العنوان أصدر كتابه بعد أحداث 11 سبتمبر.. رد افتراءات «الجابري » على القرآن الكريم (1)
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2011
مشاهدات 97
نشر في العدد 1963
نشر في الصفحة 22
السبت 30-يوليو-2011
- الحداثيون الذين تعلقوا بموقف الجابري في مواجهة المشروع الإسلامي والهوية الإسلامية هم الذين اقترحوا عليه أن يقتحم بـ ميدان «المقدس »
- التقيت بـ « الجابري » يرحمه الله مرتين: الأولى عام ١٩٨٩م في ندوة «الحوار القومي الديني ... والثانية بمهرجان الجنادرية» بالسعودية
- سررت عندما قيل لي : إن الرجل قد قلل من انحيازه للعلمانية ونقده للصحوة الإسلامية بعد حرب العراق عام ١٩٩١م.. إدراكا منه لتصاعد الهيمنة الغربية ودور التيار العلماني في خدمة التغريب
كانت المرة الأولى التي أرى فيها الراحل الأستاذ الدكتور محمد عابد الجابري ( ١٣٥٥ - ١٤٣١هـ / ١٩٣٦ - ٢٠١٠م)، وأقرأ له، وأسمع منه في الندوة» التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية حول «الحوار القومي الديني بمدينة القاهرة، في ٢٥ - ٢٧ سبتمبر عام ١٩٨٩م، ويومها حدث خلاف بيني وبين الجابري حول فكرتين من الأفكار التي - تضمنها بحثه في الندوة.
أولاهما : قوله : «إن الإسلام مقوم من مقومات القومية العربية».. ولقد رفضت في التعقيب المكتوب وفي الحوار هذا الاختزال للإسلام في علاقته بالعروبة والقومية العربية، ونبهت على أن هذه المقولة كان يقولها فيلسوف البعث العربي» ميشيل عفلق» (۱۳۲۸ - ١٤٠٩هـ / ١٩١٠ (۱۹۸۹م) في بدايات مشروعه القومي.. ثم حدث تطور لفكر الرجل، فقال: «إن القومية العربية قد ولدت ولادة جديدة في ظل الإسلام، وإن الإسلام هو الأصل ] والمحور، والمكون الأول، والأب الشرعي للقومية العربية والأمة العربية ....
وبعد أن كان يقول: «القومية أولاً» أعلن في السنوات الأخيرة من حياته «أن الإسلام أولاً» (1)
وتعجبت - في تلك الندوة - من أن يتجاوز «عفلق» مقولته تلك، بينما يتمسك بها الجابري !
تحقيق التراث
والفكرة الثانية : التي اختلفت حولها مع «الجابري» هي قوله : إن تحقيق التراث ينبغي العودة إليه، واستيعابه، وذلك لتجاوز كل التراث!
ولقد نبهت يومها على أن هذه الفكرة الخطرة تعني القطيعة مع التراث وهو ما لم يحدث حتى في الحداثة الغربية التي وإن أقامت قطيعة معرفية كبرى مع التراث الديني لأوروبا عندما أحلت دينها الطبيعي «الحداثة» محل الدين الإلهي، إلا أنها قد أحيت تراث الإغريق والرومان وخاصة في الفلسفة والقانون والآداب والفنون، وأقامت نهضتها الحديثة على كلاسيكيات هذا التراث. وكذلك كانت حال كل النهضات في كل الأمم والحضارات، حتى شيوعية «ما وتسي تونج» (۱۸۹۳) - ١٩٧٦م) قد أحيت وجددت جوانب من «الكونفوشيوسية الصينية، ولم يحدث أن أمة من الأمم العريقة قد بنت نهضتها على تجاوز كل التراث.
وأذكر أن «الجابري» - يرحمه الله قد توتر يومها عندما سمع مني هذه الملاحظات، لكن مرت الندوة، وظلت هذه الذكريات عن أول لقاء جمعني بهذا المفكر الكبير.
مضت الأيام، وكان مركز دراسات الوحدة العربية، وقطاعات من التيار العربي بالمشرق، والعلمانيون منهم على وجه الخصوص؛ يعانون من آثار هزيمة المشروع الناصري عام ١٩٦٧م ، ويحاولون التعويض عن هذا التراجع بتبني المشروع الفكري لـ «الجابري» كبديل للمشروع الإسلامي الذي تصاعدت به الصحوة الإسلامية منذ سبعينيات القرن العشرين؛ الأمر الذي جمع حول مشروع «الجابري خليطا من القوميين والعلمانيين والليبراليين، بل وشريحة من اللادينيين.. يحاول كل فريق من هؤلاء جر فكر «الجابري» إلى رصيده، وتفسيره على النحو الذي يزكي نهجه وغايته! وكانت المرة الثانية التي رأيت فيها الجابري بالمملكة العربية السعودية بقرية «الجنادرية» - إبان المهرجان الوطني السعودي للثقافة»، ويومها لاحظت محاولات المتدينين السلفيين التحرش بالرجل، بينما احتفى به والتف حوله العلمانيون والليبراليون والحداثيون الذين يقيم كثير منهم قطيعة معرفية كبرى وجادة مع الإسلام، ربما كراهة للجمود والتقليد الذي اشتهر به قطاع من المؤسسة الدينية»، والذي حسبه الحداثيون - خطأ - على الإسلام ولقد قرأت عن الحراسة الأمنية التي كانت تقيمها الأجهزة بالمملكة له الجابري خلال زياراته للسعودية مخافة تحرشات المتدينين السلفيين .
وعندما أصدر الرجل في عقد التسعينيات من القرن الماضي مجلته «فكر ونقد»، تفضل بإرسال أعدادها إلي على عنواني بالقاهرة؛ فأتاحت لي قدرا من التعرف على بعض ملامح مشروعه الفكري الكبير، وعوضتني عن عدم المتابعة لكتبه العديدة التي هملت معالم هذا المشروع ، الذي أعتقد أنه واحد من المشاريع المهمة في حياتنا الفكرية في السنوات الأخيرة.
تطور في فكره
وكنت كلما سنحت الفرصة بلقاء بعض المثقفين والمفكرين المغاربة؛ أسأل عن المسيرة الفكرية لهذا الأستاذ الكبير، ولقد سررت كثيرا عندما قيل لي: إن الرجل قد قلل من انحيازه للعلمانية، ومن نقده للصحوة الإسلامية، بعد العراق عام ١٩٩١م (حرب عاصفة الصحراء)، وذلك إدراكاً من الرجل لتصاعد الهيمنة الغربية على الوطن العربي وإدراكا منه لدور التيار العلماني في خدمة التغريب ولدور الصحوة الإسلامية كقوة عربية أولى في ميدان المقاومة لهذا الزحف الأمريكي الجديد، الذي أطلق عليه يومئذ «النظام العالمي الجديد»، والذي اعتبرته الإمبريالية الأمريكية نهاية التاريخ!
سررت كثيراً عندما سمعت من بعض المثقفين المغاربة عن هذا التطور في فكر «الجابري» ومواقفه، فالرجل - بنظري مفكر كبير، وصاحب مشروع فكري له في النخبة القومية والوطنية تأثير ملحوظ، ثم إنه «وطني» و «عروبي» و«قومي»، لا يختلف حول انتمائه هذا من يتحلى بقدر من العدالة والإنصاف.
عزوف عن الرد
ومضت الأيام دون أن تتاح لي - بسبب المشاغل الفكرية - أن أتجاوز موقع . المراقب» لمشروع «الجابري»، ولمسيرته الفكرية.
وكان يعجبني في الرجل فضيلة كنت قد التزمتها منذ بداية مسيرتي الفكرية، وهي العزوف عن الرد على منتقديه؛ وذلك إيمانا بأن العمل الفكري عندما يوضع بين يدي القراء، فإنهم يصبحون شركاء للمفكر في ملكيته، وأنه كما أن من حق بعض الناس أن يثني على هذا العمل الفكري، فإن من حق الآخرين أن يوجهوا إليه الانتقادات وأنه من الخير للمفكر والمؤلف بعد الفراغ من العمل الفكري - أن ينصرف إلى عمل فكري آخر، بدلا من أن يضيع بها «الجابري » رفضت اختزاله للإسلام في علاقته بالعروبة والقومية العربية بمقولة: إنه مقوم من مقوماتها ... حيث إن الإسلام هو الأصل جهده ويشغل نفسه ويشغل الناس بالرد على منتقديه.
لقد التزم الجابري - يرحمه الله بهذه الفضيلة عندما تعرض مشروعه الفكري للنقد - الذي جاء من التيار العلماني - ممثلاً في «جورج طرابيشي» أساسا، و«حسن حنفي، أحياناً، ومن التيار الإسلامي ممثلا في الفيلسوف الكبير الأستاذ الدكتور طه عبد الرحمن».. ولم أقف كثيرا عند رأي الذين أرجعوا موقف الجابري» هذا إلى «التعالي»، فالمهم الموقف، أما النوايا فعلمها عند الله.
مشروع النهضة
ومرت الأيام، ونوقشت بقسم الفلسفة في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة أواخر سنة ٢٠٠٨م رسالة دكتوراه، أعدها الباحث محمد علي أبو هندي»، عنوانها «مشروع النهضة بين د. محمد عمارة ود. محمد عابد الجابري.. وهي عمل فكري كبير تجاوزت صفحاته الخمسمائة صفحة وأحاط فيه الباحث بكل مفردات المشروع الفكري لكاتب هذه الدراسة وللدكتور الجابري (٢).
ولقد قدمني الباحث أبو هندي في دراسته هذه عن مشروع النهضة نموذجا للرؤية الإسلامية، وقدم الجابري نموذجا للرؤية العلمانية.
وعندما تصفحت هذه الرسالة الجامعية - وقد أهداني الباحث نسخة منها - أتيحت لي الفرصة للاطلاع على ما لم أكن قد أحطت به من أفكار «الجابري» وخاصة ما تعلق منها بالإسلام، وعلى وجه أخص بما صرحه في كتابه الأخير عن القرآن الكريم.
ولقد أشفقت - ولا أقول: غضبت - من الشذرات التي أطلعت عليها في الرسالة الجامعية، حول ما بدا لي مجازفات» وقع فيها الجابري حيال القرآن الكريم. وفي هذا السياق، زارني صديق مغربي عزيز، وكاتب ومثقف كبير، واسع الاطلاع هو الأستاذ عبد القادر الإدريسي»، وتطرق الحديث إلى ... الجابري»، فقال لي الأستاذ الإدريسي»: «إن كتابه عن القرآن مدخل القرآن الكريم، والجزء الأول منه في التعريف بالقرآن قد أحدث «صدمة» في الحياة الفكرية بالمغرب، ولدى الرأي العام الإسلامي المغربي على وجه الخصوص.
دراسة متميزة
ثم حدث أن دعيت يوم 11 مارس ۲۰۰۹م للمشاركة في مناقشة وتحكيم رسالة دكتوراه بقسم الفلسفة في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، لباحث مغربي هو «حسن موحى باقي»، وهو مغربي يعيش في هولندا عن مناهج تجديد الفكر الإسلامي المعاصر في المغرب».. وفي فصول هذه الدراسة المتميزة - التي استغرقت مني في القراءة والفحص قرابة الشهر - عايشت معالم التجديد بالمغرب، لدى تيارات الفكر المختلفة السلفية، والصوفية والعلمانية والحداثية؛ الأمر الذي أتاح لي المزيد والمزيد من الوقوف على أفكار الأستاذ الجابري وبنصوصه هو التي ساقها البحث، ومنها نصوص المجازفة - بل الافتراءات - التي وقع فيها «الجابري حيال القرآن الكريم.
ومنذ ذلك التاريخ، أخذت أبحث عن كتاب مدخل إلى القرآن الكريم في التعريف بالقرآن الكريم»، وهو سفر كبير قاربت صفحاته الخمسمائة صفحة، وعن تفسيره للقرآن الذي أسماه «فهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول»، الذي صدر في ثلاثة أقسام تقترب صفحاتها من ۱۳۰۰ صفحة، أخذت أبحث عن هذا العمل الفكري الذي زادت صفحاته عن ۱۷۰۰ صفحة، لأتبين - على نحو مباشر - حقيقة موقف «الجابري» من القرآن الكريم.
تفكيك التراث: لقد كان الرجل دائم الإعلان عن أن القرآن الكريم شيء والتراث - الذي خصص له مشروعه الفكري - شيء آخر، وبعبارته هو : «لقد أكدنا مرارا نعتبر القرآن جزءاً من التراث (۳).
أي أن القرآن عنده - كما هو عند كل مسلم - «مقدس»، بينما التراث، الذي دعا الجابري إلى تحقيقه وتفكيكه واحتوائه لتجاوزه كله، ليس مقدساً، فأردت أن أعرف بشكل مباشر، وليس بواسطة ما ورد بالرسالتين الجامعيتين ماذا قال الجابري» عن «المقدس» عن القرآن الكريم؟
وبعد بحث ومتابعة حصلت على ما كتبه «الجابري» في التعريف بالقرآن وفي تفسيره له سوره وفق إعادته لترتيب - حسب أسباب النزول ومسيرة - .. الدعوة الإسلامية. حصلت على هذا العمل الكبير أثناء معرض القاهرة الدولي - للكتاب يناير سنة ٢٠١٠م، فمكثت منذ ذلك التاريخ على دراسة هذا العمل الكبير، الذي أنجزه «د . الجابري» في وقت وجيز جدا !
كتابته عن القرآن
ولقد قرأت في الصفحات الأولى لمدخل « الجابري» إلى القرآن الكريم أن أصدقاءه من الحداثيين السعوديين هم الذين اقترحوا عليه أن يكتب كتابه القادم عن القرآن !
وبعبارته : «فلقد اقترح علي صديق من السعودية، ونحن على سيارته، متجهين إلى عزيمة» عشاء في منزل صديق مشترك بالرياض، اقترح قائلا: «لماذا لا يكون الكتاب المقبل في القرآن؟ (4) .
أي أن الحداثيين الذين تعلقوا بموقف «الجابري» في مواجهة المشروع الإسلامي والهوية الإسلامية، وتحمسوا لتفكيكه للتراث وتجاوزه كله هم الذين اقترحوا عليه أن يقتحم هذا الميدان.. ميدان «المقدس»!
وقرأت أيضاً في الصفحات الأولى من هذا المدخل إلى القرآن الكريم، أن «الجابري» قد عزم على الدخول إلى حقل دراسة القرآن وتفسيره، وفق أسباب النزول عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة ٢٠٠١م، أي في سياق تصاعد الحملة الصليبية الأمريكية الغربية على الإسلام وأمته وحضارته، وهي الحملة التي طالت القرآن الكريم، وبعبارة «الجابري»: «فإن التفكير في تأليف هذا الكتاب قد جاء بصورة ما نوعا من الاستجابة لظروف ما بعد سبتمبر عام ٢٠٠١م (5) .
وهي عبارة إن حددت «السبب»؛ فإنها لم تحدد « المقاصد » من وراء العزم على تأليف هذا العمل الفكري الكبير.
ولقد شاء الله - سبحانه وتعالى - أن يرحل « د. الجابري » عن عالمنا في 3 مايو سنة ٢٠١٠م، بعد أن قطعت شوطاً كبيرا في دراسة عمله الكبير عن القرآن الكريم وتفسيره له، وبعد أن جمعت أغلب المادة العلمية التي حددت اتجاه هذه الدراسات النقدية لما كتبه «الجابري» عن القرآن من «مجازفات» بل «وافتراءات»! ويومها - وأمام جلال الموت، وأمام رحيل هذا المفكر الكبير عن عالمنا - خطر لي أن أضع حصيلة الجهد الذي بذلته في «الأدراج»، وأن أصرف النظر عن هذه الدراسة النقدية، لفكر الرجل الذي غادرنا إلى رحاب مولاه.
وبعد أيام من التردد والقلق، قلت لنفسي: صحيح أن «الجابري» - الجسد - قد رحل عن عالمنا كما سنرحل نحن، وكما رحل وسيرحل كل من وما عدا الله ﴿ كل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الحكمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (القصص 88)، ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ﴾ (الرحمن 26،27)، لكن المشروع الفكري الجابري» قائم، قرأه ويقرؤه الناس، وأغلب الظن أن كتبه سيعاد طبعها إلى ما شاء الله، ومن ثم، فمن حق هذا الفكر، ومن حق قراء هذا الذي كتبه «الجابري عن القرآن الكريم. خاصة - أن تقال فيه كلمة. إن الرجل - في حدود ظني - لم يكن يضيق في حياته بالنقد، وأنا أتمنى ألا تضيق روحه بالنقد الذي تقدمه صفحات هذه الدراسة، خصوصا وأن الأمر يتعلق بالمقدس» وليس بالتراث، وهو خاص بالوحي الإلهي الذي خرجت من بين دفتيه المعالم والمقومات لهذه الأمة عقيدتها وشريعتها، وقيمها، ومدنيتها، وحضارتها ...
فالقرآن الكريم هو الرحم» التي ولدت منه أمة الإسلام، ومنه تبلور الدين الذي تصاعدت وتتصاعد ضده الحرب الصليبية التي زاد سعارها واشتد أوارها منذ ۱۱ سبتمبر ۲۰۰۱م، الذي فكر عنده وبسببه الراحل «الجابري في أن يكتب عن القرآن الكريم.
نقد وتصويب
لقد ختم الجابري حياته الفكرية بهذا الذي كتبه عن القرآن؛ تعريفا، وتفسيرا، وإذا كان فكرنا النقدي قد قام ويقوم - دائماً وأبداً - بالدفاع عن مقدسات الأمة، والقرآن في صدارتها، بصرف النظر عن حياة وموت الكتاب والمفكرين، فإن من واجبنا - وأيضاً من حق المشروع الفكري للأستاذ الجابري - ومن فروض الاحترام لقرار مشروعه الفكري - أن نعرض لدراسة هذا الذي كتبه عن القرآن الكريم.
وهكذا رجحت - عندي - كفة المضي في كتابة هذه الدراسة، التي نرجو أن يكون ما فيها من نقد وتصويب مرشدا لقراء كتاب «الجابري» عن القرآن الكريم ومن ثم «مزيلا» لما فيه من تأثيرات سلبية. على عقول القراء؛ الأمر الذي نرجو به من الله أن يغفر لـ«الجابري»، وأن يغفر لنا وإياه ﴿ إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لَمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ (النساء 48) إنه سبحانه خير مسؤول وأكرم مجيب ..
خواطر داعية
بقلم : عبد الحميد البلالي
Al-belali@ hotmail.com
إيعال
إيعال، قرية جميلة على سفح جبل من جبال طرابلس بلبنان فيها مسجد عثماني قديم يختبئ بين ضيعات تلك القرية الجميلة صليت فيه، فلاحظت عجوزا جاوزت السبعين تجلس على كرسي خلف الصفوف، تدخل إلى المسجد قبل جميع المصلين.. دفعني الفضول أن أسأل عنها ، فقال لي القيم على المسجد : إن هذه العجوز متعلق قلبها بالمسجد ، لا تفارقه أبدا في جميع الظروف سواء كان ثلجاً أو برداً شديداً أو مطراً أو حرا، فإنها تبقى هي الأولى في دخول المسجد تنتظر الصلاة، لقد مات زوجها ، ولم يبق لها في هذه الحياة سوى ولد واحد يعمل داخل البلد، ويمر عليها بين فترة وأخرى.
بعد انتهاء الصلاة، حدثتنا تلك العجوز أن ولدها دعاها في الصيف المنصرم لتبقى عنده داخل البلد في شقته لمدة ثلاثة أشهر، ولكنها أحست بضيق شديد ؛ لأنها حرمت من هذا المسجد، ومن الذهاب إلى مسجد آخر، فطلبت الرجوع إلى حبيبها المسجد، ولم تر سلوتها وفرحها وطمأنينتها إلا عندما وطأت قدماها مسجد الضيعة من جديد. لقد ذكرتني هذه العجوز وأنا أستمع لها بأحد السبعة الذين يظلمهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله؛ ورجل قلبه معلق بالمساجد » فرأيتها صورة متجسدة لمن قلبه متعلق بالمساجد؛ لتعطي بذلك دروسا للشباب وللأصحاء ، وللدعاة في فنون التعلق ببيوت الله تعالى، وتعطي صفعة مؤلمة للمتكاسلين عن أداء الصلاة في المساجد، لأعذار واهية، ولانشغالات دنيوية.
إن لذائذ الدنيا كلها تسقط أمام لذة السجود في بيت من بيوت الله، ونيل أجر الجماعة الذي لا يعدله أجور ماديات الدنيا بأسرها .. وإن السعادة لا تشترى من أي مكان في العالم، ولا يستطيع مخلوق أن يبيعها لأحد، ولو قدم كنوز الدنيا بأسرها، إنما هي توهب من رب العالمين لمن قدم مرضاته على مرضات المخلوق ولمن اشترى الآخرة وباع الدنيا. إنها بعض الدروس التي تعطيها عجوز إيعال ... فهل يعي طابور الكسالى والدعاة هذه الدروس ؟!
الهوامش
- انظر عن مكانة السلام في المشروع الفكري لـ«ميشيل عفلق»: كتابنا التيار القومي الإسلامي»، طبعة . دار الشروق القاهرة، عام ١٤١٧هـ - 1997م.
- طبعت دار السلام بالقاهرة هذه الرسالة الجامعية بعنوان «مشروع النهضة بين الإسلام والعلمانية دراسة في فكر د. محمد عابد الجابري»، عام ١٤٣١هـ / ٢٠١٠م.
- مدخل إلى القرآن الكريم في التعريف بالقرآن، ص ٢٦، الطبعة الثانية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، عام ٢٠٠٧م.
(٤) ، (٥) المرجع السابق، ص ١٤، ١٥ .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل