العنوان ملف الجامعة (العدد 382)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1978
مشاهدات 75
نشر في العدد 382
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 17-يناير-1978
هل من مصلحة الدولة.. السيطرة على الجامعة؟
وهل من مصلحة الجامعة أن تسيطر عليها الدولة؟
«بذاءة» تاريخية يرتكبها الذين يتحدثون عن الموضوعية وضرورتها في معالجة المظالم الاجتماعية المنتشرة في مجتمع الكويت حيث ما قيمة الكلمة الموضوعية في غياب المقاييس الموضوعية؟ ونلاحظ أن الذين يدعون إلى هذه -البذاءة- التاريخية هم دائمًا الذين بإمكانهم أن يظلموا غيرهم في شأن من الشؤون دون أن تكويهم أدوات العذاب العقاب في ظل حالة هكذا تصبح الكلمة الموضوعية علفًا يعلكه الذين يعجزون عن مواجهة الباطل القائم في أي مجال من مجالاته، وفي الجامعة هناك باطل قائم لن تلغيه الكلمة الموضوعية بل المواقف الصلبة وسوى ذلك عبث ومضيعة للوقت.
* اليوم مطلوب منا أن نجيب على الأسئلة المثبتة في صدر المقالة:
فالدولة لم تحرص هذا الحرص الشديد الملحاح للسيطرة على الجامعة إداريًا وماليًا وعلميًا ومن ثم مستقبليًا إلا وهي منطلقة من قناعة أن في هذه السيطرة على الجامعة مصلحة سواء كانت قريبة المدى أم بعيدة، بالتالي أبرز أسئلة ذات أهمية. كل الأسئلة للقلق بماهية مصلحة الدولة في السيطرة التامة على الجامعة. ما هي طبيعة هذه المصلحة؟
من يحدد أين تبدأ وأين يجب أن تنتهي؟ ما مدى تأثير ذلك على المستقبل الفكري ومن ثم الحضاري في الكويت؟ هل هناك ضوابط قانونية تلجم عوامل تصاعد هذه السيطرة؟
صناعة -كوادر- كويت المستقبل هل هي صناعة حكومية مؤممة ولماذا هذه الصناعة بالذات بينما تترك باقي الصناعات نهبًا لما يسمونه بالاقتصاد الحُر؟
أليس صناعة -كوادر- كويت المستقبل مسؤولية وطنية جماعية تتجاوز في أبعادها وفاعليتها المجالات الرسمية؟
يبدو لنا أن هذه الأسئلة الهامة ينبغي أن تُعالج وأن يتصدى لها بالمناقشة المثرية ونحن نعالج سيطرة الدولة التامة على الجامعة.
عمليًا وبدون لف ودوران الجامعة هي ورشة تصنع فيها أدوات التغيير والموظفين الحكوميين بكل المعاني إن عملية التلقي العلمي اليومية في الجامعة ينبغي أن يستتبعها تغيير في النظر إلى الأشياء، تغيير أكثر صحية وأمتن عافية، ويوميًا نلحظ عملية التغيير هذه في الجسم الطالبي في الجامعة. هذه العملية التغييرية لا أحد يستطيع أن يقف في وجهها وفي مسار تطورها ومن ناحية ثانية لا أحد يقدر على اختزالها أو إنضاجها قبل أوانها أو دفعها لتتجاوز حدود إمكانياتها في السرعة. إنها تأريخ في حالة صنع وجنين في حالة نمو والجامعة في هذه الحالة هي المصنع والرحم الدافئ والمشكل هنا ليس في بناء السدود والتهافت على حلول لعرقلة هذا النمو بل هو توجيه المجرى بحيث يخصب الأرض ويشبع الخلق ويكون سلام.
يبدو أن الدولة لا تثق بالكفاءات الوطنية الحقيقية الموجودة في الجامعة لتسلمها الأمانة ولذلك فهي ويا للأسف تتكئ على كل متردية ونطيحة وتعرقل من خلال جهاز موظفيها -المثقفين- تقدم أي كفاءة قادرة على أن تقول: -لا- حين يحين قولها، من يعرف القصص والحكايات الداخلية في الجامعة يدرك طقوس السرية في هذا الكلام، إذ تسلم هذا الجهاز من الموظفين المثقفين حملة الدكتوراه -الله أعلم من أين- وارتباط ماكينة الحركة بنعماتهم ولاءاتهم أمر يزيد من حدة التناقض في الجامعة وهو أمر يعرض الدولة لحرج كبير كلما بدأت الجامعة تغلي وتفور.
إن سيطرة الدولة على الجامعة بهذه الطريقة الفجة لا يؤدي الغرض منه الذي تبتغيه الدولة، ولا يستفيد منه سوى هؤلاء الموظفين المثقفين وعلى رأسهم مدير الجامعة والطاقم الأمريكي المحيط به إن بقاء هؤلاء بهذه الكثافة واستبعاد العناصر العلمية عن مسؤوليات القيادة في الجامعة لا يخدم الدولة بأية صورة فإذن نستنتج أنه في ظل وضع هكذا لا تحقق السيطرة على الجامعة أي مصلحة وقتية للدولة إن سيطرة الدولة المباشرة وبهذا الشكل على الجامعة أدّى في نهاية الأمر إلى وراثة الجامعة لكل الأمراض التي تشكو منها مؤسسات ووزارات الدولة أي خضوع التعيينات الرئيسية القيادية للاعتبارات السياسية، وتفشي البيروقراطية، ومحدودية التفكير بحدود تفكير الوزير الوساطات والاستزلام كل هذا موجود في الجامعة وموجود في وزارات الدولة أيضًا ومن الأخلاق الاعتراف به. وكل ذلك نتج عن سيطرة الدولة على الجامعة وهذا قطعًا لا يخدم الجامعة ولا يخدم استقرار الدولة على المدى البعيد.
ومطلوب صيغة جديدة تضبط العلاقة بين المصلحتين مصلحة الدولة ومصلحة الجامعة، وخذوا العبرة من الجامعات الأخرى.
جامعة الكويت أم مستعمرة ثقافية أمريكية..؟؟
الاستعمار الأمريكي يدرك إدراكًا تامًا أهمية المنطقة العربية وما يحمله مستقبلها من ثقل في حرب الاستراتيجيات الدولية.
وبصورة أخص يدرك الاستعمال تشابكات أزمة الطاقة والمصالح الضخمة المندرجة تحتها في الحاضر وفي المستقبل.
لذلك نشط الاستعمال الأمريكي من خلال إرسالياته التبشيرية في القرن التاسع عشر بتأسيس بعض المعاهد التي في الظاهر تحمل العلم والتخصص للمنطقة العربية وفي الباطن تشكل الواجهة المعلنة لنشاطات هدامة تستهدف فيها استقلالية الأمة العربية وتحقق في التحليل النهائي تبعيتها وذيليتها للغرب وسيادته واستعماله وكانت الغارة على المنطقة العربية ذات وجوه وبراقع ورايات متعددة ومتنوعة. كان الغزو من خلال الكتاب والمجلة والمعهد والمفاهيم والفيلم والمسرحية والزي والأسلوب اليومي للحياة، يواكب ذلك اهتمام بالغ بعزلنا كلية عن لغتنا وتراثنا وتاريخنا وعقائدنا وباختصار عن هوية وجودنا الإنساني تلك كانت مهمة الإرساليات التبشيرية التي تزاحمت في المنطقة العربية منذ القرن التاسع عشر الذين يفهمون تاريخ هذه الإرساليات يدركون أن مهمتها لم تكن هي في أن تقنع مجموعة من السكان هنا بالنصرانية، بقدر ما كانت هي في سلخ هذه الأُمّة من مكونات هويتها التاريخية ونبذها لقمة سائغة للاستعمار البعيد المدى الذي هو الاستعمار الفكري ونتائجه كما ترى اليوم: عملاء على كل مستوى.
من هذا المنطلق تأسست الجامعات الأمريكية في المنطقة العربية والمناطق المحاذية للبحر الأبيض المتوسط. جامعة أميريكية في القاهرة، وأخرى في أثينا، وأخرى في إسطنبول، وأخرى في بغداد تسمى بجامعة الحكمة وأخرى في شيراز -تسمى بجامعة بهلوي- وأخرى في الظهران -تسمى بكلية البترول-، وأخيرة تأسست في 1866م ببيروت. وهي الشهيرة بالجاسوسية وبتفريخ العملاء ونخبة الحكم في العالم العربي. كل هذه الجامعات مهمتها عجن الأجيال عجنًا أمريكيًا صرفًا وتهيئتها تهيئة فكرية سطحية تضع -الموديل- الأمريكي في كل مجال من مجالات نشاطاتها موضع الأمثل.
مهمة هذه الجامعات هي إيجاد النخب الفكرية وعزلها عن جماهير المنطقة وحجرها عن تحسس قضايا تلك الجماهير واستعمالها في منعطفات تاريخية معينة للحفاظ على مصالح أمريكا في المنطقة لا على مصالح الجماهير في المنطقة. لقد قامت هذه الجامعات عبر التاريخ بصناعة شبكة هائلة من العلائق الفردية والجماعية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية تجمع في طياتها ألوفًا مؤلفة من المتأمركين المحليين الذين يحملون اللواء الأمريكي من حيث لا يشعرون حتى اليساريين الذين فرختهم هذه الجامعات معظمهم يفضل الهجرة والعيش في أعفن بقع الرأسمالية العالمية ألا وهي الولايات المتحدة.
ومن الجدير بالذكر أن لهذه الجامعات صلات معلنة وغير معلنة مع سفارات وقنصليات الولايات المتحدة المحلية. نزيد فنقول: إن مديري هذه الجامعات قد اكتسبوا نفوذًا رهيبًا وأصرخ مثال على ذلك أن شارل حلو رئيس جمهورية لبنان الأسبق اضطر للانتظار يومين كاملين حتى يفرغ د. كير كوود –مدير الجامعة الأمريكية في بيروت- لمقابلته في مكتبة الجامعة عندما ضجت الصحافة اللبنانية من تضخم أعداد رجال وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في هيئة التدريس الأمريكان. مثال لا يُنسى هو د. –جوزيف مالون- رئيس قسم التاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت سنة 1965 عندما اتهمته الصحافة اللبنانية بالتجسس لصالح الصهيونية العالمية سأله أحد الطلبة في قاعة المحاضرات عن مدى صحة ذلك فقال: هب أن ذلك صحيح فلن تستطيع حكومتكم أن تمسني بسوء ما لم تسمح سفارتي بذلك. -مالون- هذا له علاقات رهيبة اليوم في كل الخليج من الكويت إلى مسقط وعلى كل مستوى بعد أن عينته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في منطقة الخليج، الحكومة الوحيدة التي وعت هذا الخطر وحاصرته وطوقته هي حكومة العراق الشقيق التي أممت جامعة الحكمة بعد أن ظهر العفن منها عفن الجاسوسية والعمالة والمؤامرة.
لا بد من المرور بهذه المقدمة لنفهم عملية الأمركة الرهيبة التي تمر بها جامعة الكويت، فخلال الحرب اللبنانية كانت إدارة الجامعة الأمريكية في بيروت ومجلس أمنائها في نيويورك تدرس فكرة تأسيس جامعة أمريكية في الكويت لتكون حلقة في نفس المسلسل مسلسل السيادة المزدوجة والحكومة في داخل حكومة.. ولولا أن ستر الله لنفذت الفكرة خاصة بوجود فروخهم في سدة الإدارة في جامعة الكويت. وعندما فشلوا في ذلك بدأوا يدرسون فكرة السيطرة على جامعة الكويت، وكان نظام المقررات هو المطية التي ركبوها وهو نظام أمريكي صرف حتى الآن لم يثبت نجاحه علميًا رغم الضجيج الذي أحيط به. من خلال تطبيق نظام المقررات الأمريكي وتحت هذه المظلة بدأت إدارة الجامعة وقيادتها –الأنكل سامية- تجلب -الخبراء- الأمريكان في كل المجالات: خبراء إدارة جامعات، خبراء شؤون طلابية، خبراء تخطيط. إلى آخره. وهذا السيل من -الخبرة- جر وراءه طوابير أخرى من جميع الكليات والأقسام والمختبرات. تبع ذلك كله سيل آخر من –الوفود العلمية- التي تزور بعض الأقسام بمعدل وفدين كل أسبوع خاصة فيما بين شهور أكتوبر وفبراير.
وفجأة يظهر قانون يفرض على كل معيد أو معيدة يرغب في التخصص للدكتوراه الذهاب للولايات المتحدة للحصول عليها. ما يقارب الستة والعشرين منهم رفضوا ذلك فما كان من مدير الجامعة إلا أن فصلهم من سلك هيئة التدريس. هذا العدد الكبير من شبابنا الكويتي -26 معيد ومعيدة وأغلبهم قد حصل على الماجستير- فصلهم مدير الجامعة لأنهم رفضوا السفر إلى الولايات المتحدة للتخصص وآثروا التخصص في مراكز أخرى للبحث العلمي. حتى مركز اللغة الإنجليزية فإن معظم الذين يدرسون فيه هم أمريكان رغم أن الأمريكان هم أسوأ من يدرس اللغة الإنجليزية بين الشعوب التي تتكلم اللغة واسألوا الإنجليز أنفسهم إن كنتم لا تعلمون.
حتى لائحة السلوك الطلابي التي أتحفنا بها عميد شؤون الطلبة في جامعة الكويت قد نقلها من لوائح أمريكية طبعًا لا يعيرها الطلبة هناك أية أهمية لأنها ببساطة، مضحكة إذا ما قورنت بالمحيط الاجتماعي الموجود الذي يعيشه الطالب هناك.
وأخيرًا حتى المناصب القيادية في الجامعة: المدير، نائب المدير لشؤون التخطيط، نائب المدير للشؤون العلمية، إلى آخره، يحتلها متأمركون رغم أن هناك كفاءات علمية كويتية تتوفر فيها الأقدمية العلمية والدرجة العلمية ومع ذلك فهي مبعدة فقط لأنها لا ترضع من ثوب أمريكي وإنما تتلقى المدد من قوة إيمانها بعقيدتها وتاريخها وأمتها وحضارتها، لا تعجبوا يا قوم! إذا اكتشفت حكومتنا في جامعة الكويت مستقبلًا ما اكتشفته حكومة العراق الشقيق في جامعة الحكمة منذ سنوات ماضية.
الأمريكيون يطبخون طبخة كبيرة في جامعة الكويت وما أبرزته الندوة المشهورة في العام الماضي في وثائق موقعة بتوقيعات كيسنجر شخصيًا ينصح فيها جامعة الكويت بالاستعانة ببعض الأشخاص الذين يرشحهم شخصيًا لهذه المهمة ما يكفي عن كل جدال. يا قوم خذوا حذركم، لن تخسروا شيئًا إن فعلتم ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل