; مقصد الشريعة من الحج والطريقة التي يؤدى بها اليوم | مجلة المجتمع

العنوان مقصد الشريعة من الحج والطريقة التي يؤدى بها اليوم

الكاتب الشيخ عبد الله إبراهيم الأنصاري

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1977

مشاهدات 74

نشر في العدد 370

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 11-أكتوبر-1977

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين، وقائد الغر الميامين، وعلى آله وأصحابه الهداة الذين نشروا لواء الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا
وبعد:

قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ

(البقرة: 197)

وقال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج: 27-29)

آيات بينات بين الله -سبحانه وتعالى- فيها كيفية الحج للمنفعة الخاصة بالناس، وذلك قصد الإسلام من الحج وعلى سبيل التفصيل، فالحج مؤتمر إسلامي، نادى الله تعالى عباده للاجتماع في تلك البقعة المعينة، وفي ذلك الوقت المعين؛ ليتفقد المسلمون أحوالهم، وليتشاوروا في حل مشكلاتهم، وتحقيق مقاصدهم، وإلا فليس لله تعالى مصلحة خاصة من هذا اللقاء، وكما ذكر الله تعالى في الهدى:

﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُم﴾ (سورة الحج: 37)

ومن مقاصد الإسلام في الحج، تعظيم شعائر الله، والانصياع لأوامره، واجتناب نواهيه، فبتعظيم تلك الشعائر، تنطلق القلوب إلى بارئها صافية نقية طاهرة، فإن رجع العبد إلى ربه جدیر به أن ينال كل خير، قال تعالى:

 ﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾(الحج: 32)

ولا شك أن المسلم إنسان كسائر البشر، ليس معصومًا من الأخطاء والذنوب وارتكاب المعاصي، فهو كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» وفي حديث آخر «لو لم تذنبوا وتستغفروا لذهب الله بكم، ولأتى الله بقوم يذنبون ويستغفرون، فيغفر الله لهم» 

لذلك فإن الله قدر لعباده نفحات، وهيأ لهم لاستجابة الدعاء أوقاتا، ومن أجل هذه الأوقات يوم عرفة بصفة خاصة، وأيام الحج بصفة عامة، ففيها يغفر الله الذنوب، ويكشف الكروب، ويستجيب الدعاء، وينادي عباده انصرفوا، فإني قد غفرت لكم، وفي هذا اليوم دحر للشيطان عدو الإنسان اللدود، فلم ير في يوم أصغر ولا أذل ولا أدخر من يوم عرفة.

لهذا فإن من مقاصد الإسلام من الحج تمحيص الذنوب والسيئات، ونقاء قلب العبد ورجوعه إلى ربه، وتنقيته من شوائب الشهوات، وإبعاد النفس عن ارتكاب المنكرات؛ كي تختط لنفسها طريقًا بعد ذلك، فيه حماية لها وللمجتمع من المنكرات. 
ومقاصد الإسلام في الحج عظيمة وكثيرة من أهمها: التوبة إلى الله والرجوع إليه، وهذه الخاصية من أهم الخواص في الدين، فلا يأس، بل باب التوبة مفتوح للعبد يلجه في أي وقت يشاء، خصوصا عقب الحج المبرور، ومن مقاصد الحج تحقيق التوحيد بالتقرب إلى الله مباشرة بدون واسطة في الدعاء، والاستعاذة والاستغاثة والذبح لله وحده ومن الله وحده وبالله وحده، والتوحيد من أجل العبادات، ومن الأسس القويمة لهذا الدين، فلا يكون التقرب بشيء من تلك الصفات إلا إلى الله وحده.

ومن مقاصد الإسلام في الحج إسداء المنفعة إلى أهل الحرم استجابة لدعوة أبينا إبراهيم -عليه السلام ﴿ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾(سورة إبراهيم: 37)

والصدقة في الحرم المكي تعادل في الأجر مائة ألف صدقة، وفي الحرم المدني ألف صدقة.

ومن مقاصد الإسلام في الحج تدريب العبد على الأخلاق الفاضلة والآداب الإسلامية السامية، لأن الرفث والفسوق والجدال يخالف تلك الخصال، ولقد أدب الله تعالى عباده وعلمهم مكارم الأخلاق أثناء تأدية الفريضة، فمن الجدير بالحاج أن يتدرب على هذه المكارم واجتناب الرذائل، وكون هذا سمته في حياته بعد ذلك إذا رجع إلى وطنه.

ولو استرسلنا في تعداد مقاصد الشريعة السمحاء في الحج لطال المدى في الكلام، ولضاق الوقت عن ذلك، ولننطلق الآن إلى الشطر الثاني من الكلمة، وهو الطريقة التي يؤدى الحج بها اليوم.

لقد مررت مع تجارب كثيرة في مواسم الحج في السنين الاخيرة، ووجدت نفسي مضطرًا لأن أجعل منها موضوعا يطرح في مجتمعنا هذا للبحث والتشاور، ولعلنا نخرج برأي مجمع عليه يخفف على الناس بعض المشقة والعناء.

فالحج كما نعلم فريضة محكمة وركن قويم من أركان الإسلام، افترضه الله تعالى على عباده سنة ست بعد الهجرة، على أرجح الأقوال لدى جمهور العلماء، ومنذ فرضت هذه الفريضة والمسلمون يؤدونها في كل عام، فتقبل وفود الحجيج ضيوفًا على الرحمن يرجون رحمته، ويطلبون عفوه ومغفرته.

واليوم ومع التقدم العلمي الذي شهدته البشرية في السنين الأخيرة، خصوصًا في مضمار المواصلات البرية والمائية والجوية، تزيد أعداد وفود الحجيج عاما بعد عام، حتى أن الحرم رغم التوسعات المشهودة التي لم تنقطع فيه منذ أكثر من عشرين عاما، بدأ يضيق بوافديه، وأصبح الحجاج يجدون متاعب ومصاعب شتى في أداء مناسكهم؛ لكثرة الازدحام، ولعدم التزام الحجاج بالنظام الإسلامي في كل المراحل، الأمر الذي يجعل الناس في حرج شديد، قد تذهب معه حكمه الانصراف الوجداني للعبادة، والخلوص الروحي لها، عندما يجد الناس أنفسهم وقد ضاقت، وأصبحوا يبحثون عن ملاذ يلوذون به من شدة الزحام، حتى يمكنهم أن ينصرفوا بوجدانهم كليا للدعاء إلى الله.

إنني- أيها الإخوة- عندما أجعل من هذا الموضوع ميدانا للبحث، لأرجو- مع الاحتفاظ بالمبادئ الرئيسية في أداء المناسك- أن نتذكر قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- «إن هذا الدين يسر» ومن أولى الأمور التي ينبغي أن نعمل لها الآن تيسير أمور حجاج بيت الله الحرام، وهذا التيسير ينقسم إلى قسمين، أولهما إيجاد التسهيل اللازم في المشاعر المقدسة، وقد أعطي لهذا القسم حقا وافيا من الحكومة السعودية فما من صعوبة تشاهدها في عامك إلا وتجدها مسهلة في العام القادم، وهي تسير على الطريق لإيجاد التسهيلات لوفود بيت الله الحرام بجد دائب، نسأل الله أن يبارك في جهودها المتواصلة، وأن يتغمد عاملها الراحل بواسع رحمته ورضوانه، ويأخذ بيد خلفائه الى كل خير.

وحج البيت في الزمن السابق لم يكن مشكلة أبدا، ولم يكن كما نراه اليوم، بل إنه منذ عشرين سنة لم يكن كما نشاهده في السنين الثلاث الأخيرة - والحمد لله - ، فالأعداد تتزايد، ويضيق بها الحرم وسائر المشاعر الأخرى.

لذلك فإنني أعرض على بساط البحث أمورا، آمل دراستها دراسة وافية، ولأن يتقدم من يريد من الإخوة باقتراحات أخرى، ويعدل فيها حسب ما يرى، وليس لنا جميعا سوى هدف واحد هو البحث عن طريق سليم يوصلنا لحج مبرور هدفنا فيه التخفيف من إزعاج حجاج بيت الله الحرام ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ 

وقبل أن أقدم الاقتراحات كحلول للمشاكل التي تواجه الحجاج، أحب أن أوضح منذ البداية أنني ضد أي رأي لتقنين الحج أو تحديد عدد الحجاج من البلاد الإسلامية المختلفة، بل إننا إذا سلكنا طريقا علميا في حل هذه المشاكل لن نكون بحاجة أبدا لمثل هذا التحديد إن شاء الله. 

أما الاقتراحات التي أتقدم بها فتتلخص في النقاط الثانية:

أولا: برامج التعليم الديني في البلاد الإسلامية: 

سرت في المجتمعات الإسلامية في السنين الأخيرة كلمات جوفاء عن التطور،  مسرى النار في الهشيم، وأصبح مفهوم هذه الكلمة يعني البعد السريع عن الدين؛ لأنه رمز- في نظرهم المريض- للتأخر، فهل لي أن أوصي بتقوية البرامج الدينية، وإعادة النظر فيها في البلاد الإسلامية، بحيث تكون أركان الإسلام الخمسة تحت الدراسة والبحث في مختلف المراحل التعليمية.

إننا لو نجحنا في إقرار هذه التوصية، فسنكون قد وضعنا لبنة قوية في بناء الأجيال القادمة لأمتنا، وسيكون لمناسك الحج حظ وافر في هذا الميدان، كما يكون لباقي أركان الإسلام.

ثانيا: التوعية قبل موسم الحج:

أرى أنه من الضرورة أن ينشط الإعلام في الفترة التي تلي شهر رمضان المبارك مباشرة، كإعداد لموسم الحج، وذلك عن طريق وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية في مختلف البلدان؛ لتوجيه الذين يرغبون في أداء فريضة الحج الوجهة الصحيحة، عن طريق وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية، ويعرفونهم بالأمور التي تيسر طريق الحاج، وتحفظ له جهده من الضياع، ومن أهمها:

١- المحافظة على النظافة، سواء منها البدن أو المكان أو المظهر العام، فكثيرًا ما نرى العوام من الحجاج قضون حاجاتهم في الشوارع العامة، ويلقون بالفضلات في الطرقات عند الحرم، علما بأن الحكومة السعودية قد بنت، وتكلفت كثيرًا جدًا في عمل دورات مياه كافية بجوار الحرم، ووضع أوعية للفضلات، فعمل مثل هذا من عوام الحجاج، يعطي مظهرًا غير مناسب على المكان وقدسيته في نفوس رواده من وفود الرحمن.

۲- أن يحرص الحاج على أداء نسكه كاملة، وذلك بأن يضع نصب عينيه دائما قول الله تعالى: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ﴾ (البقرة: 197) وليحرص الإعلام الإسلامي بأجهزته المختلفة على تذكيره، بأن يكون الحاج طيلة أيام إقامته في المناسك بعيدا عن اللغو والجدل، ذاكرًا الله في كل آونة، محافظًا على أداء نسكه على الوجه الأكمل، قارئًا للقرآن الكريم مذكرًا إخوانه ممن يجهلون أمور نسكهم، محافظًا على النظام وروعة المشهد، وأن لا يكون عاملًا من عوامل الشغب وداعية للفتنة، فإن مثل هذه الأيام المباركة ينبغي على كل مؤمن أن يقضيها في العبادة، والتوجه إلى الله بكل جوارحه، والانصراف عن هموم الدنيا ومشاغلها، متسمًا بالصفح والعفو عمن تجاوز الحد عليه، وأن يكون واسع الصدر رحب القلب ليستكمل ثواب حجه.

٣- الزحام: الزحام أمر لا بد منه عند أداء نسك الحج، سواء في الطواف أو السعي أو رمي الجمار، إلى غير ذلك من الأفعال التي يؤديها الحاج، وإنما ينبغي أن ننبه الحجاج إلى مراعاة مكارم الأخلاق، وأحسن الفضائل في مثل هذا الموقف العظيم، وقد ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعمر -رضي الله عنه- وقد كان يزاحم على الحجر «يا أبا حفص، إنك رجل قوي، فلا تزاحم على الركن فإنك تؤذي الضعيف، ولكن إن وجدت خلوة فاستلم، وإلا فكبر وامض».

لمثل هذه المكارم والفضائل ينبغي أن ينبه ضيوف الرحمن، خصوصا العوام منهم الذين يتقاتلون في هذه المواقف، فيضيع عملهم ويفسد حجهم.

٤- المحافظة على الصحة العامة، وذلك بتنبيه الحجاج إلى ضرورة اتباع قواعد الصحة العامة، منذ أن يعقدوا نيتهم على المضي لأداء الفريضة، فيحصنوا أنفسهم ضد الأمراض المعدية، قبل أن يغادروا بلادهم بالوسائل المعروفة، كما ينبغي وأن ينبهوا إلى الحذر دائما في حلهم وترحالهم بالبعد عن مصادر الأمراض، وأن يكونوا على صلة تامة ودائمة بالبعثات والهيئات الطبية في الحرمين الشريفين، في كل ما يلم بهم من آلام وأمراض.

٥- الفتيا بشأن الحج والمناسك في الحرمين:

كثيرًا ما يقع الحجاج في المحظور أثناء الحج أو العمرة، فيلجأ العوام منهم إلى استفتاء أقرب الناس إليهم، وقد يكون هذا المسؤول مطوفًا أو عاملًا عند المطوف، وكثيرًا ما لا يردون سائلًا، خصوصًا إذا كان الأمر يتعلق بفدى فنجد الجواب في كثير من الحالات غير مناسب للأصول الشرعية، لذلك ينبغي أن تقام ندوات في الإذاعة والتلفزيون في البلاد الإسلامية، ينبه فيها الحجاج دائما إلى المحظورات التي كثيرًا ما تقع، وإذا عنّ لهم سؤال أثناء الحج أو العمرة فليكن المسؤول عنه أحد الذين يتعرضون للفتيا داخل أحد الحرمين- الشريفين وهم كثيرون.

ثالثا: التوعية على مدار السنة: 

وهذه هي النقطة الهامة التي أرجو أن ألفت لها الأنظار، وتتلخص في أنني أرى أن توجه أنظار المسلمين إلى مشارق الأرض ومغاربها، وعوامهم وخواصهم، إلى حقيقة ثابتة ألا وهي أن الحج يجب مرة واحدة في العمر إلا بنذر ينذره المسلم، فيجب الوفاء بالنذر، وما زاد عن ذلك فهو تطوع.

فعن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: «يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقال رجل، في كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، ثم قال صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه».

وفي حديث آخر ابن عباس رضي الله عنهما قال: «خطبنا سول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج» فقال الأقرع بن حابس أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال «لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع». من هذا يتبين لنا أنه لا يجوز للمسلم أن يحمل نفسه فوق طاقتها بتكرار الحج، بل عليه أن يترك الفرصة لإخوانه الذين لم يؤدوا الفريضة؛ لكي يؤدوها باطمئنان ويسر.

كما أريد أن أنبه إلى حقيقة مكملة للحقيقة الأولى ألا وهي أن الحج واجب على الفور وقت الاستطاعة، ولا مانع من تأخيره لمعذرة، فيؤديه المسلم وقت ما يستطيع بعد ذلك، ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة، فقد أخر -صلى الله عليه وسلم- الحج إلى السنة العاشرة من الهجرة، مع أن وجوبه كان سنة ست، فلو كان واجبا على الفور، لما أخره النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنه يستحب تعجيله والمبادرة به، متى استطاع المكلف أداءه في أول فرصة. 

من هذا المنطلق ألفت الأنظار إلى المسلمين الذين يحجون كل عام، كأنما الحج فريضة سنوية عليهم أن يؤدوها، لذلك أرى أن ينبه المسلمون إلى حقائق الدين وأصوله، وإن كان هناك فضل من مال لدى هؤلاء فليكن صدقات تقدم لمن هم بحاجة إليها في أوطانهم، وهم كثيرون للأسف الشديد في البلاد الإسلامية، وإن كان لابد فلنلفت أنظار هؤلاء إلى فضل العمرة، للتوجه إليها في غير موسم الحج تخفيفا عن الناس في الموسم، وقد وردت في العمرة أحاديث شتى.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما إن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة»

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما».

وقد ورد في الأثر، أن العمرة كان يؤديها الصحابة أكثر من مرة في العام، فقد قال نافع: أعمر عبد الله بن عمر رضى عنهما أعوانا في عهد ابن الزبير، عمرتين في كل عام. 

وقال القاسم: إن عائشة رضي الله عنها اعتمرت في سنة ثلاث مرات.

كما أنه يجوز للمعتمر أن يعتمر في أشهر الحج من غير أن يحج، فقد اعتمر عمر رضي الله عنه في شوال، ورجع إلى المدينة دون أن يحج. 

وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر هي:

عمرة الحديبية 

وعمرة القضاء

والثالثة من الجعرانة

والرابعة مع حجته:

أيها الإخوة الأفاضل:

من هذا المنطلق نريد أن ننبه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى فضل العمرة، وأنها مرغوب فيها بعد حجة الإسلام، وإن نية المرء خير من عمله، فكمْ من حاج يتكبد المشاق، ولعله لا يستحضر الإخلاص في عمله، ويكون خيرًا منه مسلم تخلف لعذر أو عسر من أن يدرك الحج.

ومن أحسن ما قيل: 

يا راحلين إلى البيت العتيق قد          سرتم جسومًا وسرنا نحن أرواحًا

إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا            ومن أقام على عذر كمن راحا 

والقادمون إلى البيت الحرام يزدادون لدرجة تهدد بالخطر، فبدل أن ينصرف المرء إلى ربه يدعوه وهو في نسكه، يكون همه الأول والأخير هو المحافظة على حياته من شدة الازدحام الذي تزهق فيه كثير من النفوس. 

وديننا ولله الحمد دين الفطرة، ودين اليسر ولا يمكن أبدا أن يحضنا على السكوت على هذه الحالة، بل يوجب علينا أن نحافظ على سلامة أبداننا، وأن نبحث عن مخرج لما يعترينا من أمر، وهذه حالة تستدعي أن نتضافر جميعا بالرأي، وأن نتداول الفكر لما فيه صالح الإسلام والمسلمين، فأدعوكم جميعا- أيها الإخوة الأعزاء- لتخصيص ملتقى آخر للبحث في الحج، وليدل كل منكم بدلوه في هذا المضمار، ولا أظنني قد أكملت البحث أو وفيته حقه، بل من ضم آرائكم النيرة إلى رأيي التواضع، وفي تداول الرأي والفكر الخير والبركة، وفي الشورى المنهج السليم لمن أراد أن يسلك سبل الرشاد. 

هذا وآمل أن أكون باقتراحي هذا قد فتحت بابا للخير في توجيه الأنظار إلى فريضة الحج المحكمة، حتى يفقهها الناس فقههم للصلاة والصيام وباقي الأركان الأخرى.

وأكرر رجائي بأن تضعوا جهودكم إلى جهدي المحدود، وعلمكم الغزير إلى علمي المتواضع، وأن تتضافر جهودنا وقوانا؛ حتى نؤدي بعض ما علينا تجاه النصيحة والتوجيه لإخواننا.

والله أسأل أن يبارك في مجتمعنا هذا، وأن يجعل عملنا خالصا له ومتقبلا منه، وأن يثيبنا عليه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الرابط المختصر :