; مشاركة الإسلاميين في أنظمة الحكم | مجلة المجتمع

العنوان مشاركة الإسلاميين في أنظمة الحكم

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1993

مشاهدات 89

نشر في العدد 1065

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 07-سبتمبر-1993

تعتبر قضية مشاركة الحركة الإسلامية المعاصرة في الحكم غير الإسلامي من القضايا الملحة والتي تشغل بال الكثيرين من العاملين في ميدان الدعوة الإسلامية. وعلى الرغم من أن القضية طرحت في بعض كتابات مفكرينا المعاصرين، إلا أنها لم تأخذ حظها من العناية الحقة والدراسة الجادة الأصيلة؛ مما جعل كثيرًا من العاملين يكثرون الجدل حولها ويتجاذبونها بالحوار والنقاش دون أن يصلوا في ذلك إلى رأيٍ حاسم. ولم يقف الأمر عند مستوى الأفراد، بل تعدى ذلك إلى موقف الجماعات الإسلامية وحيث تعددت وجهات النظر بشأنها، بل إن الجماعة الواحدة كانت لها فيها اجتهادات ومواقف مختلفة؛ فمرة ترى جواز المشاركة وتقدم عليها، ومرة أخرى ترى عدم الجواز فتحجم عنها، مما أوجد نوعًا من البلبلة في صفوف العاملين في ميدان الدعوة الإسلامية. ولعل هذه الدراسة أن تكون قد لبت حاجة الحركة الإسلامية المعاصرة وأضاءت الطريق في مشكلة من المشكلات الكثيرة التي تعترض طريق العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية المنشودة.

إن حكم مشاركة الحركة الإسلامية المعاصرة في الحكم غير الإسلامي الذي يحكم معظم شعوب العالم الإسلامي في العصر الحديث مسألة جزئية فرعية ترتبط بأصل كلي ترجع إليه وهو الطريق الموصل إلى قيام الدولة الإسلامية وتحكيم شريعة الله، ومن هنا فلا يمكن البت في حكم هذه المسألة بعيدًا عن هذا الأصل الكلي، ومعظم الاضطراب الحاصل عند من يتصدون لحل هذه المشكلة أنهم يحاولون الحكم فيها دون مراعاة هذا الجانب الأساسي الذي له الاعتبار الأول في تصورها ومن ثم الحكم فيها.

الصورة التاريخية لوصول الإسلام إلى الحكم

لقد اختار الله الجزيرة العربية مهدًا لرسالة الإسلام، والله أعلم حيث يجعل رسالته. والمتأمل في هذا الاختيار يلمس جانبًا كبيرًا من الحكمة الإلهية حيث كانت الجزيرة في ذلك الوقت لا تقع تحت سلطان أي من الدولتين الكبيرتين الفرس أو الروم رغم أنهم كانوا على أطرافها قريبين منها كل القرب. ورغم بدء الدعوة في مكة إلا أن الدعوة حوصرت فيها نظرًا لما كان لقريش من سلطان واضح على أم القرى ولأنها رأت في هذه الدعوة ما يهدد مصالحها ونفوذها؛ مما دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يبحث عن قاعدة أمينة للدعوة تكون منطلقًا للدعوة الإسلامية، ومن هنا كان عرض نفسه على القبائل وهجرة أصحابه إلى الحبشة وذهابه إلى الطائف، ثم وجد ما يصبو إليه في المدينة المنورة بعد بيعة العقبة الأولى والثانية. ولم يكن في المدينة المنورة سلطة مركزية قوية تحملها على أن تتخذ موقفًا موحدًا ومحددًا من الدعوة الإسلامية حيث كانت فيها قوى شبه متوازنة بين قبيلتي الأوس والخزرج العربيتين وبين القبائل اليهودية المتعددة.

ولم تمض سنتان على بيعة العقبة الأولى حتى كان الإسلام ينتشر انتشارًا سريعًا بين سكان المدينة وقد رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- الطريق أمامه ممهدًا، فلم يكد يصل إلى المدينة حتى فتحت له أبوابها ولم يجد قوة تقف في طريقه، وبعد أن بنى مسجده أخذ في وضع دستور الحكم للمدينة المنورة والذي عرف تاريخيًا باسم الصحيفة والتي حدد فيها العلاقات بين المسلمين في المدينة وقبائل اليهود تحديدًا دقيقًا. وبذلك قامت الدولة الإسلامية الأولى دون وجود سلطة مركزية تحول دون ذلك.

ويمكن أن نستخلص مما سبق:

1.      أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدأ بدعوة الناس إلى الإسلام حتى تكونت له قاعدة صلبة من المسلمين هم الذين أطلق عليهم بعد ذلك المهاجرون.

2.      أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقبل الملك حينما عرض عليه من قبل الجاهلية؛ لأنه سيكون واليًا من قبل الجاهلية ولن يكون له أي نفوذ عليهم لعدم وجود قاعدة مؤمنة يعتمد عليها في تنفيذ شريعة الله، ولن يسمحوا له بذلك بدليل أنهم رفضوا أن يقولوا: «لا إله إلا الله» لأنهم وجدوا فيها إسقاطًا لكل نفوذهم.

3.      لم يخض الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع الجاهلية حربًا عسكرية لقلة أنصاره بالنسبة للجاهليين ولعدم وجود القوة الكافية ولاعتبارات أخرى كثيرة.

4.      اختار الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- الهجرة على الصدام المباشر مع الجاهلية والبحث عن مكان آخر يأوي إليه مع أصحابه معتمدًا مبدأ الهجرة لإنشاء قوة حقيقية تكون قادرة على الصدام مع الجاهلية.

5.      تم للرسول -صلى الله عليه وسلم- ما أراد بهجرته إلى المدينة ووصل الإسلام إلى الحكم بهذه الطريقة...

هذه هي الصورة التاريخية التي وصل بها الإسلام إلى الحكم، واستمر الحكم بالإسلام بصورة أو بأخرى مثالية أو غير مثالية، حتى كانت المؤامرة الدولية الكبرى على الإسلام بإسقاط الخلافة وتمزيق شعوبها وإقامة كيانات تعليمية ودويلات قومية وتيارات وأحزاب معادية للإسلام وعاملة على تقويض ما تبقى من دعائمه ومراكز القوة فيه.

الحركة الإسلامية تدعو للعودة إلى الإسلام

وكرد على إلغاء الخلافة قامت الحركة الإسلامية المعاصرة بالدعوة إلى العودة إلى الإسلام وتحكيم شريعته، واستطاعت الحركة أن تعيد إلى المسلمين ثقتهم بإسلامهم، وأن ترد الغزو الفكري المعادي إلى جحوره بما طرحت من المؤلفات الإسلامية وبما أنشأت من الصحف والمجلات وبما أقامت من المشروعات النافعة. كان أبرز ما قامت به أن أوجدت تيارًا شعبيًا وحركةً مطالبة بعودة الإسلام إلى الحكم، ولكنها حتى الآن ما زالت تتعثر في طريق إيصال الإسلام إلى الحكم، ولا يبدو أن هناك صورة واضحة أمامها أو خطى محددة مرسومة تسلكها. هي ما تزال تقدم رجلًا وتؤخر أخرى في ميدان السياسة، ومعظم مواقفها السياسية تأتي كردود أفعال للضغوط الجاهلية من حولها، ولم تستطع حتى الآن -بسبب ملاحقتها والضغوط الكثيفة حولها- من صياغة أهدافها السياسية ضمن برنامج زمني واضح المراحل محدد الوسائل.

الظروف التي تعمل فيها الحركة الإسلامية

ولعل أهم العوامل في هذا الموقف الذي وصلت إليه الحركة الإسلامية عدم وضوح الصورة التي يمكنها عن طريقها الوصول إلى الحكم، وذلك لأن الصورة التاريخية لوصول الإسلام إلى الحكم والتي أشرنا إليها فيما تقدم تبدو الآن غير ممكنة التحقيق؛ لأن أقطار العالم الإسلامي جميعًا تخضع لسلطات مركزية قوية تساندها قوى دولية متعددة بما تملك من قوى مادية ومعنوية رهيبة وهي ترصد تحركات العاملين للإسلام في كل مكان وتحاول محاصرتهم والحيلولة دون نجاح جهودهم. أما القيام إذن على الصورة التاريخية في الظروف الراهنة فيبدو أنه غير ممكن على الأقل في المستقبل المنظور، هذا بالإضافة إلى الفروق الكثيرة القائمة بين واقع الحركة الإسلامية المعاصرة وواقع الدعوة الإسلامية الأولى من جانب، وبين الواقع التاريخي الجاهلي والواقع الجاهلي المعاصر من جهة أخرى، حيث كانت الدعوة الإسلامية الأولى تنظيمًا يضم كل المسلمين في حين تضم الحركة الإسلامية المعاصرة بعض المسلمين، فالأولى كانت جماعة المسلمين والمعاصرة جماعة من المسلمين، وهذا يجعل الدعوة الإسلامية تتحرك في مواجهة الجاهلية وحدها، بينما يجعل الحركة الإسلامية المعاصرة في موقف حرج؛ فهي بالإضافة إلى حركتها في مواجهة الجاهلية المعاصرة مضطرة أن يكون لها مواقف محرجة مع القاعدة العريضة للشعوب الإسلامية التي لا تخضع لقيادتها، ومثل هذا الوضع تستفيد منه الأنظمة الجاهلية فوائد كثيرة ومتعددة.

فالحركة الإسلامية المعاصرة -من حيث أرادت أو لم ترد- باعتبارها جماعة من المسلمين فقد وضعت نفسها في الطريق الحزبي الذي تسلكه الأحزاب المعاصرة إذا ما أرادت الوصول إلى الحكم. وقطعًا لهذه الطرق أمام الحركة الإسلامية المعاصرة فقد سدت الأبواب أمام الإسلاميين بحيث لا يتمكنون من الحصول على قوة عسكرية داخل جيوش دولهم تمكنهم من القيام بانقلابٍ عسكري، والثورة الشعبية المسلحة مستبعدة في ظل مثل أنظمة الحكم المستبدة القائمة في معظم أنحاء العالم الإسلامي؛ لأنها تحتاج إلى إعداد طويل دقيق وتدريب منظم يصعب القيام به تحت كل هذه الأنظمة وكثيرًا ما ينكشف ويكون انكشافه كارثةً على المسلمين.

فلم يبق أمام الحركة الإسلامية إلا الطريق الثالث وهو طريق العمل السياسي الحزبي والذي يؤدي إلى المشاركة في الحكم غير الإسلامي. وقد لاحظ أعداء الإسلام في الداخل والخارج أن البلاد الإسلامية التي تحكم بالديمقراطية البرلمانية ينتعش فيها الإسلام وتقوى الحركة الإسلامية وتفرض وجودها على الساحة كمنافسٍ قوي للأحزاب المناوئة للإسلام، ومن هنا حرص أعداء الإسلام الدوليون أن يحكم العالم الإسلامي بالحديد والنار بدلًا من الديمقراطية النيابية.

وأمام هذا الواقع البائس الذي يعيشه المسلمون المعاصرون تقف الحركة الإسلامية مفكروها، فمنهم من ينظر إلى الصورة التاريخية للدولة الإسلامية الأولى ويعتبرها القياس الذي ينبغي أن تسير عليه الحركة الإسلامية المعاصرة، وهو بذلك يسقط كل الفروق التي أشرنا إليها بين واقع الحركة الإسلامية المعاصرة وواقع الدعوة الإسلامية الأولى من جانب، كما يسقط كل الفروق بين واقع الجاهلية التاريخية ذات السلطان المحدود وواقع الجاهلية المعاصرة التي يغطي نفوذها كل مكان، كما يسقط كل المتغيرات التي أحدثتها الثورة العلمية والتي تشكل قوة هائلة بيد الجاهلية المعاصرة، ويدعو إلى أن نسير في نفس الخطوات، ثم هو لا يبين كيف يمكن أن تتم هذه الخطوات مع هذه الفروق والمتغيرات. ولا شك بأن هذه الصورة التاريخية لو كانت ممكنة لا يمكن أن يعدل بها صورة أخرى؛ لأنها الصورة المثالية التي يمكن بها انتقال الإسلام إلى الحكم من أقرب الطرق ودون سلبيات كثيرة. ولكن الأمنية شيء والواقع شيء آخر.

والذي يقف عند هذه الصورة لا يتعداها قد لا يجيز الصورة الأخرى نظرًا لما يترتب عليها من سلبيات كثيرة ورغم ما يمكن أن تحققه من منافع جزئية أو أهداف مرحلية، ومن هنا تكون الفتوى بعدم جواز المشاركة في الحكم غير الإسلامي. ويرى الآخرون أن الصورة المثالية التاريخية ليس لها فرصة التحقق في الواقع المعاصر، ومن ثم فليس أمامهم إلا محاولة الوصول عن طريق الممكن من الصور الأخرى أو اتخاذ موقفٍ سلبي من الصراع يخرجهم من دائرة التأثير في الواقع وتغيير ما يمكن تغييره ودفع أكبر الشرَّين بارتكاب أخفهما.

أثر إقصاء الخلافة

إن أكبر ضربة وجهت إلى الإسلام خلال تاريخه الطويل كانت إقصاءه عن مجال الحكم والدولة بإلغاء الخلافة الإسلامية، وإن كان ما يعانيه المسلمون من مشكلات في كل شؤونهم يعود إلى هذه الكارثة الكبرى، فإذا استطاع المسلمون التغلب على هذه المصيبة الكبرى بإعادة الإسلام إلى الحكم والدولة استطاعوا أن يحلوا كل مشكلاتهم وأن يوجهوا سير التاريخ مرة أخرى من جهته الإسلامية الصحيحة.

وأمام هذا الهدف الكبير الذي قامت الحركة الإسلامية لتحقيقه لا يمكن الاحتجاج عليه بأمور جزئية تتعارض معه؛ لأنه في حالة تعارض الجزئي مع الكلي يكون الترجيح للجانب الكلي، والأمثلة على ذلك في الفقه الإسلامي أكثر من أن تحصى. وإن أكثر الأدلة التي يعترض بها من لا يجيز المشاركة في الحكم غير الإسلامي باعتبارها الصورة المتاحة للوصول إلى الحكم في المرحلة الراهنة إنما هي من هذا القبيل.

إن مرونة الشريعة الإسلامية وواقعيتها لا يمكن أن تحول دون تحقيق الأهداف الكبيرة بسبب معارضات جزئية، كما لا يمكن أن توقع المسلمين في الحرج وتقصرهم على صورة واحدة من صور الوصول إلى الحكم رغم استحالتها في بعض الظروف والأوضاع؛ وذلك لأنها جاءت لكل زمان ومكان ولكل الظروف والأحوال، ومن ثم نرى أن الأحكام التي جاءت في هذا المجال ليست على إطلاقها وإنما هي مرهونة بظروف إمكانية تطبيقها وبمقدار ما تحققه من فوائد وما تدفعه من مضار. وإنه إذا تعذر تطبيق الصورة الأولى يمكن الانتقال إلى الثانية أو الثالثة أو الرابعة، وإن ذلك قد يختلف باختلاف الزمان والمكان وباختلاف ظروف الحركة الإسلامية في كل قطر. بل قد يكون من المصلحة في بعض الأحيان السير في هذه الطرق الأربعة بخطوط متوازية في مرحلة من المراحل حتى تترجح واحدة منها في النهاية.

ويمكن أن نستدل لما ذهبنا إليه بمشاركة يوسف -عليه السلام- في الحكم غير الإسلامي في زمن العزيز وتوليه الوزارة، كما يمكن الاستدلال ببقاء النجاشي على رأس الحكم غير الإسلامي في الحبشة زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعدم اعتراض الرسول -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، ولم نعتبر النجاشي نتيجة لذلك خارجًا عن الإسلام، بل إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر بالصلاة عليه صلاة الغائب حينما توفي.

الرابط المختصر :