; ملحمة «غزة».. دروس وعبر | مجلة المجتمع

العنوان ملحمة «غزة».. دروس وعبر

الكاتب راشد الغنوشي

تاريخ النشر السبت 31-يناير-2009

مشاهدات 87

نشر في العدد 1837

نشر في الصفحة 16

السبت 31-يناير-2009


      • كاتب صهيوني معارض: إذا كان اقتراف أشنع المجازر للنساء والأطفال يعد نصرًا.. فلعنة الله على المنتصرين!
      • المقاومة أفرزت جيلًا عبقريًا من قناع الأنفاق والعبوات والصواريخ التي دوخت العدو الصهيوني.. إذ ترميها وتطلقها أياد متوضئة.
      • كيف يمكن تبرير المذابح الصهيوني وأعداد الجيوش العربية أضعاف سكان غزة؟ ولماذا تشدد مصر الحصار وتحرمهم من سلاح بسيط مهرب؟!
      • النظام المصري تحول من قائد لتحرير فلسطين إلى وسيط بين المقاومة والاحتلال.. لكنه وسيط منحاز إلى الأخير!
      • ملحمة غزة أجحت ثقافة المقاومة وحركت الشارع.. وأضعفت معسكر التسوية والتطبيع المسمى معسكر الاعتدال.

      تابعنا مع أبناء أمتنا وأنصار الحرية في العالم العدوان الشيطاني الجنوني على قطاع غزة، الذي امتد أكثر من ثلاثة أسابيع بأيامها ولياليها، كانت وطأتها تعدل قرونًا على أهل غزة، وعلى كل ذي ضمير حي، وقلب يخفق بنبض إنساني.. استخدمت فيها الهمجية الصهيونية كل أدوات الدمار مما وضعته تحت يدها الحداثة الأمريكية والغربية عامة، وصبت حممها على القطاع؛ بشرًا وشجرًا وحجرًا، بهدف فرض الخضوع والاستسلام عليه، وكسر إرادته، وانتزاع ثقافة المقاومة منه، وتجريده من كل سلاح للدفاع عن نفسه، على غرار ما فعلوا بأركان النظام العربي، ومنه «منظمة التحرير»، بوضع الجميع في مربع الخضوع والاستسلام والمفاوضات التي لا تنتهي جريا وراء السراب!

      لقد مثلت «غزة» تحديًا وجوديًا لعصابة الإجرام الموكولة بترهيب المنطقة كلها وابتزازها، وبالخصوص بعد أن توالت هزائم العصابة، وكان آخرها في «لبنان» عام ٢٠٠٦م؛ حيث فقد جيشها هالته الرادعة، بعد أن تمكنت عناصر الإرادة والتصميم، وحسن التنظيم، والإيمان والشوق إلى الاستشهاد، والبعد الأخلاقي والدعم الشعبي أن تصنع توازنًا جديدًا في مواجهة معادلة قوة الآلة الحديثة في يد عصابات متوحشة، مفلسة خلقيًا مدعومة دوليًا وإقليميًا.

      وتجلت عناصر المعادلة الأولى في كل حركات التحرير، وتمثل المقاومة الفلسطينية بقيادة «حماس» نموذجها المثالي، بينما تجلت عناصر المعادلة الثانية في كل جيوش الاحتلال، والصهيوني نموذجها المكثف.

      وفي هذا السياق يأتي استعصاء غزة الرائع في مواجهة معادلة قوة الآلة وتوحشها وإفلاسها الخلقي.. مرة أخرى تنتصر معادلة الإنسان على الآلة والحق على القوة في غزة العزة، وكما توقف جيش العصابة عن إطلاق النار من طرف واحد، وانسحب مدحورًا من «لبنان»، ها هو اليوم يكرر نفس الإعلان، ويأخذ طريقه إلى الانسحاب، يجر أذيال الخيبة، وتلاحقه صواريخ المقاومة التي أعلن أنه إنما جاء ليجتثها وصانعيها و«حماس» التي تدير القطاع، من أجل تنصيب صنائعه مجددًا، وليحرر جنديه الأسير، فلم يحقق شيئًا من ذلك.

      وصدق الله وعده لعباده ﴿وَرَدَ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ (سورة الأحزاب آية: ٢٥).. نعم تركوا وراءهم دمارًا هائلًا في المباني وآلافا بين شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال، والنساء والعجائز.. أما الشهداء فهم أشرف الأحياء عند ربهم يرزقون، وأما الجرحى فهم حَمَلَة أوسمة فخار في الدنيا والآخرة، وأما الأحجار فهي أهون من أن يبكيها عاقل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان﴾ (سورة الرحمن آية: 26)، وما أيسر ما تُعاد.. ومع ذلك، تداري عصابة القتل والإجرام هزيمتها برفع شارات النصر!

      ملحمة بطولية!

      و«إذا كان النصر على مدينة محاصرة تشبه السجن مجردة حتى من مدفع مضاد للطائرات، واقتراف أشنع المجازر بحق النساء والأطفال يُعد نصرًا، فلعنة الله على المنتصرين»، كما ذكر خَجلًا كاتب منهم يحمل بقية ضمير.. ربما تكون هذه هي المنازلة الأولى مع هذه العصابة من القتلة المجرمين التي يكون فيه عدد شهدائنا من حملة السلاح البسيط ليس بعيدًا عن عدد قتلاهم أما فروسية الصهاينة فقد عربدت كعادتها على الأطفال والنساء، والعجائز.

      الملحمة خاضها أهل القطاع، اللحم في مواجهة السكين، طيلة ثلاثة أسابيع، وصمدوا فيها صمود الأبطال، وما نال العدو شيئًا من عزمهم، ولا جاس خلال مواقعهم بل أجبر على النكوص عنها خائبًا مجللًا بالعار، وخاضتها الأمة ومعها أحرار العالم، بمجرد قلوب مقروحة، ودموع مسكوبة، وأهات حرى، وصراخ في الشوارع في أحسن الأوضاع وليس أكثر من ذلك، بما يكشف عن الدروس والعبر التالية:

      ·      اتساع الهوة بين الأنظمة والشعوب:

      في ظل حالة الاحتراق والغضب والأسى الشديد التي بلغت حد ارتفاع حالات الموت بالأزمات القلبية، لم تفعل الأنظمة شيئًا للتعبير عن اتجاه الرأي العام الذي كان بكل كيانه في «غزة»؛ بينما الأنظمة كأنها كانت في «تل أبيب» أو «واشنطن»..

      وضعت قواها في حال طوارئ لقمع غضب شعوبها، وأعاقت حتى مطالب عقد اجتماع للقمم، ولم تجد من سبيل للدعم غير الاتجاه إلى مجلس الأمن في حالة استخزاء واستقالة، شاهدة بذلك على غياب الديمقراطية.

      وكان واضحًا أنه على قدر غياب الديمقراطية، أو عمق التبعية للغرب وللصهاينة بقدر ما كان القمع للمسيرات أشد، وكان النظام المصري، وكذا النظام التونسي على رأسها، بينما النظام التركي تفاعل إيجابيًا مع رأيه العام، وتحرك بفعالية داعمًا للمقاومة، رغم علاقته الوطيدة مع الكيان الصهيوني؛ لأنه نظام ديمقراطي.. فهل يكون زلزال غزة مفجرًا للدكتاتوريات القائمة؟

      ·      تعمق نظام التجزئة:

      مقابل ما تنجزه المسألة الفلسطينية، وكذا كل مصيبة تحل بجزء من الأمة، من تأجيج للروح الجامعة في الأمة، تتعمق في أوساط النخب الحاكمة عناصر الاستقالة من مقتضيات الروح القومية والإسلامية الجامعة، وذلك خضوعًا لمطالب الخارج وبخاصة للسياسة الأمريكية المترجمة لرغبات الصهاينة في الدفع إلى تجزئة المجزأ..

      ولأن هذه الأنظمة معزولة عن شعوبها فليس في رصيدها ما تعتمد عليه حتى للممانعة الجزئية للمطالب الصهيونية الغربية كما فعلت «تركيا» خلال الحرب على «العراق»؛ إذ رفضت مرور الجيوش الأمريكية عبر أراضيها، وكما فعلت إزاء اجتياح «غزة»، رغم علاقاتها الوطيدة مع الغرب والصهاينة.

      ·      حركة الشارع شريك في النصر:

      كان لحركة الشارع التي فجرتها مشاهد الصمود في غزة في مواجهة الوحشية الصهيونية دور مهم فيما انعكس منها على أهل غزة مزيدًا من الصمود والثبات.. وكان الإعلام الحر جسرًا للتواصل بين غزة والعالم، كل منهما يغذي الآخر، وبقدر ما كان ذلك مجليًا لحقيقة القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية تحرر إنساني، بقدر ما أظهر حقيقة المشروع الصهيوني باعتباره مشروعًا استعماريا أشد توحشًا من النازية والفاشية، متجردًا من كل خلق ودين.

      كما فضحت حركة الشارع الأنظمة الموالية لهذا المشروع، واضطرتها إلى نوع من مماشاة الشارع، فسمح الشياطين الكبار بإصدار قرار أممي مجرد من قوة التنفيذ لامتصاص الغضب.

      وفرض ضغط الشارع على النظام العربي حصول نوع من الفرز داخله بين مناصرين للمقاومة وبين ضائقين بها ذرعًا؛ خضوعًا للضغوط الصهيونية الأمريكية، وهو تطور مهم يتيح لقوى التغيير فرصة الإفادة من هذا الزخم في تأسيس جبهات وطنية ترفع شعار تغيير هذه الأنظمة البالية، بدل رفع المطالب إليها، جريًا وراء سراب إصلاحها.

      ·      فشل النظام المصري:

      تعرّض نظام الرئيس المصري «حسني مبارك» أكثر من أي نظام آخر لامتحان شدید، ورياح عاتية تلفحه من خاصرته الفلسطينية الرخوة «غزة»، منذ إعلان فوز «حماس» في الانتخابات التشريعية؛ حيث نظر إلى الحدث باعتباره نذير شؤم، يرمز إلى أمرين يبغضهما: الإخوان، والديمقراطية، وهو في حرب ضروس ضدهما.

      والفلسطينيون من جهتهم محكوم عليهم بعلاقة وثيقة مع «مصر»، إذا أرادوا أن يظلوا جزءًا من المنطقة ولم «يتصهينوا»، فلم يكن عجبًا أن ولدت «منظمة التحرير» في «مصر»، وظلت في مسارها العام دائرة في فلكها.. من هنا جاء تعقيد العلاقة بين «حماس» والنظام المصري، ومشكل العلاقة أن الطرف الفلسطيني بقدر ما ازداد راديكالية «أصولية» في علاقته مع الاحتلال، بقدر ما ازداد النظام المصري حرصًا على علاقة حسنة، معه احتياجا إلى دعمه لدى «الولايات المتحدة»؛ لضمان دعم حكمه وتوريثه.

      لقد تحول النظام المصري من قائد لتحرير فلسطين إلى مستقيل منها، ثم إلى وسيط بين المقاومة والاحتلال، لكنه وسيط منحاز إلى الأخير.. الأمر الذي جعل وساطته تفضي إلى مأزق، بعد أن رفضت المقاومة ما سُمِّي بالمبادرة المصرية، التي تهدف في منتهاها إلى إعادة سلطة «محمود عباس»، والاحتلال إلى القطاع عبر التحكم في معبر رفح شرطًا لوقف القتال.

      ولأن «حماس» رفضت الخضوع لشروط المحتل التي يسوقها النظام المصري، فقد تعرضت للتهديد، ولسخط «مبارك»، ولم يجد الاحتلال سبيلًا غير وقف القتال من طرف واحد، ضاربًا عرض الحائط بالوساطة المصرية، مستعيضًا عنها بضمانة أمريكية بمساعدته على مراقبة الحدود لمنع تهريب السلاح..

      ولأن الصهاينة حريصون على استبقاء العلاقة مع نظام «مبارك»، فقد أعلنوا أنهم سيوقفون القتال استجابة لطلبه (!)، ولم يجد هذا الأخير سبيلًا لاستعادة دوره المفقود غير الالتجاء إلى أصدقائه الأوروبيين لتقديم غطاء لوقف القتال ودوامه، إلا أن هؤلاء اتجهوا رأسًا من «شرم الشيخ» «مصر» إلى «القدس» المحتلة، يعززون مكانة الكيان الصهيوني الذي استحدثوه، وهم يرونه في خطر!

      ·      تعزيز ثقافة واستراتيجية المقاومة:

      وذلك كما عبرت عنها حركة الشارع بعد ثلاثين عامًا من الضرب في تيه المساومات لم تثمر سوى المزيد من ضياع الأرض، والتهويد لـ«القدس»، والتمزيق وتفشي الفساد في مستنقع «أوسلو».. فبقدر ما أحيت ملحمة غزة من ثقافة المقاومة وحركة الشارع، بقدر ما أضعفت من معسكر التسوية والتطبيع المسمى معسكر الاعتدال!

      ·      التبشير بولادة نظام عربي جدید:

      والعودة بهذا النظام إلى حيثيات انبعاثه الدائرة حول قضية فلسطين، وقد انتهى أمر هذا النظام إلى اتفاقيات «كامب ديفيد»، و«وادي عربة»، و«أوسلو»، وختم بما سُميت «المبادرة العربية»؛ حيث يعرض النظام العربي مجتمعًا على دولة الاحتلال الاعتراف بها مقابل اعترافها بدويلة للفلسطينيين فترفض!!

      فماذا يبقى لمثل هذه المبادرات من مبرر للتمسك بها، وقد رفض الفلسطينيون مشروع التسوية جملة في انتخابات حرة؟ لم يبق للنظام العربي المتهالك سبب لاحتضانه رئيسًا لـ «سلطة فلسطينية» خاوية قد استوفت أجلها، غير الانقطاع عن حركة الزمن، والهلع من التغيير، ومن غضب الصهاينة وأوليائهم.

      وجاءت ملحمة غزة لتدفع هذا النظام إلى حافة الهاوية، محدثة زلزالا في الشارع، من ركامه انبثقت ملامح لنظام عربي جديد يحتضن المقاومة، ويحتضن عمقها الإسلامي، فكانت قمة غزة في الدوحة؛ حيث أعطيت الفرصة لأول مرة لممثل المقاومة أن يقول كلمة فلسطين، وهي بداية جادة لنهاية عصر الزيف والعوة إلى حقائق الأشياء.

      وكان من بركات ملحمة غزة انعقاد «قمة الدوحة»، ومن بركاتها أيضًا رفع سقف قمة الكويت شيئًا ما.. فهل يكون ذلك خطوة بعيدة على طريق تحولات واسعة في الأنظمة العربية على غرار ما حصل بعد نكبة ١٩٤٨م؛ بدءًا بتغيير نظام «مبارك» وأمثاله؟ ذلك ما ستحمله السنوات القليلة القادمة من بشائر بإذن الله.

      ·      عربدة الصهيوني الجبان فوق سماء غزة:

      آمنًا من طيران مقاوم أو مضادات أرضية، فيصول ويجول وكأنه في رحلة صيد؛ بل أشد من ذلك، كأنه يرش المبيدات على حشرات ضارة.. وطرحت سؤالين: لماذا؟ وأين السلاح العربي والإسلامي الذي دفعت فيه الشعوب من أقواتها مئات الملايين؟

      وأدركت أن الإجابة تعود إلى أمرين:

      - أولًا: التجزئة: التي فرضت علينا ثم ابتلعناها وتمسكنا بها لدرجة التقاتل من ورائها، بينما هي مصلحة لأعدائنا ويحمونها بالأساطيل.. ومأساة غزة إحدى ثمار هذه التجزئة اللعينة، وإلا فأي مبرر أن يُطحن شعب غزة، وجيوشنا أعدادها أضعاف مضاعفة لسكان غزة، فلا تعان بجيش ولا بسلاح؛ بل تتولى الدولة العربية العظمى مهمة محاصرتها، وحرمانها حتى من فرصة الحصول على سلاح بسيط مهرب؟!

      - ثانيًا: تخلفنا العلمي: فالصهيوني ينتمي إلى عالم غربي متفوق علميًا مستهدف لأمتنا، صحيح أمتنا قد نجحت تعبئة قواها الروحية في طرد جيوش الأعداء، ولكنهم لا يزالون مدفوعين بتفوقهم المادي، ويكرّون علينا المرة تلو الأخرى، ويفرضون علينا إرادتهم.. وما حدث في «غزة» وفي «الفلوجة» «العراق» وغيرها ترجمة لهذه الفجوة التقنية بيننا وبينهم، وهم أشد ما يكونون حرصًا على استبقائها وتوسيعها وإجهاض كل محاولة لتضييقها.

      وبالإضافة إلى رصيد الإيمان الرّابي، فإنه لئن ظلت الفجوة التقنية بين أمتنا وأعدائها ضخمة، فليست الفجوة العلمية كذلك، فهناك جيل من المهندسين في صفوف المقاومة، صنّاع الأنفاق والعبوات والصواريخ التي دوّخت الأعداء؛ إذ ترميها وتطلقها أيد متوضئة لا تقل معارف أصحابها العلمية عن نظرائهم في الجبهة المقابلة، وقد يكونون متخرجين في الكليات نفسها، مما يجعل المسألة مسألة زمن، حتى يتمكن هذا الجيل، وهو آت لا ريب فيه بإذن الله قد حملت «غزة» بشائره، من قيادة الأمة التي تتبع عادة من يحمل راية تحرير فلسطين صادقًا.

      ﴿لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ولكن أَكْثَرَ النَاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة الروم آية: 4- 5- 6).

       

الرابط المختصر :