العنوان مقال الأسبوع: نحو نظام اقتصادي إسلامي عالمي بعيدًا عن تخبط الرأسمالية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1992
مشاهدات 49
نشر في العدد 1020
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 13-أكتوبر-1992
أزمة النظام الاقتصادي العالمي: بين وهم الحداثة وضرورة الزكاة
قصور النظم الاقتصادية البشرية
· كلما وقف النص اليوم أمام أهواء البشر، رفع شعار الحداثة، وكأن كلمة مستحدث مُبرر.
· لقد استطاع الغزو العسكري والفكري أن يخرجنا من الزكاة إلى الضرائب ماليًا، ومن المشاركة إلى الربا نقديًا.
لم تنجح البشرية حتى اليوم في الوصول إلى نظام يتحقق فيه التخصيص الجيد للموارد مع الاستقرار النقدي وعدالة التوزيع. وعلى حد قول أحدهم: «الواقع إن المشكلة ليست مشكلة العقول المفكرة، بل مشكلة عدم وجود الدوافع، فأتباع اللورد «كينز» متمسكون بأن الرأسمالية في جوهرها نظام غير مستقر، ولكن باستطاعة الحكومة حمله على الاستقرار. أما النقديون فيقولون بأن النظام مستقر أساسًا، ولكن تدخلات الحكومة تحدث عدم الاستقرار». ولكن الشيء الذي يجب إدراكه هو أن النظام الرأسمالي نظام غير مستقر جوهرًا وأساسًا، وأن تدخلات الحكومة السطحية فيه- وإن كانت تحمله على الاستقرار لفترة محدودة- تزيد من تعقيد عدم استقراره على المدى الطويل، عندما تزداد أحجام التقلبات. للمزيد عن نظريات كينز والنقديين، يمكن الرجوع إلى كتب الاقتصاد الكلي.
سبب الفشل وقيود التفكير
إن السبب الرئيسي هو أن الباحثين يبحثون داخل النظام ولا ينخلعون من إساره، ولهذا يأخذون الأدوات الاقتصادية كالضرائب والفائدة كمسلمات لا تناقش. وقد حاول البعض- كما رأينا- فيما لا يزيد عن مجال الفكر، التنبيه إلى كارثة الربا، والاستشراف إلى نظام الزكاة، ولكن لم يكن لديهم همة الدعاة ولا إرادة التغيير، فوقفت أمامهم مراكز القوة، ومنعتهم سطوة أصحاب المصالح، وقعد بهم الإلف وحب الدنيا، فأخلدوا إلى الأرض!
والحلول المؤقتة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخسران، والتغيير أصبح ضرورة عصر، ولكنه يحتاج إلى عقيدة تغير الإنسان وتنطلق به، وشريعة تغير الواقع وترشده.
التبعية ومسخ الإسلام
وأحنى المسلمون أو معظمهم رأسهم في تبعية ذليلة لهذه النظم الفاسدة، بل بلغ بهم الخبل حدًا خطيرًا بمحاولتهم مسخ الإسلام وتطويعه لهذا الضلال، فكلما وقف النص اليوم أمام أهواء البشر، رفع شعار الحداثة، وكأن كلمة مستحدث مُبرر لتخطى الحرام. وإذا دعوا إلى الهدى تمسحوا في التيسير ولا يفهمون أن اليسر في طاعة الله، وأن العسر في معصيته: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾(البقرة: 185)... كل هذا وأصحاب النظم الضالة يصرخون ويبحثون عن سبل الرشاد.
لقد استطاع الغزو العسكري والفكري أن يخرجنا من الزكاة إلى الضرائب ماليًا، ومن المشاركة إلى الربا نقديًا... لقد أراد الله للمسلمين الإمامة والأستاذية ليخرجوا البشر من الظلمات إلى النور، ولكنهم أبوا إلا أن يكونوا كالقردة الخاسئين!
فشل السياسات المالية والنقدية
إن فشل السياسة المالية المعتمدة على الضرائب وفشل السياسة النقدية المعتمدة على الفائدة في الدرجة الأولى في تحقيق هذه الأهداف معروف لجميع الاقتصاديين، رغم ما تراكم من خبرات وما توافر من تكنولوجيا... ومن الملاحظ أن الخلط بين الإنتاج العام والحاجات العامة سبب في اضطراب التنمية. وتؤدي الضرائب إلى الإضرار بالإنتاج والظلم في التوزيع، والضياع للفقراء. وهناك المحاولات الحثيثة من علماء الغرب للتحول من نظام الضرائب المعاصر من الدخل إلى الثروة... وعلى المستوى النقدي أضر الربا بالاستقرار، وتحولت القناعة الفكرية من الاقتراض إلى المشاركة، ومن الربا إلى الربح.
سر تحريم الربا وتلازمه مع الزكاة
وقد انتهى بعض الاقتصاديين المحدثين إلى ضرورة التلازم بين إزاحة الفائدة وفرض الضريبة على الثروة التي تمنع من الاكتناز. يقول «كينز»: «ومن هنا فإن الضرورة الأولية هي إنقاص سعر الفائدة النقدي، وهذا كما أشار «جسل» يمكن تحقيقه بأن تتحمل النقود نفقة في حملها كغيرها من السلع العقيمة... والضريبة التي اقترحها جسل 1٪ أسبوعيًا وهي تعادل 52٪ سنويًا، ولكن هذا يكون عاليًا في الظروف الحالية». وقد بين مسجريف في دراسته المالية العامة أن هذه النسبة على الثروة 2.5٪. وهنا ندرك السر العظيم في تلازم تحريم الربا مع فرض الزكاة في السياق القرآني، وتحديد 2.5٪ زكاة على المال. لهذا كانت رسالة الرسل للناس في هذا المجال، والتي يتفق عليها حتى اليوم بعض أهل الكتاب، هي تحريم الربا وإيتاء الزكاة، ولا ينكر ذلك إلا جاهل وجاحد. للاستزادة، ابحث عن مساهمات مسجريف في المالية العامة.
قواعد الاقتصاد الإسلامي والسوق الليبرالية
وهذه هي معالم النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي يشق طريقه في عقول العلماء. وهذه قاعدة الاقتصاد الإسلامي على المستوى الكلي والنقدي: قاعدة آمرة هي الزكاة ركن الإسلام، وقاعدة ناهية هي الربا أكبر الكبائر... وكما هدى الإسلام الناس بنظامه الاقتصادي على مستوى الاقتصاد العام ومستوى الاقتصاد الكلي والنقدي، فقد أرشدهم أيضًا إلى الهدى في معاملاتهم على مستوى السوق.
وهذا على المستوى الجزئي عبرت عنه الليبرالية باقتصاديات المنافسة وآلية السوق، وبشرت فيه بدعوى الحرية في مضمونها الاقتصادي جنبًا إلى جنب مع مضمونها السياسي تحت شعار الديمقراطية.
ولقد شقت جماهير العالم العربي خاصة وأمم العالم الثالث عامة بهذه الدعوى، فحين رفع شعار الحرية وأهدرت قيم العدل في توزيع الدخل وقيم الرحمة في الرعاية الاجتماعية للفقراء، تحولت الدنيا إلى غابة يطغى فيها القوي ويسحق الضعيف.
ففي سوق الليبرالية يسود ما يسمى سعر التوازن، ويدعم بالرياضيات الباردة لإعطائه صبغة العلمية، وهو مجرد من القيم فيستخدم لخدمة السلوك الاحتكاري والتخطيط الشمولي بنفس حماس تحليل المنافسة الكاملة، وذلك انطلاقًا من رفض الغرب للتحليل القيمي «Normative» واستبعاده لما يجب أن يكون، فهو لا يعرف إلا المنفعة كوسيلة والإشباع المادي كغاية والإنسان الاقتصادي كأداة. وهنا عجز عن متابعة الانحرافات في السوق من ربا وقمار وغش واحتكار، وشاعت لذلك في الدنيا مظالم سوء توزيع الدخل ومآسي إهدار حقوق الفقراء. وانقسم العالم الغربي في داخله إلى قلة مترفة من الأغنياء وكثرة مطحونة من الفقراء، وانقسم العالم دوليًا إلى غرب مستغل بقوته الغاشمة واحتكاراته الظالمة، وعالم ثالث ضائع بضعفه مطحون بفقره.
الغرب يترنح ونداء الخلاص
وتمامًا كما قضي على الشرق الشيوعي حين رفع دعوى العدل الاجتماعي وأهدر قيم الحرية، فإن الغرب اليوم يترنح نحو الهاوية تحت مطارق الانحلال والركود والأزمات بإهداره قيم العدل الاجتماعي تحت دعوى الحرية.
ولا يحرر المستضعفين في الأرض اليوم إلا قيم الدين. فلقد اتفقت جميع الدراسات في أصولها غير المحرفة على إقامة السوق على أسس العدل، لذلك شجبت أكل المال بالباطل بكل ضروبه من ربا واحتكار إلى غش وخداع إلى قمار وميسر. وحين جُرمت هذه السلوكيات المنحرفة، شُرعت وسائل اجتثاثها من جذورها لتحقيق العدالة في المعاملات والإنصاف في توزيع الدخل. وفي تشريعها لتحقيق العدالة، نظمت رعاية الفقير على أساس الحق بفريضة تؤخذ من الأغنياء وترد إلى الفقراء.
لهذا كان من الواجب أن يلتقي العقلاء على إنقاذ المستضعفين من الاستغلال وإقامة العدل بين الناس وحماية الفقراء من الحرمان، احترامًا لإنسانيتهم وطاعة لربهم وحرصًا على حضارتهم وإنقاذًا لمستقبلهم. وعلى الغرب أن يتجاوز موقفه في عصر النهضة من الدين، وعلى الإنسان في كل الدنيا أن يرجع إلى الله ليرشد تقدمه ويضبط غرائزه ويصوب فكره، حتى تنقذ الدنيا من المظالم وتحرر من الشقاء: صدق الله العظيم.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (النساء: 174-175).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل