العنوان مقدونيا على خطى يوغسلافيا.. ألبان مقدونيا يواجهون مصير البوسنة وكوسوفا
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2001
مشاهدات 46
نشر في العدد 1453
نشر في الصفحة 37
السبت 02-يونيو-2001
سراييفو: عبد الباقي خليفة
أصبحت القرى الألبانية أطلالًا بعد أن كانت عامرة بالحياة الآلاف فروا من وجه «الموت الطائر» أو المنبعث من فوهات الدبابات، والمدافع الثقيلة، التي أحاطت بالقرى إحاطة السوار بالمعصم، ثم صبت حممها على القرى الآمنة، حتى جعلتها كبيوت النمل المحروثة، أو قلال من الفخار عبث بها ثور هائج، عدد القتلى من المدنيين المعلن عنه ويقدر بنحو خمسين شخصًا، معهم ثلاثمائة جريح- يبدو أنه أقل من الحقيقة بكثير، فما تخفيه أنقاض (۳۰۰۰) منزل حطمتها الطائرات، أو أحرقتها الدبابات، أو سوتها المدافع لا يعلمه إلا الله سبحانه.
في ١٧ مايو الماضي أعلنت مقدونيا أن المهلة التي أعطتها للمقاتلين قد انتهت، لكن الاتحاد الأوروبي طالبها بتمديد المهلة، ومعنى ذلك أن الخيار العسكري ليس خيار مقدونيا متفردًا، وإنما هو خيار غربي يتلاعب بالمواعيد، وقد استأنفت الحكومة المقدونية بعد ذلك قصفها للمقاتلين الألبان، ضاربة عرض الحائط بكل المطالب الألبانية الداعية لإجراء حوار مع المقاتلين الألبان، ثم ما لبث أن سقط الجيش المقدوني في المحظور عندما استخدم الأسلوب نفسه الذي استخدمه الصرب في حمل المدنيين على الخروج من قراهم، وهو قصف القرى بشراسة، ثم إعطاء المدنيين فرصة الهرب تحت التهديد بما هو أعنف بعد حصار طويل منع فيه دخول أي من كان إلى القرى المحاصرة أو الخروج منها، بما فيها مدينة كومانوفو التي يقطنها ما يزيد على (٣٥) ألف نسمة قطع عنها الماء والغذاء مع (۱۱) قرية أخرى، منها: يسكوفو، وسلوبتشاني، والهدف من ذلك هو سرقة ما يتركه المدنيون المذعورون من متاع وأملاك بما فيها المواشي والأجهزة الكهربائية، وغيرها من الأثاث، حيث إن الحرب التي تشنها الحكومة المقدونية السلافية ضد الألبان من أهدافها النهب والسلب وإفقار الألبان، وقد بدأ الإعلام المقدوني السلامي يضرب على وتر القومية السلافية عندما يتحدث عن خطر ألباني ضد السلاف في مقدونيا، وفي الوقت نفسه يثير السلاف مشاعر الكراهية ضدهم في أوساط الألبان بسبب سوء المعاملة، وقصف القرى وموت الرجال والنساء والأطفال، وسلب الممتلكات مما سيكسب المقاتلين تأييد جماهير شعبهم الألباني المضطهد، ولا سيما في مقدونيا ويوغسلافيا، وينمي نزعة التحرر، والاستقلال لديهم أكثر من أي وقت مضى، المأزق الذي وضع المقدونيون السلاف أنفسهم فيه دون أن يحسبوا العواقب أنهم عملوا بنصائح بلجراد، حيث زار وزير خارجية يوغسلافيا زوران دجنجينش سكوبيا قبل الهجوم الأخير الذي استهدف القرى الألبانية، وقدم نصائحه للحكومة المقدونية المستمدة من سجل جرائم الحرب التي قام بها الصرب في البوسنة والهرسك، ثم كوسوفا، ولكن الحكومة المقدونية قد لا تدرك أن ما تفعله هو القضاء فعليًا على مقدونيا، كما قضى سلوبودان ميلوسوفيتش بعمله العسكري على يوغسلافيا السابقة، وهو ما حذر منه أربين جعفري أحد القادة الألبان الممثلين في البرلمان عندما قال: «لن تكون هناك مقدونيا إذا ما واصل الجيش دك القرى».
صراع الحضارات:
لم تعد مقولة صراع الحضارات كما يبدو من السلوك السياسي والعسكري والثقافي والاقتصادي الغربي- ترفًا فكريًا، أو وجهة نظر الكتاب ومفكرين ومحللين مهووسين، بل هي إستراتيجية غربية نلاحظ آثارها في كل موقف غربي، فقبل الحملة الدموية الهمجية الأخيرة على القرى الألبانية في مقدونيا اجتمع سفراء كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في العاصمة المقدونية سكوبيا مع قادة الجيش المقدوني، وبحثوا معهم كيفية التعامل مع المقاتلين الذين يحظون بدعم المواطنين الألبان، وكانت الخطة هي حرب ضد كل بيت باستخدام الطائرات والدبابات والمدافع من عيار (١٢٠) مم، وهو ما يعني حرب إبادة شاملة، وأعلن بعد اللقاء رئيس حكومة مقدونيا ليوبيتشو جيورجيفسكي بأن «مقدونيا لم يعد لديها ما تنتظره» وفسر ذلك بقوله: «حققنا النصر السياسي وسنتبعه بالنصر العسكري»، واعتبر أن المطالب الألبانية هي «حرب ألبانية ضد السلاف في مقدونيا»، حيث تقمص دور الضحية، كعادة عناة المجرمين دائمًا، وهكذا، فإن الموقف الغربي لم يخرج من بوتقة الصراع الحضاري عندما يحرم الألبان من حقوقهم، ويطلب من الحكومة السلافية عدم التفاوض معهم، ثم يطلق يديها بعد تزويدها بالأموال والأسلحة لإبادة الألبان في المنطقة، وهم بذلك يحققون تلك الفرضيات التي تتحدث عنها الأساطير، والتي بنيت على أساسها نظريات لا تزال تثير الجدل، تقول الأسطورة الغربية «إن فرسانًا فرنسيين تعاقدوا مع الشيطان أثناء الحروب الصليبية على أن يحيوا حياة أبدية فشربوا، ثم تآمروا على قتل أخ لهم، وعندما طلعت الشمس ندموا وخجل بعضهم من بعض، وهاموا كل في حال سبيله، وأصبحوا مصاصي دماء الآخرين» إن كانت تلك أسطورة، فإنها الحقيقة التي تفسر التاريخ الغربي، وتحديدًا التاريخ الأوروبي، فقد نقلوا صراعاتهم الثنائية والقارية إلى صراعات على أراضي الغير، وعلى حساب مصالح ذلك الغير، ثم تطور صراعهم حتى وصل إلى مرحلة التعاون فيما بينهم ضد الآخر، وألبان مقدونيا وغيرهم من المسلمين المضطهدين صورة من صور ذلك الآخر، وجزء لا يتجزأ منه.