العنوان الإسلاميون والربانية
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
مشاهدات 111
نشر في العدد 1227
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
- إن حاجة الإسلاميين إلى الربانية تفوق حاجة الآخرين لأنها الصفة التي تشرق بها حياتهم
الربانية حالة من الانجذاب الكامل، والانصياع الشامل، والانقياد الكلي لأمر الله وشرعه الذي أنزل، وسلوك طريق نبيه الذي أرسل، الربانية ليست حالة تظهر في مناسبة من المناسبات، وإنما هي حالة حاضرة في كل المناسبات وفي كل الأوقات، والربانية ليست حالة حضور في جانب من جوانب الحياة، وإنما هي حالة حضور في كل جوانب الحياة، وهذا الحضور تبدو أبعاده في البيان الإلهي: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنعام: 162).
والربانية ليست حالة مصطنعة متكلفة، وإنما هي حالة فطرية تتجلى في كل حركة من حركات الإنسان الرباني، في صلاته وصومه وحجه، في أخلاقه ومعاملاته وعلاقاته، في بيته ومجتمعه، في سره وعلانيته، في عمله وفسحته، في جده ومرحه، الربانية صبغة الداعية في دعوته، وعصمة السياسي في سياسته، وشفافية المسلم في مظهره ومخبره في سره وعلانيته، الربانية هي التي تجعل الحياة في نظر الرباني ساعة، وتعينه لأن يحيلها «طاعة».
من مظاهر الربانية
الربانية حالة عيش مع الله في كل الظروف والأحوال، ففي حالة اليسر تكون شكرًا «إن أصابته سراء شكر» ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (سورة إبراهيم: 7)، وفي حالة العسر تصبح صبرًا «وإن أصابته ضراء صبر» ﴿وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ (سورة البقرة: 177).
وفي حالة الوحشة تتحول أنسًا بالله، وفي حالة الخوف تدفع إلى التماس معية الله ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (سورة التوبة: 40)، وفي حالة الفتنة تلح على الاعتصام بحبل الله، وفي مواجهة المنكر تستحث إرادة التغيير: «من رأى منكم منكرَا فلغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه» الحديث، وفي مواجهة العدو تستثير عزيمة الجهاد وأمنية الشهادة في سبيل الله:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً * * * على أي جنب كان في الله مصرعي
وفي مواجهة الإغراء والإغواء تذكر برقابة الله، وفي مواجهة الظلمة والطواغيت تبعث قوة الصدع بالحق «من خاف من الله خافه كل شيء» الحديث «نصرت بالرعب»، وفي مواجهة الهموم والغموم يكون الانشغال بالهم الأساس وهو رضا الله «وإن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي» «من جعل الهم هماً واحداً كفاه الله هموم الدنيا جميعاً، ومن تشعبت به الهموم لا يبالي الله بأي واد هلك» حديث.
وحيال وسوسة الشياطين تكون المواجهة بالاستعاذة بالله «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وفي مواجهة إساءات المقربين تكون المواجهة بالإحسان «أن تحسن إلى من أساء إليك تكن محسنًا» حديث، وفي مواجهة الابتلاء تكون تعزية النفس بما كان يعزي به الأولون أنفسهم، حيث قال أحدهم: «والله ما ابتليت ببلاء إلا كان لي فيه من الله أربع:
١- أنه لم يكن في ديني.
٢ - أنه لم يكن أعظم.
٣- أنه أعانني على الرضا به.
٤- أنني أرجو الثواب عليه.
وفي مخاطبة الجاهلين قالوا سلامًا، وفي مواجهة الهزيمة تلمسوا العبرة، وفتشوا عن المعصية ﴿وَما أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (سورة الشورى: 30)، وحيال أخطاء أهل الله التمسوا الأعذار، ولم يتتبعوا العورات، وفي مواجهة الأفراح لم ينسوا الأحزان وأهل الأحزان، وفي مواجهة الأمراض والعلل لم يقطعوا الأمل بشفاء الله.
إذا دفنوا موتاهم اعتبروا وللموت تذكروا وتحضروا.
وإذا رزقوا من نعم الله أدوا شكرها، وأخرجوا زكاتها.
وإذا تذكروا الجنة عملوا لها.
وإذا تذكروا النار فروا مما ينجيهم منها.
وإذا تزوجوا، ليحصنوا فروجهم، ويغضوا أبصارهم، استحقوا ولاية الله: «من نكح لله وأنكح لله فقد استحق ولاية الله» حديث شريف، وإذا رزقوا ذرية سألوا الله أن تكون صالحة رضية: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (سورة الفرقان: 74).
وإذا ائتمونا لم يخونوا...
وإذا خاصموا لم يفجروا...
وإذا حدثوا صدقوا...
وإذا عاهدوا لم يغدروا...
حاجة الإسلاميين إلى الربانية
إن حاجة الإسلاميين إلى الربانية تفوق حاجة الآخرين وعموم المسلمين؛ لأنها الصفة التي تشرق بها حياتهم، وتستقيم بها خطواتهم، وتصلح بها أعمالهم، وتسدد بها أقوالهم، وينالون بها سعادة الدنيا والآخرة والساحة الإسلامية بحاجة إلى:
- العالم الرباني الذي ينير القلوب بمعرفة الله، ويؤثر في الناس بلسان حاله قبل لسان مقاله، ويكون خطابه مضيئاً يلامس شغاف القلوب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «من عمل بما علم أورثه الله علم ما لا يعلم».
- والداعية الرباني الذي يدعو إلى الله على بصيرة بالحكمة والقدوة والموعظة الحسنة، فيقرب الجافي البعيد، ويحبب بالإسلام المعرض البغيض، يتواضع حيث يجب التواضع، ويصدع بالحق حيث يفرض الصدع إلف مألوف، رحيم عطوف وفوق كل ذلك كيس فطن ليس بالخب ولا الخب يخدعه.
- والسياسي الرباني: محاكماً كان أو وزيراً أو نائباً أو غير ذلك، الذي كلما علا شأنه تواضع من غير ذلة، وكلما قويت شوكته استعاذ بالله من نفخة الكبرياء، يصبح أكثر إقبالاً على الله، متلمساً عونه وتوفيقه وهداه، فهو الأحوج إلى أن يجنبه الله المزالق، ويقيه المهالك، ويسدد خطاه ويبلغه مناه، لا يركن إلى عبقريته وشطارته وذكائه، وهو يعلم أنه قد يسلبها منه بلمح البصر، ولا يغره كثرة المادحين والمصفقين والرعاع من حوله، فلكم صفقوا لغيره وكان نسيًا منسيًا.
- والتاجر الرباني السمح إذا باع والسمح إذا اشترى، يؤدي حق الله عليه في ماله، فضلاً عن زكاة أمواله، وهو الزاهد وإن امتلأت حساباته بالأرصدة والودائع، واتسعت دائرة عقاراته وممتلكاته، وهو الذي يتحرى الحلال الطيب من الكسب، ولا ينسى لحظة أن الله مسائله ساعة وصوله إلى قبره: عن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وهكذا العامل، والطالب، والموظف، وغيرهم، بل هكذا أمير القوم وقائدهم، وجنديهم ومسؤولهم وخادمهم، هكذا الأبوان في البيت، والإخوان في الإسلام، والأعضاء في الجماعة، والرفاق في السفر، والشركاء في التجارة، والأفراد في المجتمع.
فإذا بالعائلة عائلة ربانية، وإذا بالجماعة جماعة ربانية، وإذا بالمؤسسة مؤسسة ربانية، وإذا بالإخوة إخوة ربانية، وإذا بالتربية تربية ربانية، وإذا بالعلاقة علاقة ربانية، وإذا باللقاء لقاء ربانياً تحفه الملائكة، وتغشاه الرحمة، وتتنزل عليه السكينة، وعلى من فيه الملائكة.
فما أحوج الساحة الإسلامية إلى هذه المناخات الربانية تطهرها من سمومها وقذاراتها وأرجاسها وزغلها ودخنها، ليتغير الحال، ويحل الرضاء، ويرتفع السخط، ويتحقق النجاح والفلاح.
جاء عن جبير بن نفير أنه قال: «ولما فتحت قبرص فرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، فقال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق علي الله إن أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى؟ الجواب الكافي ص ٤٨ وصدق الشاعر حيث يقول:
إذا كنت في نعمة فارعها * * * وحطها بطاعة رب العباد
وإياك والظلم مهما استطعت * * * وسافر بقلبك بين الورى
فتلك مساكنهم بعدهم * * * فإن الذنوب تزيل النعم
برب العباد سريع النقم * * * فظلم العباد شديد الوحم
لتبصر آثار من قد ظلم * * * شهود عليهم ولا تتهم
طريق السلوك إلى الربانية
هنالك طريق واحد لا ثالث له، ولا غموض فيه ولا فلسفة له، ومنه تتفرع الأسباب، وتتوالد المفردات هذا الطريق حدده رسول الله - صلي الله عليه وسلم- بقوله: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي» للبخاري ومسلم وغيرهما. هذا الطريق يمكن أن يحقق الحياة الربانية من خلال ثلاث شعب: الأولى مجاهدة النفس بالطاعات والعبادات: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّنِيِّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (سورة آل عمران: ۷۹)، الثانية: قصر النفس عن الأهواء والشهوات ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (سورة المائدة: 63)، وخطب علي بن أبي طالب فقال: «أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا بالمعاصي أخذتهم العقوبات، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقاً، ولا يقرب أجلًا»، الثالثة: ربط النفس بالإسلام، لتعيش الإسلام وللإسلام، وصدق الله -تعالى- حيث يقول: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: ١٤٦).
وهناك حديث شريف جامع على طريق إحياء الربانية
«عن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، جئت أسألك عما يغنيني في الدنيا والآخرة، فقال رسول الله سل عما بدا لك، قال: أريد أن أكون أعلم الناس فقال: اتق الله تكن أعلم الناس، قال: أريد أن أكون أغنى الناس، فقال: كن قانعًا تكن أغنى الناس، قال: أحب أن أكون أعدل الناس فقال: أحب للناس ما تحب لنفسك تكن أعدل الناس، قال: أحب أن أكون خير الناس، فقال: كن نافعًا للناس تكن خير الناس، قال: أحب أن أكون أخص الناس إلى الله فقال: أكثر ذكر الله تكن أخص الناس لله، قال: أحب أن يكمل إيماني، فقال: حسن خلقك يكمل إيمانك، قال: أحب أن أكون من المحسنين فقال: اعبد الله كأنك تراه، وإن لم تكن تراه فإنه يراك تكن من المحسنين، قال: أحب أن أكون من المطيعين فقال: أد فرائض الله تكن من المطيعين، قال: أحب أن ألقى الله نقيًا من الذنوب، فقال: اغتسل من الجنابة متطهرًا تلقى الله نقيًا من الذنوب، قال: أحب أن أحشر يوم القيامة في النور، فقال: لا تظلم أحدًا تحشر يوم القيامة في النور، قال: أحب أن يرحمني ربي يوم القيامة فقال: ارحم نفسك وارحم عباده يرحمك الله يوم القيامة، قال: أحب أن تقل ذنوبي، فقال: أكثر من الاستغفار تقل ذنوبك، قال: أحب أن أكون أكرم الناس، فقال: لا تشك من أمرك شيئًا إلى الخلق تكن أكرم الناس، قال: أحب أن أكون أقوى الناس، فقال: توكل على الله تكن أقوى الناس، قال: أحب أن يوسع الله علي في الرزق، فقال: دم على الطهارة يوسع الله عليك في الرزق، قال: أحب أن أكون من أحباب الله، فقال: أحب ما أحبه الله ورسوله تكن من أحبابهم، قال: أحب أن أكون آمنًا من سخط الله يوم القيامة، فقال: لا تغضب على أحد من خلق الله تكن آمناً من سخط الله يوم القيامة، قال: أحب أن تستجاب دعوتي قال: اجتنب أكل الحرام تستجاب دعوتك، قال: أحب أن يسترني ربي يوم القيامة، قال: استر عيوب إخوانك يسترك الله يوم القيامة، قال: ما الذي ينجي من الذنوب؟ أو قال من الخطايا؟ قال: الدموع والخضوع والأمراض، قال: أي حسنة أعظم عند الله تعالى، قال: حسن الخلق والتواضع والصبر على البلاء، قال: أي سيئة أعظم عند الله تعالى؟ قال: سوء الخلق والشح المطاع، قال: ما الذي يسكن غضب الرب في الدنيا والآخرة، قال: الصدقة الخفية وصلة الرحم، قال: ما الذي يطفئ نار جهنم يوم القيامة، قال: الصبر في الدنيا على البلاء والمصائب» رواه الإمامة أحمد بن حنبل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل