العنوان مقال.. الحكم الذاتي.. أزمة مفاوضات أم تطلعات توراتية تلمودية؟ "
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997
مشاهدات 61
نشر في العدد 1265
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 02-سبتمبر-1997
وصل نتنياهو إلى الحكم إثر انتخابات عام ١٩٩٦م في إسرائيل، فغير مقولة ”الأرض مقابل السلام"" إلى ""الأمن مقابل السلام""، وبهذا أحدث تغييرًا نوعيًّا في المفاوضات، ثم فتح النفق الذي يمر تحت الأقصى المبارك في سبتمبر من عام ١٩٩٦م متحديًّا مشاعر المسلمين ومستخفًا بالقيادة الفلسطينية التي هي طرف رئيس في تحديد أي شيء يتعلق بالقدس حسب اتفاقات أوسلو، وبعد قليل من توقف معركة النفق بدأ ببناء مستعمرة في جبل أبو غنيم في مارس من عام ١٩٩٧م، هادفًا تغيير وضع القدس وتوسيع الاستيطان اليهودي فيها.
وقد صرح قبل ذلك عدة مرات بأن القدس ستبقى موحدة ولن تتجزأ وستكون العاصمة الأبدية لإسرائيل، وكانت إحدى المرات التي أعلن فيها ذلك في الكونجرس الأمريكي حيث ألقى أول خطاب له بعد انتخابه رئيسًا للوزراء وكان تجاوب المجلس معه كبيرًا حيث صفق له النواب والشيوخ وقوفِا لعدة دقائق، ثم جاء بعجيبة أخرى وهي تخليه عن اتفاقات أوسلو وباعتبارها غير صالحة للمرحلة الحالية، فأبدى رغبته في تجاوزها والانتقال إلى المرحلة النهائية من المفاوضات، وقد سريت أوساطه تصريحًا أفاد بأن إسرائيل ستعطي الحكم الذاتي فقط ٤٠٪ من أرض الضفة الغربية ناقضة بذلك بعض بنود اتفاق أوسلو وكانت ذروة الانحدار في الموقف قيام إحدى المستوطنات اليهوديات بلصق صور على أبواب المحلات في مدينة الخليل تحقر الرسول الكريم ﷺ وتستهزئ بالقرآن الكريم وقد استمرت حكومة نتنياهو في إصدار التشريعات والقرارات التي تلتهم الأرض، فقد اتخذ الكنيست الإسرائيلي قرارًا بتكريس الاحتلال الإسرائيلي للجولان في ٢٣/۷/١٩٩٧م، وكان نتنياهو ضمن الموافقين عليه في القراءة الأولى، كما اتخذت بلدية القدس قرارًا ببناء مستوطنة جديدة في رأس العامود بتاريخ ٢٥/٧/١٩٩٧.
والسؤال الأن ما الذي تعبر عنه مواقف نتنياهو؟ هل تعبر عن شخصه أم تعبر عن حزب الليكود أم تعبر عن موقف الشعب اليهودي؟ الحقيقة إن مواقف نتنياهو تعبر عن موقف غالبية الشعب اليهودي، وذلك لأن مواقفه التي ينفذها الأن سبق أن طرحها في برنامجه الانتخابي، وعندما تغلب على منافسه شيمون بيريز فاز بأغلبية بسيطة، لكن يجب أن نضع في الاعتبار بأن كل عرب الأرض المحتلة الذين يحق لهم التصويت وقفوا إلى جانب بيريز، مما يعني أن نتنياهو حصل على أغلبية كبيرة من أصوات اليهود الذين صوتوا في الانتخابات.
وأما موقف الولايات المتحدة فلا يقل غرابة عن الموقف الإسرائيلي، فقد دخلت مفاوضات مدريد راعية للسلام، ويفترض أن يكون موقفها حياديًّا وضاغطًا على إسرائيل من أجل تنفيذ الاتفاقات التي وقعت بشهادتها، لكن نجدها عكس ذلك منحازة إلى إسرائيل فقد استخدمت حق النقض عدة مرات في مجلس الأمن من أجل الحيلولة دون إدانتها في فتح النفق وفي بناء مستوطنة جبل أبي غنيم، وبلغ الانحياز ذروته عندما اتخذ الكونجرس قرارًا في يونيو الماضي باعتبار القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وهذا الأمر هو تأكيد لقرار سابق يعترف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل ويأمر بنقل السفارة الأمريكية إليها في موعد أقصاه ۱۹۹۹/٥/۳۱، ويأمر وزير الخارجية بتقديم تقرير نصف سنوي حول التقدم الذي يتم إحرازه في نقل السفارة.
على ضوء الانحيازات السابقة هو بماذا نعلل مواقف الولايات المتحدة المتطابقة مع مواقف إسرائيل؟ يمكن تعليلها بالأمور التالية:
- ضعف الموقف العربي الجماعي ومعرفة أمريكا بأن انحيازها إلى إسرائيل لا يكلفها أي ثمن أو أي خسارة.
- تجاوب المجتمع الأمريكي مع الأوهام التوراتية التي تقوم على ارتباط اليهود بالقدس وتصديق المقولات اليهودية التي تدعو إلى التسريع بنزول المسيح عليه السلام من خلال التسريع بسيطرة اليهود على فلسطين والقدس.
- سيطرة اللوبي اليهودي على الكونجرس وعلى الإدارة الأمريكية، وإذا كانت فضيحة روترجيت أسقطت نيكسون فإن اللوبي اليهودي يملك الأن عشرات الفضائح التي يستطيع من خلالها إسقاط كلينتون، مما يجعله آلة طيعة في يد اليهود وأمانيهم وتطلعاتهم.
والسؤال الأن: ما الحقائق المهمة التي يمكن أن نقرأها ونستنبطها من خلال الموقفين اليهودي والأمريكي؟
الحقيقة الأولى: إسرائيل تريد الأرض كل الأرض، فهي تتوسع في الاستيطان في القدس وتتراجع عن اتفاقيات أوسلو، وتلوح بأنها ستعطي الطرف الفلسطيني في حدود ٤٠٪ من الضفة الغربية، وتجمد المسار السوري، وترفض القبول بمبدأ إعادة الجولان، وتهدد بأنها ستحتل مرة ثانية مدن الحكم الذاتي، تفعل كل ذلك انطلاقًا من أوهام توراتية تقوم على أن فلسطين أرض الميعاد، وأن أرض إسرائيل من الفرات إلى النيل، وأن القدس عاصمة اليهود التي سيجلس عليها أحد أحفاد داود عليه السلام وسيحكم العالم من خلالها.
الحقيقة الثانية: لا قيمة للمعاهدات والاتفاقات عند حكام إسرائيل، فقد ضرب نتنياهو عرض الحائط بكل ما وقعه إسحاق رابين، وشيمون بيريز، وتخلى عن كل ما وعدا به وأخل بكل ما تفاهما عليه مع الفلسطينيين في اتفاق أوسلو ومع السوريين بخصوص الانسحاب من الجولان مع أنه يجب أن يبقى ملتزمًا بكل ذلك، لأن ذلك أدنى مبادئ التعامل الدولي، ومع ذلك لا تجد أدنى احترام لأي توقيعات سابقة، وإن نقض المواثيق والمعاهدات يأتي تصديقًا لقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ (المائدة: ١٣) فالذي ينقض العهد مع الله ينقض العهد مع العباد من باب أولى.
الحقيقة الثالثة: إسرائيل تريد أن تكون لها السيادة والهيمنة على المنطقة بالدرجة الأولى، لذلك احتفظت بقوتها النووية، ولم توقع على اتفاق تحريم التجارب النووية، ولم تخضع مفاعلاتها النووية للتفتيش الدولي، وكانت إحدى نقاط الخلاف بين سورية وإسرائيل أثناء مفاوضات واشنطن رغبة إسرائيل في تحديد أعداد الأسلحة وأنواعها التي يجب أن تمتلكها سورية.
الحقيقة الرابعة: أمريكا تريد أن تبقى إسرائيل هي الدولة الأقوى المهيمنة على دول المنطقة وشعوبها، لذلك فهي تمدها بكل أنواع الأسلحة المتطورة، والكمبيوترات العملاقة، وتعطيها كل ما تحتاجه، وتطور معها أنواعًا من الأسلحة مثل صاروخ «أرو»، وتساعدها في إطلاق أقمار صناعية للتجسس على الدول العربية، وتغض الطرف عن كل نشاطاتها النووية، وتستخدم حق النقض لصالحها مع مخالفة ذلك لالتزاماتها السابقة.
والأن على ضوء ذلك كله، فما الواجبات الملقاة على القيادة الفلسطينية للحكم الذاتي وعلى الفصائل والقيادات الإسلامية في المرحلة القادمة؟
لقد تنكر الطرف اليهودي لكل اتفاقاته وعهوده السابقة التي مهرها بتوقيعه، وثبت انحياز الوسط الأمريكي إليه، لذلك فعلى القيادة الفلسطينية أن تعيد النظر في كل استراتيجيتها السابقة وتقيم استراتيجية جديدة تقوم على التمسك بثوابت الأمة، وتقوم على المطالبة بالندية في التعامل والانطلاق من حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
أصبحت الفصائل الإسلامية في الساحة الفلسطينية هي الأمل المنشود في إنقاذ القضية الفلسطينية من الأزمة التي توصلت إليها في المرحلة القادمة وهذا مما ضاعف مسؤوليتها، لذلك فعليها أن تنقل القضية الفلسطينية من المستوى القطري الذي تردت فيه إلى مستوى الأمة لتعيدها إلى وضعها الطبيعي الذي كانت عليه، كذلك عليها أن تستمر في بث روح الجهاد في الأمة وحمل رايته أمامها.
توسع القطاع المدني في حياة شعبنا الفلسطيني في السنوات الأخيرة، وهو ما انتبهت له إسرائيل وشرعت في التضييق عليه، لذلك فعلى فصائل العمل الإسلامي أن تجتهد في إغنائه وتوسيعه بكل الوسائل الممكنة، لأنه سيكون سندًا لها في الصمود والمواجهة.
هذه بعض معالم صورة الواقع الذي تتردى فيه القضية الفلسطينية، وهذه بعض مؤامرات اليهود على الأقصى المبارك، وهذه بعض الواجبات الملقاة على الأمة الإسلامية في هذه المرحلة من أجل إيقاف اليهود عن تحقيق أحلامهم المريضة، فهل هي فاعلة ذلك؟ نعم ستفعل ذلك بإذن الله، وستقوم بواجباتها كما عودتنا على ذلك في تاريخها المجيد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل