العنوان مقدمات لفهم المسألة الجزائرية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1981
مشاهدات 73
نشر في العدد 536
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 14-يوليو-1981
الجزائر بلد يسوده نظام الحزب الواحد ويطبق الاشتراكية لذلك لا وجود
للحرية فيه، وقد عاش في سجن كبير أيام بومدين مما جعل النشاط الإسلامي يمر في تلك
الفترة بظروف قاسية جدا من حيث التضييق على الدعاة والعاملين وندرة الكتاب
الإسلامي بل فقدانه أكثر الأحيان وإجبار خطباء المساجد على إلقاء خطب مكتوبة تأتي
إليهم مسبقا من قبل الحكومة، يضاف إلى ذلك سيطرة الحزب الشيوعي على وسائل الإعلام
والتوجيه الثقافي وتغلغله في الحزب الحاكم «حزب جبهة التحرير» الذي اختار الأسلوب
اليساري الاشتراكي وفرضه على البلاد.
وبعد مجيء الشاذلي بن جديد حصل انفراج نسبي في البلد وخفت القبضة
الحديدية الصارمة التي كانت تسيطر على كل شيء وباتت الفرصة أمام العمل الإسلامي
أفضل من قبل، وبدأ النشاط المسجدي يمارس دوره بعض الشيء لكن وسائل الإعلام وأدوات
التوجيه والثقافة لا تزال بيد الشيوعيين واليساريين والانتهازيين.
ويلاحظ الإنسان بسهولة أن البلد متعب جدا من الناحية الاقتصادية
فالصفقات النفطية التي عقدتها الحكومة السابقة جعلت الإنتاج النفطي للتسديد وليس
للعرض والبيع، والسياسة الزراعية التي انتهجها بومدين جعلت أفضل أراضي الجزائر
التي كان يتنافس عليها الفرنسيون في الجزائر مرتعا للأعشاب، وأزمة السكن مستفحلة
والأسعار غالية والخدمات متردية والناس في ضيق واضح.
ومما ينبغي أن يذكر أن حزب جبهة التحرير الذي قاد النضال الوطني ضد
الفرنسيين وحقق الجلاء قد فقد دوره تماما كحزب رائد له برنامج إصلاحي جاد وأصبح
مباءة للانتهازيين والمستفيدين وطلاب المغانم وصارت العناصر التي تحترم نفسها
تبتعد عنه وغدا كل من ينشد تغييرا يبحث عن ذلك خارجه بل ربما من خلال معاداته له
ومع الزمن أصبح هناك تياران لهما برنامج واضح وخطة عمل محددة أو شبه محددة وهما
التيار الإسلامي والتيار الشيوعي ويبدو أن هذين التيارين سيكون أحدهما البديل في
المستقبل الذي يلتقي حوله طلاب التغيير ولكل منهما الآن أنصاره وأعوانه وهذه
النقطة مشابهة تماما لمثيلتها في تونس.
إن الشعب الجزائري مسلم مائة بالمائة وولاؤه الفطري للإسلام جيد إلى
حد بعيد وهذه إيجابية لصالح الدعوة الإسلامية لأن عدم وجود أي أقليات دينية أخرى
يجعل الشعب أكثر تجانسا وينفي عن مسيرة الدعوة كثيرا من الصعوبات التي واجهها
الدعاة في البلدان التي ابتليت بوجود أقليات دينية كما هو الحال في الشام ومصر
والسودان مثلا.
وهناك نقطة إيجابية أخرى يمكن أن تكون لصالح الدعوة الإسلامية في
المستقبل إذا أحسن الانتفاع منها وهي أن الجزائر بلد مهم جدا وهو أكبر البلدان
العربية مساحة، ومن جهة الشمال يتصل بسهولة بأوروبا عامة وفرنسا خاصة، ومن الشرق
والغرب يتصل بتونس والمغرب، ومن الجنوب يتصل بعدد من الدول الإفريقية. فإذا أضفت
إلى هذا الموقع المهم والمساحة الواسعة أنه بلد يجمع بين البترول والغاز والزراعة
تبينت الأهمية الكبيرة لهذا البلد ومدى الفرص التي يهيئها لصالح الدعوة الإسلامية
فيما لو صار منطلقا لها خاصة أن عدد السكان يقارب عشرين مليونا من السكان معظمهم
معروفون بالعزيمة والرجولة والتضحية في سبيل ما يقتنعون به.
وفي
أيام القتال ضد الفرنسيين كانت معركة الجلاء هي الشغل الشاغل للناس وقد أخذت بكل
جهود الشعب الجزائري الذي قدم لها الكثير وبذل من أجلها تضحيات كبيرة مشهورة.
وحين جاء الاستقلال انتهت المعركة وبدأ الناس تبرد حماستهم إزاء قضية
الاستقلال باعتبارها قد تمت من ناحية وباعتبارها أعطت الحكم لأبناء الوطن أنفسهم
الذين بدأت أخطاؤهم وإساءاتهم تتراكم بالتدريج، وذهبت موجة القتال لتجيء موجة
الانتفاع من المغانم والاقتتال على السلطة ووقوع البلد في أسار الدكتاتورية.
هذا كله جعل ما يسمى بقضية الجلاء تختفي تماما وجعل الناس تبحث عن
بدائل وكان الصوت الأعلى لليسارية والاشتراكية فتلك هي النغمة التي كانت سائدة في
الستينيات، ثم إن جبهة التحرير الجزائرية تحولت إلى حزب اختار الاشتراكية وخط
اليسار مما جعل الصوت الإسلامي هو الصوت الخافت.
وقد زاد من خفوت الصوت الإسلامي أنه كان من قبل يقاتل فرنسا بدوافع
دينية خالصة ويظن أنه قام بواجبه الديني كاملا. لذلك استهلك كثيرا من قواه في هذا
القتال الذي آلت ثمرته في النهاية إلى عناصر غير إسلامية. بل إلى عناصر سيئة في
كثير من الأحيان وانطبق على الجزائر قول القائل: الثورة يدبرها الدهاة وينفذها
الشجعان ويكسبها الانتهازيون.
ومما يجدر أن يروى في هذا المجال مع الإشارة إلى دلالتين له إحداهما
طيبة والأخرى سيئة أن من أهازيج الشعب الجزائري التي طفق ينشدها في الشوارع يوم
الاستقلال أهزوجة يقول فيها: يا محمد مبروك عليك.. الجزائر رجعت إليك.
أما الدلالة الطيبة فهي على ما تحمله الأهزوجة من عاطفة الشعب
الجزائري الصادقة العميقة إزاء الإسلام وتعلقه به وإنه إنما كان يقاتل فرنسا
بدوافع دينية خالصة.
أما
الدلالة السيئة فهي على الغفلة المستحكمة وتخلف الوعي لدى الناس المساكين الطيبين
الذين كانوا يتوهمون أن الجزائر عادت إلى الإسلام بمجرد تحقق الجلاء وانتقال
السلطة من يد فرنسية إلى يد جزائرية.
ومع مطالع السبعينيات أخذ الموقف يختلف، وبدأ الإسلاميون يشعرون
بواجبهم في التحرك للدعوة إلى الله، وقد بدأ هذا الموقف يتشكل بسبب جملة من
العوامل أهمها المصير الذي آلت إليه البلاد على يد الحزب الحاكم من ظلم ودكتاتورية
وقسوة في معاملة أصحاب الرأي الآخر وتحول الجبهة التي كانت تقود القتال ضد فرنسا
إلى حزب حاكم يجمع الانتهازيين وطلاب المغانم والمصالح الشخصية وعدم وجود أي رسالة
للحزب، حيث إن رسالته انتهت بتحقيق الاستقلال. هذا كله جعل الإسلاميين يتساءلون عن
دماء الشهداء العزيزة التي ورث كفاحها السيئون وعن مستقبل البلاد في ظل قيادة
طاغية لا دينية ويجدون أنفسهم مضطرين إلى التحرك لخدمة دينهم أعذارا إلى الله
وإبراء لساحتهم من التقصير.
ومن هذه العوامل أيضا الضغط على الاتجاه الإسلامي في البلد، فالكتاب
الإسلامي مفقود أو نادر أو غالي الثمن وخطباء الجمعة تأتيهم خطب مكتوبة من قبل
الحكومة لابد لهم من إلقائها ومن خالف ذلك أوقف أو منع، ومن أبرزهم الشيخان سحنون
وسلطاني، وبعض من نشط من الدعاة سجن فضلا عن عدم وجود مؤسسات للتعليم الديني، يضاف
إلى ذلك تسليم أجهزة الإعلام والتوجيه والتربية للعناصر اللادينية سواء منها
المفتون باليسارية أو الاشتراكية أو المفتون بالأسلوب الأوروبي في الحياة ثقافة
وحكما واجتماعا وسياسة وخاصة ما كان منه على النمط الفرنسي وقد أدى هذا إلى أن بدأ
بعض الغيورين يشعرون أن عقيدة الأمة مهددة وأن نذر الشر كبيرة وأنه لابد من التحرك
لإنقاذ الموقف.
يضاف إلى ذلك عامل ثالث مهم وهو أن الدعوة الإسلامية منذ السبعينيات
بدأت تجد جوا من الحرية النسبية وبدأ صوتها الذي كان خافتا يعلو وتشكلت الاتحادات
الطلابية في أوروبا وأمريكا مستفيدة من الجو الديمقراطي هناك وكان للعناصر
الإسلامية فيها دور ملحوظ بدأ يفرض نفسه وأخذت أعداد من الطلبة تلتف حوله.
ولعله من المفيد أن يذكر هاهنا أنه إذا كانت الستينيات هي فترة
الامتداد والزحف للأفكار اليسارية والاشتراكية والثورية فإن السبعينيات كانت فترة
انحسار تلك الأفكار ذلك أنه قد تبين للجميع المصير المفجع الذي وصلت الأمة إليه في
كل المجالات مما جعلها تفقد بريقها كأمل يلتف حوله الناس الراغبون في التغيير نحو
الأحسن، وجعل هؤلاء يراجعون أنفسهم وأفكارهم والشعارات التي كانت مرفوعة فبدأ
الكثيرون يقرون بفشلها الذريع وأخذوا يتلمسون البديل عنها ووجد عدد من هؤلاء
البديل في الإسلام.
لهذا كله يمكن أن يقال: إن النشاط الشبابي الإسلامي في الجزائر بدأ
يتحرك مع مطالع السبعينيات وبدأ يجمع عددا من الناس حوله باعتباره الحل الصحيح
والوحيد.
وقد أخذ هذا النشاط شيئا فشيئا يؤتي أكله ويفرض وجوده فظهرت الدروس في
المساجد التي عاد عدد لا بأس به منها يمارس دوره الثقافي التربوي إلى جانب دوره
العبادي وخصص في جامعة الجزائر مكان للصلاة بدأ يستقطب الناس وصار له دور ريادي
واضح وشقت الدعوة طريقها بين الطلبة فعز الأمر على اليساريين والاشتراكيين الذين
كانت الساحة خالية لهم فحصلت اصطدامات بينهم وبين الطلبة الإسلاميين استخدم فيها
العنف في بعض الأحيان، كذلك بدأت بعض الجهات تقيم معارض للكتب الإسلامية وازداد
إقبال الشباب على المساجد خاصة في شهر رمضان الذي يمكن أن يوصف في الجزائر بأنه
مهرجان للإسلام نظرا للإقبال الشديد على صلاة التراويح ليلا وندرة المفطرين نهارا.
وفي ظل هذا النشاط بدأ الحل الإسلامي للمشكلات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية وغيرها يطرح نفسه في الساحة الجزائرية كبديل عن الأفكار الأخرى ودواء
ناجع لشتى الأدواء والأسقام وبدأ الناس يطالبون جهارا بتحكيم الشريعة وإلغاء شتى
القوانين المخالفة لها.
ويمكن أن يقال عن الدعوة الإسلامية في الجزائر إنها تمر بفترة
انتعاشية واضحة وإن موقف الشاذلي بن جديد إزاءها أفضل من موقف سلفه بكثير، يتمثل
ذلك في عدة مواقف منها ما سبق ذكره من إطلاق حرية خطباء المساجد فيما يخطبون ومنها
الإفراج عن المعتقلين من الدعاة مثل الأخ محفوظ نحناح، وهذا مؤشر إيجابي يحسن
الانتفاع منه.. إذ إن الأخ محفوظ نحناح شخصية اكتسبت رصيدا جماهيريا من واقع
تحركها ومواقفها واكتسبت خبرة جيدة نتيجة الممارسة والعمل مما جعله أملا يتعلق به
كثير من الشباب الإسلامي ويلتفون حوله.
وتوجد أمام الدعوة الإسلامية في الجزائر صعوبات كثيرة ينبغي ألا نغفل
عنها ونحن نحاول الآن أن نشير إلى أهمها بإيجاز:
1 - نظام
الحكم الذي يتبنى أسلوب الحزب الواحد ولا يسمح بآراء مخالفة له وهو نظام عسكري
حزبي يساري وإن كان الآن أكثر انفتاحا مما كان عليه في عهد بومدين.
2 - سيطرة
كثير من العناصر اليسارية وذات الاتجاه الغربي على كثير من مراكز التوجيه والإعلام
والإدارة.
3- لا
تزال خبرة العاملين للإسلام محدودة بسبب حداثة النشاط، رغم الحماسة التي يتميزون
بها عن سائر أقطار المغرب العربي.
4- انتشار
الجهل بالإسلام، فعلى الرغم من أن الشعب الجزائري في مجموعه يحب الإسلام بصدق إلا
أنه يجهله إلى حد بعيد ويرجع ذلك لعدة أسباب منها قلة العلماء وخاصة العاملين منهم
وعدم وجود أي مؤسسات للتعليم الديني فضلا عن عدم وجود حصص للدروس الدينية في مدارس
الدولة.
5- الكتاب الإسلامي مفقود أو نادر وحين يتوافر يكون غالي الثمن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل