; مقال الأسبوع- حقوق الإنسان بين تشريعات الخالق وقوانين البشر.. | مجلة المجتمع

العنوان مقال الأسبوع- حقوق الإنسان بين تشريعات الخالق وقوانين البشر..

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1992

مشاهدات 56

نشر في العدد 1013

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 25-أغسطس-1992

  • الإسلام سبق هيئة الأمم في إقرار حقوق الإنسان وتحديدها.

 

الإسلام وحقوق الإنسان: إرث تاريخي ومقارنة مع الغرب

مقدمة تاريخية: من الأنبياء إلى الثورات الغربية

الإسلام سبق هيئة الأمم في إقرار حقوق الإنسان وتحديدها. تعتبر حقوق الإنسان في وضعها الحالي النتيجة الكبرى والعلامة البارزة للعلاقة بين السلطة والفرد. وقد وُجد في كل زمان من يتصدى لظلم الأغنياء والأقلية المهيمنة من أصحاب العقول والآراء المستقلة والشجاعة الذين أكدوا وصَدَعوا بمبادئ المساواة والكرامة لكل الناس على حساب حياتهم في أغلب الأحيان. وقد ترك لنا التاريخ آثارًا قديمة لأقليات بشرية مؤمنة قادها أنبياء ورسل يُوحى إليهم ومكلفين بمهمة تخليص الناس من عبادة العباد والآلهة المزعومة إلى عبادة رب العباد، والقرآن الكريم يزخر بقصص هؤلاء الأنبياء (1).

وقريبًا منا تاريخ ثورات أغلبية السكان الذين عاشوا العبودية في عالم ظلامي، مثلما كان الحال بالنسبة للثورة التي قادها سبارتاكوس (73- 71 قبل ميلاد المسيح) والتي أُغرقت في حمام من الدم.

وقد استنهض كل من تواطؤ السلطات الدينية مع الحكم في الغرب والتجاوزات المستمرة والانحرافات المتزايدة من طرف الكنيسة، استنهض همم المصلحين في عصره من أمثال باز وزوينغلي ولوثر، ودفع أقاليم نحو إقامة حريات حقيقية، خاصة في إنجلترا، مما نتج عنه سلطة موزعة وبداية تنظيم قانوني، بالخصوص الممنوح من طرف جون سان تنار عام 1215 والذي ينص على أن: «كل إنسان حر» وعلى حرية التنقل (2). كما أثار دخول المطبعة نشاطًا فكريًا مكثفًا وساهم في نشر أفكار مطلبية حديثة عهد إلى حد ما.


صراع الغرب من أجل الحقوق وعلمنة العلاقة مع السلطة

وكانت أوروبا حينئذ في غليان كبير بين تمزق وأعمال عنف ودعوة إلى الثورة العارمة وتصفية الأمراء الجبابرة. وبالتالي شهدت الفترة ما بين القرن السابع عشر من العهد الغريغوري والثورة الفرنسية عام 1789 صراعًا عنيفًا من أجل علمنة العلاقة بين السلطة والفرد، بحيث تُقام الحقوق ليس على أساس الصفة أو الأمر الإلهي وإنما على أساس حاجيات الطبيعة البشرية واتجاهاتها.

وفي إنجلترا، صوت البرلمان عام 1928 لصالح «عريضة الحقوق» التي أجازها النظام الملكي عام 1689 في «سياق الحقوق». وباسم حق «العيش والحرية والبحث عن السعادة»، اعتبر الإنجليز المقيمون في أمريكا أنفسهم مستقلين عام 1776م قبل أن يكون لهم عام 1787م دستور «البيان الأمريكي لحقوق الإنسان» الذي حرره توماس جيفارسون (1743-1826)، (3). وفي فرنسا، وضع إيمانيول جوزيف سبايس (1748-1836) ميثاق حقوق الإنسان الذي صادق عليه «المجلس التأسيسي» واعتُبر بداية من يوم 26 أغسطس 1789م وثيقة تاريخية. وجاء في الوثيقتين الفرنسيتين للحقوق لعام 1789م وعام 1793م أن حق مقاومة الاضطهاد ليس الضامن لحرية الضمير فحسب وإنما أيضًا للإنسان حينما تضطهده بشكل من الأشكال سلطة «منحرفة». وفي حين أشاد لوك بالحفاظ على الملكية الخاصة، دافع آخرون عن الشكل الملكي «هوبز» أو الشعبي «سبينوزا- روسو» للحكم.


ملامح بيانات حقوق الإنسان الغربية ونشأة الأمم المتحدة

وأهم فصول بيان حقوق الإنسان في نهاية القرن الثامن عشر هي:

  • يولد الناس أحرارًا ومتساوين في الحقوق.
  • الحقوق الطبيعية للإنسان هي: الحرية، الملكية، الأمن، مقاومة الاضطهاد.
  • لا يدافع القانون إلا على الأعمال المضرة بالمجتمع.
  • مبدأ السيادة الكلية يكمن أساسًا في الأمة «القوم».
  • القانون هو التعبير عن الإرادة العامة.
  • كل المواطنين، باعتبارهم متساوين في نظر القانون، مقبولون لكل الرتب «أضاف التكريم» والأماكن والوظائف العامة حسب طاقتهم ودون أي تمييز عدا فضائلهم وكفاءاتهم.
  • لا يمكن أن يُعاقب أي شخص سوى على ضوء قانون قائم وصادر قبل الجنحة.
  • كل إنسان يُعتبر بريئًا حتى تثبت إدانته «حتى التصريح بإدانته».
  • كل إنسان يمكنه أن يتكلم ويكتب ويطبع بحرية عدا الإفراط في هذه الحرية في الحالات التي يحددها القانون.

وقد استُوحي ميثاق عصبة الأمم من هذا البيان عام 1920. وعند الإمضاء على اتفاقية كيلوغ عام 1929، حدد المعهد الدولي بنيويورك في 12 أكتوبر 1929 النظرية المعاصرة لـ «احترام العنصر البشري» في ست نقاط:

  • حق مساوٍ لكل فرد في الحياة.
  • وفي الحرية.
  • وفي الملكية.
  • وفي تطبيق آرائه الدينية بكل حرية.
  • وفي حرية استعمال وتعليم اللغة التي يختارها.

والدولة ليس لها الحق في رفض هذه الحريات ولا في جعل هذه المساواة المشار إليها عديمة الجدوى وشكلية ولا في سحب الجنسية عن مواطنيها إلا لأسباب استُثنيت من التشريع العام (4).


البيان العالمي 1948 ورفض الدول الإسلامية له

وأثرت جميع هذه النصوص بشدة على «البيان العالمي لحقوق الإنسان» الذي تبنته منظمة الأمم المتحدة يوم 10 ديسمبر 1948، والتي دفعت كل الأطراف بعد الحرب العالمية الثانية للمصادقة على الحقوق المسماة بـ «الطبيعية» لتجنب مثل هذه الكوارث. وهذه الحقوق هي: حق العيش لكل فرد وحق حرية التعبير ومظاهرها والملكية الفردية والتعليم والعدل والمساواة واللجوء... إلخ.

وأثناء تحرير بيان 1948 كان خمسة من أعضاء لجنة التحرير الثمانية يمثلون دولًا ذات ثقافة مسيحية، بالإضافة إلى الاتحاد السوفياتي والصين، والعضو الثامن كان عربيًا كاثوليكيًا (5). من هنا يمكن فهم رفض عدد من البلدان ذات الثقافة الإسلامية المصادقة على هذا البيان، مُعللين ذلك بأن هذا الأخير لا يأخذ بعين الاعتبار القانون المعمول به في بلدانهم.

وبالفعل فإن بعض فصول هذا البيان لا تتماشى والقوانين المأخوذة من القرآن وتعاليم الإسلام، لا سيما ما يتعلق بالفصلين السادس عشر والثامن عشر من البيان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. فعدم جواز تزوّج المسلمة بغير مسلم يتعارض مع الفصل 16 من هذا البيان، بينما تبدو استحالة تغيير الديانة بالنسبة للمسلم وتعرضه للعقاب في حالة المخالفة متناقضة مع الفصل الثامن عشر.

وقد تمت بشكل مستفيض مناقشة الحكمة الإلهية من هاتين النقطتين خلال العديد من الملتقيات حول «الشرع الإسلامي وحقوق الإنسان في الإسلام» بين المختصين في الحقوق من المسلمين والغريبين (6).


البيان الإسلامي العالمي للحقوق ووجوب التنديد بالظلم

وفي غضون ذلك، وضع رجال القانون المسلمون البيان الإسلامي العالميلحقوق الإنسان القائم على القرآن والسنة، وذلك تحت إشراف المجلس الإسلامي بأوروبا، وأُعلن عنه في 19 أيلول «سبتمبر» 1981 بباريس (7). وقد سبقه «الإعلان الإسلامي العالمي الصادر بلندن في 12 أبريل 1980 بمناسبة ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم. وبالإضافة إلى المرجعية الدائمة إلى الله بأنه وحده مصدر التشريع «القانون»، فإن البيان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان تناول بتعابير مختلفة التأكيد على الحقوق المنصوص عليها في البيان العالمي لعام 1948 مع «أسلمتها». إلا أن العديد من المسائل كانت موضوع فصول واضحة مثل حق الضمان الاجتماعي والأسرة... في حين أن وجوب التنديد بالظلم يذكر بحق المقاومة الشهير ويُعادِلُه في حدود شرطين: منع طاعة مخلوق في معصية الخالق، واحترام النظام في إطار الأمة.

وتجدر الإشارة إلى أن البيان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 ليس هو النص الوحيد المعتمد في الحديث عن حقوق الإنسان، فإن الثغرات والطوارئ ومصالح المجموعات أملت على مسؤولي الأمس واليوم مراجعة نُسَخهم لتعديلها حسب متطلبات الساعة. من هنا أُضيفت إلى بيان 1948 عدة وثائق مكملة منها: الاتفاقية الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (التي تبنتها منظمة الأمم المتحدة يوم 16/ 12/ 1966) والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية (روما 4/ 11/ 1950) وباريس 20/ 3/ 1953 والإعلان الخاص بحقوق الطفل (صادقت عليه منظمة الأمم المتحدة يوم 20/ 11/ 1959) والميثاق الاجتماعي الأوروبي (1991)... إلخ.


نقد عالمية البيان ومقارنة بين المبادئ والتطبيق

وعادة ما يؤاخذ به التحليل المقارن للأنظمة والأيديولوجيات الخلط بين الفكرة وتطبيق هذا النظام. بيد أنه تجدر الملاحظة بأنه في الوقت نفسه الذي تم فيه تصور بيانات حقوق الإنسان وصياغتها في أوروبا وأمريكا، كان الأوروبيون والأمريكان يَسُومون الشعوب غير الأوروبية وغير الأصلية في القارة الأوروبية، أشد أصناف الإذلال والعبودية «حروب استعمارية وعبودية» باسم الحضارة.

وبينما يتم الاعتراف للأوروبيين بحقهم في تقرير مصيرهم «الفصلان التاسع والعاشر من مبادئ الرئيس الأمريكي ولسن» يتواصل إنكار هذا الحق لشعوب أخرى، بل أكثر من ذلك الاعتراف للأوروبيين بحق تحديد مصير الشعوب المستعمرة على حساب إرادتها «الفصل الحادي عشر من نفس المبادئ». في ذلك العهد، كان تقسيم أراضي الشرق «اتفاق سايكس بيكو السري عام 1916» والوعد بتقسيم فلسطين «إعلان بلفور عام 1917»، والقائمة تطول. ولكي يكون عالميًا، يجب منطقيًا أن ينظر بيان حقوق الإنسان إلى الإنسان بشموليته وتنوع تطلعاته ووحدته «المظاهر المادية والروحية». بالإضافة إلى أن محتوى مثل هذا البيان يجب ألا يبقى حبرًا على ورق في ظروف نحتاج فيها أكثر من الكلمات إلى الأعمال التي تُبرهن على صحة أساس المبادئ. وبالتالي فإن الله سبحانه وتعالى خالق الإنسان هو الذي شرع له حقوقه وفق هذا التكوين وهذا الخلق، وإن البشر مهما فعلوا من قوانين وشرائع فإنها لا تخرج عن نطاق أهوائهم، وسيظل النقص يعتور هذه القوانين طالما أنها لا تستمد بنودها من شريعة الخالق جل وعلا.


المصادر والمراجع

(1) يزخر القرآن بالآيات التي تروي هذه الأحداث التاريخية التي عاشها كل الأنبياء والمؤمنين الذين صاحبوهم.

(2) جاك مورجون «حقوق الإنسان» الطباعة الجامعية بفرنسا سلسلة ماذا أعرف؟ رقم 1728. الطبعة الخامسة (1990).

(3) محمد عمارة «الإسلام وحقوق الإنسان» رسالة الجهاد عدد 82.

(4) لويس ماسينيون «احترام العنصر البشري في الإسلام» (المجلة الدولية للصليب الأحمر- جنيف 1952 أعيد طبعه في «الإسلام وحقوق الإنسان» (مكتبة الحريات باريس 1984).

(5) مارسال بواسار «هل يوجد تصور إسلامي خاص بحقوق الإنسان؟» (فرنسا- البلدان العربية عدد 85، 1980) أعيد طبعه في «الإسلام وحقوق الإنسان» (مكتبة الحريات- باريس 1984).

(6) ملتقيات وندوات الرياض وباريس والفاتيكان وجنيف وستراتزبورغ حول الشرع الإسلامي وحقوق الإنسان في الإسلام (دار الكتاب اللبناني- بيروت).

(7) نص البيان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام في «الإسلام وحقوق الإنسان» (مكتبة الحريات باريس 1984).







 


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

524

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

584

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8