; مكتشف الكنوز.. وخسارة أهل الحديث | مجلة المجتمع

العنوان مكتشف الكنوز.. وخسارة أهل الحديث

الكاتب عمر بن حامد الجيلاني

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1997

مشاهدات 91

نشر في العدد 1241

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 11-مارس-1997

 

 قضى الله الذي لا رادّ لما قضى أن يجف القلم السيال، ويتوقف النبع العذب الزلال بعد تدفق دام عقودًا من السنين، ويموت المحدث الكبير، والمحقق المتقن القدير الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، فكانت الثلمة في البناء عظيمة، والشعور بالنقص جليًّا، وكما جاء في بعض المرويات عن ابن عباس – رضي الله عنهما . ووافقه عليها مجاهد في تفسير النقص من الأرض في آية الرعد: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (الرعد:41)،بأن ذلك يكون بموت العلماء والفقهاء، فالله نسأل أن يجبر الكسر، ويعظم للأمة الأجر.

وإذا كان مصاب الأمة في علمائها جللاً والرزينة بهم كبرى، فإن للاسترجاع في نفوس المؤمنين بردًا وسلامًا، والتسليم بالمقضي اطمئنانًا تخف معه المصائب، وتهون معه الفجائع، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع الحزن على فراق من يرحل عنا إلى الدار الآخرة، فإنا مأمورون بذكر - محاسنهم، ونشر فضائلهم، ولنا في فعل أصحاب رسول الله متأس ومقتدى والشواهد تملا كتب الطبقات والتراجم.

 كان فقيدنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة محدثًا عظيمًا بارعًا، ومحققًا مدققًا، وفقيهًا نابهًا، وكان خطيبًا مؤثرًا. إذا تحدث أخذ بمجامع القلوب، وقبل ذلك كان من العلماء الربانيين يتحلى بأخلاق الصالحين، جمّ الأدب كثير التواضع، عفيف اللسان نزيه القلم زكي القلب.

 أما الحديث النبوي الشريف وعلومه فهو الخبير بدروبه، والعليم بخباياه والمهندس الذي تنال يده منه القاصي ولا يفوتها منه الشارد. والشواهد على هذا مؤلفاته وتحقيقاته.

 كتب الشيخ عبد الفتاح أبو غدة نحو خمسين كتابًا، تأليفًا أو تحقيقًا، جلها في خدمة الحديث النبوي الشريف لا يستطيع الناظر فيها أن يعمل بينها أفعل التفضيل، فكلها في غاية الجودة والإتقان.

 قامت في القارة الهندية نهضة علمية لخدمة الحديث النبوي الشريف، لا أحسب أن لها مماثلاً في مكان آخر من ديار الإسلام، لا من حيث الكثرة في الدارسين والمؤلفين، ولا من حيث تنوع المباحث واتساعها، وتكونت بها مكتبة عظيمة في هذا العلم الشريف كانت موصدة أبوابها، مسدلة عليها الستور.

فكان للشيخ عبد الفتاح أبو غدة الفضل العظيم في فتح رتاجها، وكشف حجابها. واستخراج كنوزها وإدناء ثمارها اليانعة وعرضها على طرف الثمام لمبتغيها مع تحقيق لنصوصها . وتعليقات يندر وجودها في العصور المتأخرة. عاد الشيخ عبد الفتاح من الهند بعد أن وردها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عام ١٣٨٢هـ بمغانم كثيرة كان من أثمنها تراث ثلاثة من كبار علمائهم ودهاقنتهم لا نستطيع أن تفرق بين أحد منهم.

من تلق منهم نقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري.

وكان في طليعتهم: الإمام المحقق المدقق أبو الحسنات محمد عبد الحي ابن العلامة محمد عبد الحليم اللكوني نابغة العصر الذي عاش أقل من أربعين عامًا. وألف ما يربو على مائة مؤلف بين رسالة في صفحات وكتاب في مجلدات، وليس محلّ العجب في الكثرة في التأليف مع العمر القصير، وعدم توفر الممكنات في عصره، إذ عاش بين عام ١٣٧٩ ـ ١٣٠٤هـ، وإنما يكمن العجب في تحقيقها وإتقانها واشتمالها على نصوص نادرة يصعب البحث عنها وبعضها في غير مظانّها مع مراجع تبهر الناظر لكثرتها حتى إن مراجعه لكتابه (الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة) وهو لا يتجاوز ٢٤٠ صفحة قد نافت على مائة وخمسين مرجعًا.

حقق الشيخ عبد الفتاح ونشر للإمام اللكوني خمس رسائل هي:

1ـ الرفع والتكميل في الجرح والتعديل.

 ٣ - الأجوبة الفاضلة .

3ـ إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس بدعة.

٤ - سياحة الفكر في الجهر بالذكر.

 5- تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار.

 وقد صدَّر التحفة بتذكير وتبصير بمدلول لفظ السنة الوارد بكثرة كلام النبي كله وكلام أصحابه ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ وأتى فيه بالقول الفصل، وذكر أن المراد بها الطريقة المشروعة المتبعة في الدين والمنهج النبوي الحنيف، ودلل على ذلك بعدة شواهد.

ومن علماء الهند الذين نشر الشيخ عبد الفتاح من مؤلفاتهم، وحققها الإمام العلامة الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي حقق كتابه «قواعد في علوم الحديث»، وهو واحد من تقديمين لكتابه العظيم «إعلاء السنن» الذي بلغت أجزاؤه عشرين مجلدًا، أحصى فيه أدلة المذهب الحنفي والبالغة من الكثرة ما يماثل نظائرها في المذاهب المتبوعة عند أهل السنة والجماعة.

 والعالم الثالث من علماء الهند الذين نشر الشيخ عبد الفتاح من مؤلفاتهم الإمام المحدث الشيخ محمد أنور كشميري، إذ حقق كتابه «التصريح بما تواتر في نزول السيد المسيح». وعندما عزم بعض الناشرين إعادة طبع شرح كتاب «الأدب المفرد» للإمام البخاري - رحمه الله ـ هاتفت الشيخ عبد الفتاح قبل سابق معرفة به، وطلبت منه أن يكتب مقدمة له فعجَّل بالإجابة، ووفَّى وكفَّى وكعادته . رحمه الله . فقد حلاّه بذكر منهج المحدثين من السلف الصالح في قبول أحاديث الآداب والفضائل.

 تلقى الشيخ عبد الفتاح الحديث وعلومه عن عدد كبير من مشاهير محدثي العالم الإسلامي ومنفذيه، ورحل في سبيل تحصيل ذلك رحلات كثيرة، وقد انتظم سلك عقد شيوخه الذين أخذ عنهم وأربى عددهم على المائة، ثبته «إمداد الفتاح» جعل الله للشيخ عبد الفتاح في نفوس الناس ودًّا، وأضفى على محياه نضرة من أثر خدمته لحديث رسول الله .

 قال سفيان بن عيينة - رحمه الله : «ليس أحد من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة لهذا الحديث»، يشير بذلك إلى حديث: «نصر الله امرأً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها».

 وبسبب تفاني الشيخ عبد الفتاح في خدمة حدیث رسول الله كرمه الله بإجابة دعائه، فقد حدثني الثقة السيد أمين عقيل عطاس بأنه شهد الشيخ عبد الفتاح في جنوب إفريقيا وقد أجدب الناس وسألوه أن يدعو الله أن يغيثهم بالمطر، فرفع يديه ودعا وبكى وأبكى، والألوف تؤمن على دعائه، وما في السماء قزعة، وما انتهى اليوم إلا والمطر من السماء كأفواه القرب، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم.

 أكرم الله الشيخ عبد الفتاح بتحقيق مراده بالدفن في مقبرة البقيع، والتي جاء في فضلها عدد من الأحاديث المصنفة في قسم أحاديث الفضائل، ومنها حديث أم قيس الأسدية أن النبي قال في فضل مقبرة البقيع:«يبعث الله منها سبعون ألفًا وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب» رواه أبو داود الطيالسي وعمر بن شبة. وابن حبان في الثقات تعليقًا. والطبراني في المعجم الكبير، وأبو عبد الله الحاكم وابن النجار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل