العنوان مقاطع من أدب كفراوي.
الكاتب خالد أبو الفتوح
تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2001
مشاهدات 64
نشر في العدد 1481
نشر في الصفحة 52
السبت 22-ديسمبر-2001
لا أدري ما سر عداء العلمانيين واليساريين- خاصة- للإسلام وقيمه ورموزه، فالمفترض أنه لكي يكون شخص ما عادلاً أن يكون محايدًا، والحياد يقتضي الموازنة بأمانة، أما وجود حول في البصيرة، فإن ذلك ينبئ عن خلل ما.
قرأت في ملحق إحدى الصحف اللندنية اليومية عملًا لكاتب متوسط الشهرة بعنوان مقاطع من سيرة غلام قروي مصري أسمه سعيد الكفراوي، يصنف أدبيًا تحت أدب السيرة الذاتية.
فماذا كان في سيرة الكفراوي؟
نبدأ أولًا بتوضيح جانب من أسلوب كتابته يقول هو نفسه.. حكاية هي وطن، هي أول الكتابة عندي، وبداية طريق للدهشة، حكاية منسوجة بالرموز والدالة واللغة الخفية الأسرار غير المدركة غير المفهومة مثل السحر، شكلت فيما بعد نظرتي للكتابة، وجعلتني أمتلك قدرة تخصني على خلق الخيال، أي أن الكاتب لا يقصد المعنى الظاهر فقط ولكنه يجعله رمزًا يعبر به نحو معاني ودلالات أخرى أعمق وأخطر، كما أنه لا يسرد الواقع كما يشاهده، بل يبدعه كما يتخيله، أو كما يریده.
يدور هذا العمل حول أربعة محاور تقليدية في الأدب اليساري العربي الطفل وكتاب سيدنا الغلام ومغامراته مع الفتاة اللعوب مشاهد في مدرسة الأقباط الفتى وجماعة الإخوان.
في المحور الأول يصور الكاتب رحلته إلى كتاب سيدنا وذكرياته عنه، وبداية رحلته أن سحبته جدته بطرحتها السوداء مثل راية حزينة قابضة على ذراعي مثل كلابة من حديد، عبر طريق مثل شق الثعبان وبيوت عجوز كالحة اللون... وعلى واجهاتها رسوم لجمال تحمل على ظهورها هوادج المسافرين وسفن من أشرعة... مقصدها بلاد النبي في مواسم الحج والعمرة وعرائس من لون ونخلات تتدلى بساطاتها ببلح في لون جمرات النار، فالطريق إلى الكتاب مكان تحفيظ القرآن طريق كتيب منفر بدءًا من جدته، المتحجبة براية سوداء حزينة وانتهاء بالرسومات الجدارية التي يرى في لون بلحها جمرات من نار فإذا دخل الكتاب كان من أبرز ما لفت نظره طفل كفيف يتعثر في خطوه، بينما كان انطباعه وجود جاثم ومكثف، والآيات تعلو وتضرب قلبي بالمفاجأة الغامضة!
فإذا ما واجه سيدنا رآه يتربع على دكة من خشب عليها حشية من قطن بعمامته الهائلة ووجهه المليح دقيق التقاطيع وعينه حفرة من عمى قديم، وعلى كتفه لابسة من حرير أشهب تستقر فوق قفطان أي أن الخلقة حسنة وجذابة، ولكن الخلق والسلوك بيده عصا من جريد النخل وبجانبه فلقة مشدودة بسير من جلد أسود. «مد يده وجذبني من باقة جلبابي فركعت أمامه... زغدني في صدري وشخط بصوت جهير: تستقيم وإلا خصيتك مثل جدي- القرآن رحمة ونور في قلبك- وبعد أن هدأ هبت ناحيتي رائحة من صفحات الكتب المفتوحة على أفخاذ العيال بغيرة القديم، ولك أن تتخيل كما يتخيل سعيد الكفراوي ما الكتب التي يمسكها أطفال في مكان لتحفيظ القرآن الكريم، وعندها إجتهد لتعرف مقصده عندما يقول: «فجأة انتبهت وأدركت أنني أضع قدمي على أول المتاهة. وحفاظًا على مشاعر القراء وحيائهم نمر مر الكرام على محور الغلام ومغامراته مع الفتاة اللعوب لولو، حيث هوى الصبي بعد أن أدرك رجولته الأولى عقب لقاء سافر مع لولو ركبه فيه ألف عفريت وضربته الكهرباء وسرى في عروقه تیار ساخن» وهذه عباراته.
أما محور مدرسة الأقباط- فيبدؤه الكاتب على عكس صورة كتاب سيدنا- بالثناء عليهم بنى القبط المدرسة محبة وشفاعة لأهل مصر الطيبين من المسيحيين والمسلمين، وكان التعليم بها نظير جنيهات قليلة.. وبعد فاصل قصير من ترانيم الوحدة الوطنية يستمر الكفراوي في هيامه بالأقباط فيصف القسيس مرقص.. له عمامة رصينة، ووجهها الأسمر القبطي بمسحة العطف والسماحة حيث يتزين بها وجوه القبط في مصر، كنت أنظر إليه بإعجاب وقداسة، وأشعر أنه صاحب سر وأنه يقدر على معرفة الغيب.
كان في مدرسة الأقباط مدرس أزهري اسمه محمد الشهاوي، ورغم أنه كان مثالًا للإعتدال والسماحة إلا أن الكاتب يورد مشهدًا حواريًا- حيث الحوار أبلغ في الإثارة والتأثير- يسأل فيه المدرس الأزهري تلامذته
تعرفوا يا أولاد، لماذا انهزم المسلمون في أحد؟ فيجيب ولد لأن الكفار كانوا الأقوى.
يركب مدرسنا ألف عفريت، ويشوح بيده أمام عينه، ويزرزر صوته بغضب جامع صارخًا في الولد: لا يا جاهل يا جهول ابقى قابلني لو نفعت سبب هزيمة المسلمين أنهم لم ينفذوا أوامر النبي أقعد، وسريعًا يرينا الكاتب أثر هذا المنطق والفرق بينه وبين منطق القسيس، حيث يتحادث الشيخ الأزهري والقسيس عن بلد أسمها فلسطين وعن ناس أشرار أسمهم الصهاينة، نسمع مرقص يؤكد أن الهزيمة وراءها الإنجليز، ويتعفرت الشيخ الشهاوي مؤكدًا أن السبب فساد الملك... يتجاوز الكاتب في المحور الرابع الإسلام التقليدي، والإسلام الرسمي ليعرض علينا صورة من إسلام الجماعات، حيث يربط بين الطرفين فيقول: ألقى بي كتاب سيدنا وفصل أول ثانوي إلى بحر الإخوان المسلمين، المائج، وهؤلاء كان لهم في كل قرية شعبة تخصهم تصطاده العيال من عمري وعليه فقد إصطاده أخونا في الله محمود هاشم دارس العلم في الأزهر... كان الشيخ محمود يمتطي المنبر يوم الجمعة مزلزلًا القرية بصوته الجهوري مرتلًا الآيات بصوت منذر... كان يسحرني جرس الكلام وتراتب القافية الموزونة بالإيقاع... أي أنهم أصحاب كلام وإثارة عاطفية، ثم يوضح الجانب العملي فيهم: حضرت التدريب العسكري في الفجر، وسبحت في النهر ليلًا، وخيمت مع الكبار في معسكر... حفظت من القرآن جزء عم وتبارك، عن ظهر قلب وهجرت قراءة من أحبهم طه حسين ونجيب محفوظ ومحمد عبد الحليم عبد الله.. وإعتبرتهم وبإيعاز من أميري من الكفرة الضالين وهي مصطلحات ليست شائعة في أدبيات الإخوان.
ولأن المراد هو التشويه العام يستكمل الكاتب في لغة غير أدبية: «كان الشيخ من العناة في قسوة القلب لا يخاف في الله لومة لائم، كان يصدع رأسي صباح مساء، كان لا يعرف الإعتدال وكان يقهرني قهرًا مروعًا كلما رأى في يدي كتابًا من كتب الأدب غير كتاب الله، وتعاليم المرشد العام وكتاب الأربعين النووية: أنت ولد فاسد ولا أمل فيك وينظر إلى الكتاب الذي أحمله صارخًا: ما هذا الذي تقرؤه؟
-هذه رواية لنجيب محفوظ.
ينتزعها مني ملقيا بها بعيدًا: كافر ومخرب ومصيره جهنم وبئس القرار.
وبعد هذا الموقف من الفكر والإبداع وهذه الأخلاق الرجل صارم لم يعرف وجهه الإبتسام يومًا، يذكر الكاتب موقفًا آخر، موقف التخريب وإفساد المنجزات، فيذكر أن الأمير محمود هاشم إستدعاه ليلًا وأمره هو وغلام من سنه أن يقوما بسرقة تراث الثورة، من الشعبة القديمة التي إستولى عليها رجال الثورة وإغراقه في النهر وبالفعل نفذوا ما خطط له الأمير وأغرقوا كنوز ثورة يوليو، في أعماق النهر.
ما كنوز ثورة يوليو؟ ومن لولو؟ ومن سيدنا شيخ الكتاب والأزهري محمد الشهاوي والقسيس مرقص وما المقصود بمدرسة الأقباط؟... إستفهامات تحتاج إلى تأمل.
ولكن... ألم يجد الغلام القروي سعيد الكفراوي في سيرته مقطعًا يذكر الشباب بالفضيلة وحسن الخلق وإذا كان هذا الغلام الذي تخطى الآن مرحلة الكهولة ليس متحمسًا للإسلام ومن يمثلونه أو يدعون إليه ألم يجد مواقف جيدة تذكر لهؤلاء وهل شخصية القسيس مرقص وحالة مدرسة الأقباط خالية من كل عيب ومنقصة ولماذا لم يقف موقف الحياد والإنصاف.
ما الذي يدعو كثيرًا من العلمانيين للإنحياز ضد- وربما عداء- الصورة الإسلامية؟ ألا ترون أن في الأمر سرًا يستحق أن يفتش عنه؟