; الإسلام والمفاهيم الغربية الخاطئة | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والمفاهيم الغربية الخاطئة

الكاتب فتحي عثمان

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993

مشاهدات 64

نشر في العدد 1061

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 10-أغسطس-1993

·         حملة شعواء لربط الإسلام بالإرهاب: تفنيد الأكاذيب الغربية بالمنطق والتاريخ.

·         إن الإرهاب ظل يمارس عبر التاريخ؛ مارسه الإغريق والرومان قديمًا وأوروبا في العصور الوسطى، ودعا إليه روبير كأسلوب ثوري أثناء الثورة الفرنسية.

أينما وجه الاتهام في أي عمل عنيف ضد فرد أو مجموعة من العرب والمسلمين خاصة عندما يكون اسم المجموعة له علاقة بالجهاد، سواء من حيث المعنى أو المفهوم، فإن حملة عنيفة وشعواء تشن من خلال أجهزة الإعلام الغربية ضد الإسلام.

إن أي إنسان يملك قدرًا من المنطق والوعي لا يقبل بالإرهاب، وعلى كل البشرية أن تتعاون لكي تدافع عن نفسها ضد كل أشكال الإرهاب، ولا أحد يستطيع أن يتقبل الهلع الذي يمكن أن يحل به أو بمن يحب من الناس في طائرة مختطفة أو في مكان ملغوم بالمتفجرات. ومع ذلك فإن محاربة مرض أو وباء تحتاج إلى الدقة في متابعة الأعراض وتحليل الأسباب المحتملة؛ وذلك لأن التشخيص الصحيح شرط أساسي للعلاج.

قبل أعوام قليلة مضت قامت جامعة ما في دولة معادية للعرب بتنظيم مؤتمر بعنوان "الإسلام والإرهاب"، وتم نشر عدد من الأوراق المنتقاة من بين الأوراق التي قدمت خلال ذلك المؤتمر. واستفسر أحد الباحثين الأكاديميين عن السبب في ربط الإسلام فقط بالإرهاب دون الأديان الأخرى، كما يشير إليه عنوان وشعار المؤتمر. وأجاب على ذلك بأن الإسلام مادام عقيدة ودولة، ويؤمن بالجهاد في تعاليمه، فإن من الضروري البحث في علاقة ذلك بالإرهاب.

وتجاهل ذلك الأكاديمي العلاقة التاريخية بين المسيحية والصليبية والحروب بين ملوك أوروبا والبابوات، والدماء التي أريقت بين الكاثوليك والبروتستانت في الماضي وحاليًا في البوسنة، والعدوان الاستعماري الذي كان يهدف في المقام الأول إلى التنصير والتبشير بالمسيحية ووجد قبولًا ومباركة من قبل الجماعات والمنظمات التبشيرية.

وعلى الرغم من وجود الأسباب العرقية والاجتماعية بين الكاثوليك والبروتستانت في شمال أيرلندا، فإن العامل الديني لا يمكن تجاهله، وهناك العديد من الوزراء البروتستانت المؤيدين للاتحاد مع بريطانيا..

إن الأعمال الإرهابية للجيش الجمهوري الأيرلندي في مقاطعة أولستر بشمال أيرلندا تجد تفهمًا وتعاطفًا يرقى أحيانًا إلى درجة الدعم المادي من عدد من الناس في مختلف أنحاء العالم. كما أن فكرة التحرر الديني شائعة في النضال الاجتماعي والسياسي في أمريكا اللاتينية، ويؤيد العديد من رجال الدين الكاثوليك أولئك المتطرفين بالقول والفعل بما في ذلك الدعم بالسلاح، وعندما قال أحد كبار المسؤولين في الفاتيكان إنه لا يتخيل سيدنا عيسى وهو يحمل البندقية رد عليه كثيرون بأنه لا يمكن أيضًا التصور بأن يقف سيدنا عيسى موقفًا سلبيًا أمام جبروت القهر الاجتماعي والسياسي.

وبالنسبة لليهودية توضح التعاليم الدينية المكتوبة والتاريخ اليهودي المكتوب وجود كثير من الصراعات العسكرية، ولو كانت للصهيونية جذور داخل الديانة اليهودية -كما يعتقد معظم الصهاينة- فإن العلاقة الحديثة بينها وبين التطرف أو حتى الإرهاب قد أضيفت إلى السوابق التاريخية.

إنني لا أنتقد الآن أي ديانة بسبب تبريرها للنضال من أجل تحقيق العدالة بالقوة عندما تجد أن كل الأبواب السلمية موصدة أمامها، وهكذا فإن الإسلام -ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك- يتخذ نفس الأسلوب، ومع ذلك يمكن وضع خط بين الاستعمال المشروع، وبين الإساءة لأي مبدأ، ويمكن لقضية عادلة أن تتضرر بسبب سوء تصرف أولئك الذين يدعون بأنهم يناضلون من أجل تلك القضية.

إن مثل تلك الانتهاكات البشرية لها طابع عالمي، وإذا ما تابعنا مسيرة التجربة الإنسانية في الماضي والحاضر فإن تلك الانتهاكات لا يمكن أن تقتصر على العرب والمسلمين فقط، لقد أصبح الإرهاب ظاهرة عالمية أو وباءً، وبدأ المؤرخون وعلماء الاجتماع والمحامون وخبراء الإجرام والإداريون والسياسيون يبدون اهتمامًا أكثر بضرورة أن تكون هناك ضوابط جماعية متعددة للتحكم في أعمال الإرهاب الدولي الآخذة في النمو والتي تنفذها جماعات متطرفة من كل الأيديولوجيات المختلفة في كل القارات، كما ذكر ذلك كل من: يوفا ألكسندر وديفيد كارلتون وبول ويلكنسون – مؤلفو «الإرهاب النظرية والتطبيق».

ماذا تعني كلمة إرهاب Terrorism بالتحديد؟

حسب الموسوعة البريطانية فإنها تعني «الاستعمال المستمر للإرهاب أو العنف الذي يحدث بدون سابق إنذار ضد الحكومات والشعب والأفراد من أجل تحقيق هدف سياسي». وكانت كلمة الإرهاب Terrorism تستعمل عادة بواسطة التنظيمات السياسية لخدمة أهداف كل من اليمين أو اليسار، وكذلك المجموعات الوطنية والإثنية والثوريين والجيوش وقوات الشرطة السرية للحكومات.

وهكذا فإن «الإرهاب» يمكن ربطه بالطبيعة الإنسانية نفسها، وليس بمجموعة أو عقيدة معينة: إن الإرهاب السلطوي الذي يمارسه موظفو الدولة يجب أن يصنف كإرهاب مهما كانت التبريرات لذلك.

إن الحكومة التي تغتصب سلطة الشعب وتسخر الموارد العامة التي يتم تحصيلها من الشعب للدفاع عن حقوقه ولإرساء قوائم العدل من أجل انتهاك تلك الحقوق ولتعطيل العدل ترتكب أعمالًا إرهابية، خاصة وأن إرهاب السلطة يمكن أن يكون أعم وأشمل بالمقارنة مع إرهاب الفرد.

وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن الإرهاب قد تم اعتماده من قبل السلطة كسياسة، رغم عدم اعترافها بذلك، كما هو الأمر بالنسبة للأنظمة الفردية مثل النازية في ألمانيا والاتحاد السوفيتي في عهد ستالين، وفي تلك الأنظمة كان يتم الاعتقال والحبس والتعذيب والتصفية الجسدية بدون مسوغات قانونية وخلق مناخ مليء بالخوف وتشجيع الولاء للأيديولوجية القومية والأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة.

إن مثل تلك السياسات التي تعمل على إشاعة الخوف تتبناها أيضًا أنظمة قمعية عديدة في أمريكا اللاتينية والعالم العربي وسريلانكا وإندونيسيا والفلبين في عهد ماركوس وفي دول أخرى.

إن القوة الجسمانية التي منحت للإنسان لكي يدافع بها عن نفسه قد يساء استغلالها مما يؤدي إلى العدوانية والعنف (القرآن 2/30)، فعلى الإنسان أن يعمل خلال حياته في استغلال ما حباه الله به من نعم ومن بينها القوة الجسدية بالطريقة التي ترضي الله وحسب توجيهاته. لقد كان أول حادث عنف في التاريخ عندما طغت الأنانية، ونسيت توجيهات السماء بالتزام العدل، فقام قابيل -ابن سيدنا آدم- بقتل أخيه هابيل (المائدة آيات من 27–31) ويستمر (نفس المصدر).

إن الإرهاب ظل يمارس عبر التاريخ وفي كل أنحاء العالم، مارسه الإغريق قديمًا وأوروبا في العصور الوسطى، وكان استعمال البطش شائعًا ودعا إليه روبسبير كأسلوب لتشجيع القيم الثورية أثناء الثورة الفرنسية، مما قاد إلى عهد الهيمنة السياسية والذي أطلق عليه عهد الإرهاب (1793-1794). وبعد الحرب الأهلية الأمريكية (1861–1865) قامت مجموعة من الجنوبيين بتكوين منظمة إرهابية أطلقوا عليها كوكلاكس كلان «Ku Klux Klan» لمطاردة ومضايقة مؤيدي إعادة التعمير «Reconstruction».

وفي النصف الأخير من القرن التاسع عشر، تبنى الإرهاب أتباع الحركة الفوضوية في أوروبا الغربية وروسيا والولايات المتحدة. وكانوا يؤمنون بأن الطريقة المثلى للتأثير على العملية الثورية للتغيير السياسي والاجتماعي لا تتم إلا باغتيال الشخصيات الممسكة بزمام السلطة.

وشهد القرن العشرون تغييرات كبيرة في استعمال وممارسة الإرهاب.. فقد أصبح الإرهاب السمة المميزة لعدد من الحركات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.. وأصبح الإرهاب مرتبطًا في الغالب بالأفراد والمجموعات التي تحاول زعزعة الأوضاع السياسية القائمة والإطاحة بها.

وقد استعمل الإرهاب من جانب طرف واحد أو من الجانبين في المواجهات المناهضة للاستعمار (أيرلندا وبريطانيا، والجزائر وفرنسا، وفيتنام وفرنسا والولايات المتحدة). وفي الصراع بين مختلف القوميات حول المناطق المتنازع عليها (فلسطين وإسرائيل)، وفي المواجهات بين المعتقدات الدينية المختلفة (الكاثوليك والبروتستانت) في أيرلندا الشمالية، وفي الصراعات الداخلية بين الجبهات الثورية والأنظمة القائمة (ماليزيا وإندونيسيا والفلبين وإيران ونيكاراجوا والسلفادور والأرجنتين).

هذا هو المسح العالمي الدقيق للإرهاب والضالعين فيه. وقد ساهمت عدة عوامل في مختلف أنحاء العالم في ذلك، ولعلنا نجد على رأس تلك العوامل: البطش السياسي والاجتماعي والذي يكون السبب الأساسي وراء العديد من إرهاب الدولة. والعرب والمسلمون ليسوا استثناءً من القاعدة في هذا المجال.

وقد كان ويلفريد كانتويل سميث منصفًا بما فيه الكفاية في كتابه «الإسلام في التاريخ الحديث» عندما حاول توضيح المناخ العام للإكراه والإحباط الذي يعيش في ظله العرب والمسلمون: «لقد انحط المجتمع إلى درجة أصبح معها العنف أمرًا مؤكدًا.. إن العنف هو التعبير عن الحقد والإحباط والخواء والنزعة المدمرة لدى أناس ظلوا ضحايا الفقر والعجز والخوف».

إن إرهاب الدولة والإحباط الجماهيري بسبب العوامل الداخلية والخارجية قد قادا إلى العنف الشعبي في شتى أنحاء العالم، ويمكن ذكر قائمة على سبيل المثال لا الحصر: الألوية الحمراء في إيطاليا، وبادر ماينهوف في ألمانيا، وإيتا (الباسك) في إسبانيا، ومنظمة العمل المباشر في فرنسا، والجيش الأحمر الياباني، والأرمنيون والتاميل في سريلانكا، والسيخ في الهند، وغيرهم في مختلف بقاع العالم.

وفي مقال هام بعنوان «عملية جرد للإرهاب» للمراسل الخاص لمجلة إيكونوميست في عددها بتاريخ 26 يوليو 1986 ورد: «بعد ثلاثة أشهر من قصف ليبيا فإن هناك من يرغب في أن يصف تلك العملية بالنجاح. هل كان الأمر كذلك؟ إن الشرق الأوسط لم يعد أسوأ مناطق العالم بالنسبة للأمريكيين. إن عدد حالات الإرهاب والتي قتل فيها مواطنون أمريكيون خلال السنوات الخمس الماضية يفوق بمعدل 40% من عدد الذين قتلوا في حالات إرهابية لها علاقة بالشرق الأوسط. ففي عام 1985 كانت هناك 86 حالة إرهابية في أمريكا اللاتينية لها علاقة بمواطني الولايات المتحدة مقابل 16 حالة إرهابية مماثلة في الشرق الأوسط.

وعلى النقيض من الاعتقاد الأمريكي الشائع، فإن الإرهاب القليل نسبيًا والذي مصدره الشرق الأوسط موجه ضد الأمريكيين، والإرهاب في أوروبا حسب الإحصائيات الأمريكية كان يمثل خُمس الحالات الإرهابية التي أفضت إلى الموت في العام الماضي. وقد حصلت المنظمات الإرهابية الأوروبية وحدها على أعلى الأرقام حيث قتلت 118 شخصًا، وقتل مواطنو الشرق الأوسط العاملون في أوروبا 65 شخصًا».

اقرأ أيضًا: 

الرابط المختصر :