العنوان تشرنوبيل: نموذج للكارثة التي يمكن أن تسببها المفاعلات النووية الإسرائيلية
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1996
مشاهدات 80
نشر في العدد 1195
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 09-أبريل-1996
- 800 ألف طفل يولدون مشوهين سنويًا في منطقة تشرنوبيل بسبب الإشعاعات النووية
مضى على كارثة تشرنوبيل (26/4/1986م) عشرة أعوام، ولم يظهر بعد سوى القسط الأول من عواقبها الوخيمة، وهذا ما عبر عنه وزير الخارجية الأوكراني جينادي أودو فينكو يوم 21/3/1996م في جنيف بقوله: «إننا نرصد ازدياد عدد الضحايا باطراد مع مضي مزيد من الزمن على وقوع الكارثة»، وتفسر ذلك منظمة الصحة العالمية على لسان مديرها العام هيروشي ناكاجيما خلال مؤتمر سابق في نوفمبر «تشرين الثاني» الماضي في جنيف أيًضا، إذ يقول: «إن كثيرًا من الإصابات والعاهات ستظهر خلال العقود المقبلة كما كان في اليابان».
والمقصود بعد إلقاء القنابل النووية الأمريكية على هيروشيما وناجازاكي في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، هذا مع وجود فارق رئيسي، وهو أن حجم الإشعاعات المتسربة من انفجار واحد من المجمعات الأربعة للمفاعلات النووية في منشأة تشرنوبيل، يعادل 200 ضعف ما سببته قنبلتا هيروشيما وناجازاكي معًا في حينه، ذلك أن المواد الانشطارية المستخدمة في المفاعلات النووية المعاصرة أكبر طاقة وأشد خطرًا مما كانت عليه القنابل الذرية الأولى بما لا يقاس.. ولولا أن الأمريكيين اختاروا لجريمتهم النووية التاريخية مدينتين آهلتين بالملايين من البشر وأن منشأة تشرنوبيل تقع في منطقة ذات كثافة سكانية منخفضة نسبيًا، لكانت نتائج كارثة تشرنوبيل أشد وقعًا وضحاياها أكبر عددًا بكثير.
وليس في هذه الكلمات ما يهون من شأنها فالانفجار الذي وقع داخل الحدود الحالية لأوكرانيا قرب أراضي روسيا البيضاء، سبب على الفور تحويل 20% من الأراضي الزراعية الخصبة في روسيا البيضاء إلى أرض قاحلة ملوثة لا يمكن استصلاحها، كما تحولت 7000 مدينة وقرية في 14 إقليمًا إداريًا داخل حدود الاتحاد الروسي الحالية إلى منطقة موبوءة بالإشعاعات، ولا تزال أخطار التلوث في اتساع مستمر، يبين بعض أبعاده قول وزير البيئة الأوكراني كونستانتين روجا يوم 19/3/1996م: «وصل التلوث الآن إلى مناطق لم تكن توضع في الحساب من قبل، فرغم الحواجز التي أقيمت فور وقوع الكوارث تلوث نهر بريجيت عن طريق المياه الجوفية، وهو يحمل عناصر سيزيوم وشترونتيوم وسواهما من العناصر المشعة، فأصبح احتمال وصولها إلى نهر دنجيبر كبيرًا».. ونهر دنجيبر هذا هو مصدر مياه الشرب لزهاء ثلثي السكان في أوكرانيا .
الضريح الأسمنتي
والجدير بالذكر هنا أن المفاعلات المنفجرة التي أحيطت بما يوصف بالضريح الأسمنتي - على غرار قبور الفراعنة - خلال الأيام التالية للكارثة ما زالت مشتعلة، ويقدر العلماء أن المواد المشعة المتفاعلة حتى الآن وراء جدران الأسمنت تعادل ثلثي الطاقة الأصلية للمفاعلات، بينما يهترئ الجدار عامًا بعد عام، وتعتقد خبيرة المواد المشعة أولريكه فينك العاملة باسم منظمة السلام الأخضر، أن تجديده وفق المخططات الدولية الراهنة، لا يضمن عدم تسرب الإشعاعات في المستقبل، ويقول عالم الفيزياء النووية الأوكراني الكسندر بوروفكي إن بحيرة من المياه الملوثة إلى أقصى درجة، ويحجم 3000 متر مكعب، تجمعت في هذه الأثناء تحت الجدران الأسمنتية، وتتسرب من هناك إلى المياه الجوفية، ولا يستبعد أن تسبب كارثة أخرى نتيجة ارتفاع درجة الحرارة كما يقول وزير البيئة الأوكراني بوري كوستينكو.
وكانت نسبة الإشعاعات قد وصلت فور وقوع الكارثة وعلى بعد 130 كيلو مترًا شمال المنشأة إلى 25 ألف ضعف المعدل في الأجواء والتربة، وهي الآن بنسبة 1000 - 2500 ضعف فيما يسمى المنطقة الميتة التي تبلغ مساحتها 5000 متر مربع، تليها منطقة موبوءة بدرجة أقل بمساحة مماثلة، ثم المنطقة الثالثة والرابعة بمساحة 90 ألف متر مربع، سبق إجلاء 115 ألف شخص عنها نهائيًا، ونقل 300 ألف آخرين من مواطن سكنهم الأصلية، ولا يزال يراد تهجير 60 ألفًا آخرين.. وجميعهم يعيشون في أجواء ملوثة ويواجهون خطر إشعاعات المزروعات الملوثة، وقد استمر تسرب الإشعاعات تسعة أيام متوالية قبل حجز المزيد منها خلف الجدران الأسمنتية، ووصلت الإشعاعات إلى جنوب ألمانيا وسط أوروبا على بعد عدة آلاف من الكيلومترات، ودفع ارتفاع نسبتها في الأجواء والتربة هناك إلى عدد من الإجراءات الاحتياطية مثل منع تناول أنواع معينة من الخضار، وتوزيع مواد وقائية من الإصابات المرضية.
مركبات اليود
ويكثر الحديث عن خطر إشعاعات مركبات اليود على وجه التخصيص، بسبب ظهور مفعولها على الفور، والسبب أن إشعاعها يستمر ثمانية أيام قبل أن تتحول إلى عناصر هامدة، بينما يكمن الخطر الأكبر والأبعد مدى في عناصر مشعة أخرى مثل سيزيوم 137، الذي يهبط منسوب إشعاعاته إلى النصف بعد 30 عامًا، ولا تنقطع عن تلويث الأجواء والتربة نهائيًا إلا بعد 300 عام.. أو البلتونيوم الذي يهبط منسوب إشعاعاته إلى النصف بعد 2400 سنة، ولا يكاد يمكن تقدير الفترة الزمنية لتحوله إلى عنصر هامد.
وقد انعقدت ولا تزال تنعقد مؤتمرات دولية كبرى حول أخطار الكارثة، ونتائجها، ومكافحة هذه النتائج.. ومع ذلك بقيت الأرقام المنشورة عن عدد الضحايا من البشر متفاوتة من مصدر إلى آخر، ومن أسباب ذلك مساعي السلطات لتجنب دفع تعويضات مالية، وكذلك تجنب إثارة المزيد من المخاوف في المناطق الملوثة، وكان من أواخر ما نشر من أرقام ما ورد في دراسة لمنظمة الغوث الروسية «فياتشيسلاف جريشين - Viatshes law Grisihin» يوم 29/3/1996م أن عدد القتلى فور وقوع الكارثة تجاوز 7000، وعدد المشوهين 30.000 على الأقل، وأصيب بالأمراض والعاهات 30% من العاملين في تنفيذ الإجراءات الفورية عقب الحادثة وسط مخاطر التعرض للإشعاعات، وكان عددهم بالمجموع حوالي 600,000 ولم يعترف لهم بصفة الضحايا وبالتالي بحق التعويض المالي حتى الآن.
وتقول وزارة الصحة الأوكرانية حسبما نقلت عنها وكالة أسوشيتد برس يوم 8/3/1996م إن عدد الوفيات ذات العلاقة بالكارثة في أوكرانيا وحدها - وكانت أقل تضررًا من روسيا البيضاء - قد بلغ 125 ألفًا، وسبق أن ذكرت المصادر الرسمية الأوكرانية في مؤتمر دولي في جنيف 18 - 22 مارس «آذار»، أن الوفيات تعادل 15 ألفًا سنويًا، من أصل 7 ملايين مصاب، يعادل عددهم 14.5% من سكان أوكرانيا بمجموعهم «52 مليونًا»، ومن هذه الإصابات ما لا يرجى منه شفاء بالمقاييس البشرية، ويعادل مليوني حالة، وعلاوة على ذلك يولد سنويًا 800 طفل مشوه، وارتفع عدد الإصابات السنوية بسرطان الغدة الدرقية بين الأطفال- وهو نتيجة الإشعاعات بصورة ثابتة طبيًا - من 5 إصابات فقط عام 1980م، إلى 500 إصابة سنويًا في الوقت الحاضر، وكانت منظمة الصحة العالمية قد ذكرت في مؤتمر نوفمبر «تشرين الثاني» الماضي أن الإصابة السرطانية المذكورة ارتفعت في البلدان الثلاثة المعنية معًا، من معدل واحد من مليون نسمة من سائر السكان قبل الكارثة إلى 36 في عام 1994م، وإلى 100 حالة من مليون نسمة من سكان المنطقة المحيطة بموقع الكارثة مباشرة.
وذكر الأطباء في مؤتمر دولي في مينسك عاصمة روسيا البيضاء يوم 21/3/1996م، أن تسارع ارتفاع معدل هذه الإصابة السرطانية لدى الأطفال لم يبلغ ذروته بعد، وهو ما يتوقع أن يكون عام 2001م، أي بعد 15 عامًا من وقوع كارثة تشرنوبيل، قبل أن يثبت أو يهبط تدريجيًا من جديد، وسبب الإصابة هو مركب نوكليد - يود 131 المشع.
ويبلغ عدد الأطفال الموضوعين تحت الرقابة الطبية في الاتحاد الروسي 800 ألف طفل حاليًا حسب أقوال وزارة الصحة في موسكو يوم 10/3/1996م، ومن هؤلاء 70 ألفًا تحت العلاج العيادي، و3 آلاف تحت العلاج السريري في المستشفيات.
أمراض غريبة وخطيرة
وتقول إيلينورا كابيتونوفا من معهد Co mel للبحوث الطبية في كييف عاصمة أوكرانيا، إن الإصابات المرضية لدى الأطفال ازدادت إلى عشرة أضعافها، وتقول مصادر رسمية أوكرانية، إن 10% من تلاميذ الصف الأول أصبحوا مصابين.. وهو ما يشير إلى أنواع أخرى من الإصابات المنتظر انتشارها في الأجيال المقبلة خلال العقود المقبلة من السنوات، مثل ما يسمى فقر الدم «نقص الكريات الحمراء» وتشوه عوامل الوراثة «الجينات».
ونادرًا ما يتعرض الحديث إلى ضرب آخر من ضروب العواقب الصحية الوخيمة للكارثة، وهو النتائج النفسانية التي كانت موضع اهتمام العالم الأوكراني جيورجي بيليافسكي، وقد قال يوم 8/3/1996م إن منها مثلًا انتشار حالات اليأس والحزن، وارتفاع نسبة الانتحار، وامتناع النساء عن الإنجاب، والعزوف عمومًا عن الاهتمام بالمستقبل، وما شابه ذلك، ويضيف زيباستيان بقول جبايل، أحد علماء الفيزياء من برلين المعروفين بدراساتهم لنتائج كارثة تشرنوبيل، إن السلطات في المناطق المعنية، تتحفظ على معلومات مفادها أن 30 ألفًا من أصل 180 ألف شخص عملوا في منطقة الكارثة سابقًا قد انتحروا في هذه الأثناء.
کتاب في فرانكفورت
هؤلاء وأمثالهم أصبحوا في حكم المنسيين، على حد تعبير كتاب ظهر في فرانكفورت بألمانيا يوم 20/3/1996م بعنوان «ضحايا الأشعة فالتسمم.. فالنسيان»، ذلك أن الاهتمام الأكبر موجه الآن إلى الجوانب المالية ذات العلاقة بالكارثة التي تستهلك مكافحة نتائجها سنويًا 5% من ميزانية أوكرانيا و20 – 25% من ميزانية روسيا البيضاء.
وكانت المخاوف الشعبية على نطاق واسع في البلدان الغربية قد دفعت في السنوات التالية لكارثة تشرنوبيل إلى تحفظات كبيرة على مشاريع التوسع في استغلال الطاقة النووية، وهذا ما تشير إليه دراسة نشرتها مؤسسة - Safe An ergy Communication Council في واشنطن يوم 25/3/1996م وتقول بوجود 434 مفاعلًا نوويًا في العالم حاليًا، بزيادة 9 مطالعات فقط عن عام 1990م، ويجري بناء 34 مفاعلًا آخر، وهو أدنى رقم منذ 25 سنة، وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن يبدأ نصيب الطاقة النووية من الإنتاج العالمي للطاقة بالهبوط مجددا من 17 حاليًا إلى 13 – 15% عام 2015م.
ورغم سائر ما سبق ذكره فإن كارثة تشرنوبيل التي توصف بكبرى كوارث المفاعلات النووية المعاصرة، كانت ذات عواقب محدودة نسبيًا، بفضل انخفاض الكثافة السكانية في منطقتها، وعوامل جوية معينة كاتجاه الريح، إذ لم تصل الإشعاعات الخطيرة في الأيام الأولى إلى المدن الكبرى.. وهذا ما يشير إلى حجم ما يمكن أن تكون عليه نتائج كارثة مشابهة في مفاعلات ديمونة النووية، إذا ما وصلت الإشعاعات إلى غزة في الجنوب، وعمان في الشرق، وبيروت ودمشق في الشمال، وأدت إلى تلويث المياه السطحية والجوفية وتحويل التربة الزراعية إلى أرض قاحلة غير قابلة للاستصلاح.. في منطقة تتحدث التنبؤات عن أن الحروب المقبلة فيها ستكون على المياه.. فضلًا عن حروب استعادة الأرض والكرامة والسيادة الناجزة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل