الغربية تهتم اهتماما غريبًا بكل المارقين والمتفرجين والمذبذبين من كتابنا وشعرائنا ومفكرينا، فعندما يتحدث التليفزيون الفرنسي عن أدونيس ونزار قباني أو محمد اركون تجده يعلو بهم إلى القمة وكأن الأمة العربية والإسلامية لم تنجب لهم مثيلًا.

أما السخرية المبطنة من المسلمين فهي ديدن معظم المذيعين ومقرئي البرامج التليفزيونية الغربية، فهذا أحدهم في القناة الثانية الفرنسية يصف العرب بأنهم أمة الجمال التي لم تتخلص بعد من بداوتها وما زالت تعيش في نهاية القرن العشرين بعقلية القرون الوسطى وإن كان أبناؤها يركبون السيارات ويستغلون الكهرباء.

وحتى العصور الزاهية للحضارة العربية الإسلامية لم تسلم من الأكاذيب والتشويهات، فالعصر العباسي في أذهان الغربيين مقترن بجو ألف ليلة وليلة كما يتصورونه، والخلفاء العباسيون عندهم غارقون في الخمور وبين الجواري لا يصحون من سكر حتى يثملون من جديد.

ولكننا نتساءل: لماذا نلوم التليفزيون الإيطالي إن أظهر هارون الرشيد في صور خليفة مصاب بعقدة أوديب؛ عقدة الجنس المرضي بين ابنه وأمه، وبعد أن توفيت أمه يحب أخته تعويضًا عنها وكل ما وقع من صراع بينه وبين البرامكة كان بسبب هذه العقدة، لماذا نلومهم على ذلك، وبعض العرب يذهبون هذا المذهب في تفسير التاريخ في العهد العباسي ويرددون هذه الأقوال المغرضة في مسلسلات ومسرحيات عربية.

لقد ذهب الأمر بأحد المستشرقين وكان يتحدث على الهواء مباشرة على قناة تليفزيونية فرنسية إلى القول بأن الإسلام أسطورة خلقتها الأرستقراطية العربية الإقطاعية مالكة التجارة والعبيد، وأن فتنة الزنج هي ثورة مضطهدين مظلومين من قبل الجنس العربي وفي مثل أجواء كهذه ليس مستغربًا أن نسمع متحدثًا آخر يذكر أن المسلمين لم يكونوا سوى نقلة للتراث الحضاري القديم «الإغريقي والهندي وغيرهما»، وأن العرب لم يبدعوا في فن من الفنون، وحتى أولئك القلة كانوا من غير العرب أي من الأعاجم.

ويحضرني مثال آخر على هذه المغالطات أثناء ملف تلفزي  فرنسي عن الأوبئة التي كانت تعصف بالشعوب الأوروبية في القرون الوسطى مثل الطاعون والكوليرا والجدري وغيرها فقد قال رئيس مستشفى الأوبئة Salpehie بباريس، ضمن حديثه عن العلاجات المتوفرة في ذلك الوقت، أنه لم يكن هنالك سوى دواء واحد من نوعين وهو Tyriak، أما النوع الأول فهو خليط من ثلاثة أدوية، وأما الثاني فهو خليط من خمسة أدوية وكانت نتائجه الاستشفائية محدودة، ولم يعلق على اسم هذا الدواء ولم يذكر منشأه وكأنه صناعة غربية والحال أنه دواء عربي إسلامي وهو الترياق وكلمة Tyriak ليست إلا ترجمة حرفية للتسمية العربية، وإنه لمن دواعي التساؤل، باستياء لماذا لم تتيقظ الأمانة العلمية عند هذا الطبيب والعالم ليقول الحقيقة ويمر على هذا الاسم مر الكرام، فلا يخلد بذهن أي مشاهد غربي أو حتى عربي أن ذلك الدواء في تلك القرون كان صناعة عربية متقدمة بالنسبة لعصره، إن الحديث يطول عن المغالطات الإعلامية الغربية ونختم بهذا النموذج الذي أورده الأستاذ زياد أبو غنيمة في مقال له بمجلة المجتمع، حيث ذكر أن الدهشة تملكته ذات ليلة وهو يقيم بأمريكا عندما أوردت محطة N.B.C خبرًا عن انتخابات تكميلية لمجلس الشيوخ التركي، وإذا بالخبر يقتصر على قول المذيع: إن مرشحي حزب السلامة الوطني الإسلامي فشلوا في الانتخابات، وعندما أبدى استغرابه لمضيفه الأمريكي من طريقة عرض الخبر لأن المفروض أن يتركز الخبر على الناجحين لا الفاشلين، فقال له مضيفه بكل جدية: «إن الأمريكيين لا يهمهم أن ينجح من ينجح في أي انتخابات لأن الأهم عندهم ألا ينجح المسلمون المتعصبون من أمثال أعضاء حزب السلامة الوطني».

والرد

بعد كل ما ذكرناه لابد أن نذكر بالحقيقة المرة وهي أن هذه المغالطات ليست أمرًا جديدًا ولا مستجدًا، وإنما الجديد فيها أنها ستتدفق علينا مع التدفق التليفزيوني الغربي - وهو في حد ذاته يمثل خطرًا متزايدًا على شبيبتنا وطلابنا بالخصوص غير المحصنين إزاء هذه السموم، الأمر ليس بدعة إذًا وإنما الخوف يمتلكنا من التفاعل بين التليفزيون الرهيب الحقود والعداء الغربي لا سيما ونحن مقبلون على عصر ستسقط فيه كل الحواجز أمام بث الأقمار الصناعية، وسنتلقى ويتلقى أبناؤنا ما نحبه وما لا تحبه وهو الأكثر، ولا بد أن نذكر هنا أن معظم شبكات التليفزيون والوسائل الإعلامية الأخرى هي ملك لليهود أو تحت سيطرتهم.

فماذا أعددنا للرد؟ وكيف سنواجه هذا الغزو التليفزيوني الثقافي الجديد؟

الرابط المختصر :