العنوان أهمية التعريب وأثره في بناء كيان مستقل للأمة
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1994
مشاهدات 55
نشر في العدد 1108
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 19-يوليو-1994
- تعدد اللغات في المجتمع الواحد يعرضه للتصدع
- من أخطر القضايا في التربية مزاحمة اللغات الأجنبية للعربية في تعليم الأطفال
إن إصرارنا على استخدام اللغة العربية في أنشطة الحياة المختلفة هو نابع من شعورنا بأن ذلك سيحقق مردودًا كبيرًا لا حدود له على أنفسنا ومجتمعنا وأمتنا أولاً وعلى البشرية عامة ثانية، إذا أن وحدة اللغة تحقق وحدة التفكير، ووحدة التفكير تحقق وحدة المجتمع، وأن تعدد اللغات في المجتمع الواحد قد يعرض هذا المجتمع إلى التصدع والتباعد، كما أن توفير فرصة استخدام اللغة الأم للمواطنين وبالأخص العلميين والمثقفين منهم سيفسح المجال لتحقيق التقدم والإبداع الناتج عن التفكير المنسجم.
ونحن نريد من وراء الدعوة إلى التعريب أن نقضي على الازدواجية في حياتنا... فلا تكون الفئة المثقفة من أبناء الأمة بعيدة عن المجتمع الذي تعيش فيه وتكاد تكون معزولة عن البيئة المحيطة بها في الوقت الذي ينتظر من هذه الفئة أن تتولى مسئولية العمل المباشر في الإصلاح والبناء والتقدم.
كما أننا لا نريد من لغتنا أن تكون وسيلة للحاق بالأمم المتقدمة فحسب وإنما نريد منها أيضًا أن تعطي الإنسان العربي فرصة التفكير المنسق وقوة الانطلاق والإبداع، وتوصل إلى العالم حصيلة جهد الإنسان العربي ومساهمته الخلاقة في العطاء والتقدم والازدهار كما حققت ذلك في عصور أمتنا الذهبية السالفة.
إن من بين المشكلات الأساسية التي تواجه التعريب في الوطن العربي هو ذلك الاتجاه الخطير الذي حل في العديد من أقطارنا العربية فيما يخص إعداد الطفل وتربيته وممارسته للغة العربية وتعويده على التحدث بها.. فبالإضافة إلى الإهمال والتجني الذي تلقاه اللغة العربية من بعض أولياء الأمور في المنطقة العربية عند تربية أبنائهم فإن الكثير منهم يلجأ إلى تعليمهم لغة أخرى غير العربية، ويحاول أن يهيئ للطفل المناخ والظروف البعيدة كل البعد عن العربية باللجوء إلى مربية أجنبية أو دور الحضانة الأجنبية كي تعني بولده ولكي ينشأ ويتربى وهو غريب عن لغته ولغة قومه.. بل إن والديه يفضلان التحدث معه بغير العربية حرصًا منهما على تقويم لسان ولدهما في هذه اللغة الأجنبية وخشية تعرضه إلى الانزلاق (كذا) إلى العربية وبذلك ينشأ الولد ويترعرع وهو في عزلة كاملة أو شبه كاملة عن العربية وناطقيها.
ولعل من بين الحلول التي نراها ضرورية لعودة اللغة العربية إلى سالف عزها وسابق
مجدها هو ما يلي:
١ – إصدار القوانين والتشريعات اللازمة بجعل اللغة العربية لغة العلم والتعليم في المدارس، والجامعات، والمؤسسات العلمية، والتعليمية.
٢ – تحديد علاقة القوانين والتشريعات السارية في الدولة على ضوء سياسة التعريب بمفهومها الأصلي الثابت المعروف.
٣- وضع التشريعات اللازمة لتحديد القدر الأدنى من المعلومات في اللغة العربية وقواعدها واللازم توفرها لدى حملة الشهادات الجامعية والعاملين في الحقل الجامعي.
٤ – إصدار التشريعات التي تشجع العمل ومنح الامتيازات للعاملين في مجالات التعريب باعتبار أن التعريب قضية مقدسة لا تقل أهمية عن قضية الدفاع عن الوطن والأصالة والمقدسات ولابد من التجرد والإخلاص لهذه القضية لارتباطها المباشر بالسيادة الوطنية والقومية.
٥- إصدار التشريعات التي تحد من الاتجاهات المناوئة لنشر اللغة العربية والاعتزاز بها ووقف كل نشاط يؤدي إلى عرقلة تقدم اللغة العربية ويحد من نشاط ومسيرة التعريب.
٦ - المتابعة الدائمة والتنسيق لنتائج تنفيذ القوانين والتشريعات الخاصة بالتعريب وتعديلها وتطويرها كلما دعت الضرورة، وذلك عن طريق عقد الندوات واللقاءات والمؤتمرات المنتظمة وتبادل الخبرات والمعلومات فيما بين الأقطار المهتمة بمسألة التعريب.
٧ - إصدار التشريعات اللازمة لحماية المصطلح العلمي المعتمد وإلزام المؤسسات الأكاديمية والعلمية بتبنيه واستعماله، وهذا ما جرت عليه جميع الأمم التي استخدمت لغتها القومية في العلوم والتقنيات.
كما أن توفير المصادر المالية الكافية لدعم قضية التعريب والإنفاق على مشروعاتها بموجب خطط مرحلية واعية، يمكن اعتباره من العوامل الأساسية التي يلزم أن يحسب لها الحساب وتوفر لها الدراسات الكاملة المفصلة منذ البداية.
وكل أمر يفتقر إلى هذا العنصر يصعب أن يتحقق له النجاح والاستمرارية، ولعل من بين الأمور المهمة أيضًا لدعم حركة التعريب وتنظيم أنشطتها هو توفير الطاقات البشرية القادرة على المساهمة في مشروعات التعريب، وضرورة زيادة أعدادها، ورفع قدرتها ومستوى نوعيتها.
ومن أجل أن نضمن الحصول على القوى العاملة من البشر بالإعداد والمستويات العالية التي تتطلبها مسيرة التعريب في الوطن العربي وبالأخص عملية تعريب التعليم العالي في الجامعات والمؤسسات العلمية فإننا نوصي بما يلي:
١ - تنشئة الجيل تنشئة اعتزاز باللغة العربية واعتزاز بماضي هذه الأمة والعمل من أجل تحقيق هذا المعنى في نفوس الناشئة بالتعاون بصورة مباشرة أو غير مباشرة بين البيت والمدرسة وأجهزة الإعلام من صحافة وإذاعة مرئية أو مسموعة.
٢ - الاهتمام بتعليم اللغة العربية في المدارس والمعاهد العالية والجامعات على ضوء أحدث الدراسات واستخدام الوسائل المعاصرة في تدريس اللغات وتعليمها، ويشمل ذلك أيضًا إمكانية تعليم العربية لغير العرب وبالطرق السهلة الميسرة.
٣- إنشاء أقسام علمية للغة العربية إلى جانب اللغات الأخرى تعني بعلوم اللسنيات - Lin phonetics والصوتيات guistics وعلم السيمياء Semantics وإنشاء المختبرات اللازمة لها وتشجيع البحث العلمي في هذا المجال في الجامعات والمؤسسات العلمية في الوطن العربي، بالإضافة إلى الإفادة من الخبرات الأجنبية في الوسائل والطرق المستخدمة في الدراسات المتبعة مع اللغات الحية الأخرى مثل الألمانية والفرنسية والإسبانية والإنجليزية وتطبيق ما هو مفيد بالنسبة للغة العربية.
٤- إنشاء أكاديمية التعريب في الجامعات العربية تعني في الدراسات التي تؤهل الأفراد للتخصص في التعريب في الحقول العلمية والتقنية المختلفة، وكذلك ليتمكن المؤهلون – من هؤلاء _ من المساهمة في التدريس والبحث العلمي في الجامعات والمؤسسات العلمية بمقدرة وجدارة تدعمهم شهادة تخصص وكفاءة تمنحها هذه الأكاديمية يضمن على ضوئها جدارة الأفراد في أداء واجبهم التعليمي والعلمي في ظل التعريب على الوجه المقبول، كما يجب أن تراعي هذه الشهادة عند التعيين وفي الترقيات وقد سبق لي أن قدمت في ندوات التصورات المستقبلية لجامعة الخليج العربي والتي عقدت في عام ١٩٨٣م بدولة البحرين ورقة تتضمن مشروعًا متكاملاً لإنشاء أكاديمية التعريب في جامعة الخليج العربي ولكن الظروف التي مرت بها الجامعة لم تساعد للأسف على إقامة وفتح مثل هذه الأكاديمية.
٥ – ضمانًا للمواكبة العلمية والحضارية لابد من الإفادة من طبيعة المشارب المختلفة للثقافات والتخصصات العلمية المتعددة في البلاد الأجنبية، وذلك عن طريق تسخير قوى الدارسين المتعلمين من أبناء العربية في هذه البلاد لنقل العلوم والمؤلفات النافعة من لغات هذه البلدان إلى العربية.
٦- حصر المؤتمرات والندوات واللقاءات العلمية التي تعقد على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي في كل عام وتعميمها على الهيئات الرسمية وشبه الرسمية بحيث يتيسر إشراك أكبر عدد ممكن من الاختصاصيين من عالمنا العربي على أن يقوم هؤلاء بجمع كل ما يرد من هذه التظاهرات العلمية من مبادرات ودراسات علمية أو مصطلحات وإدخاله بعد التنسيق ضمن سياسات التعريب والخطط والأجهزة المعدة لها.
٧- لابد من جعل العربية لغة التخاطب العلمي بين الطالب والأستاذ بحيث لا تبقى المبتكرات والمصطلحات العلمية محصورة بين بطون الكتب والمعاجم ولابد من ملاحظة ذلك عند تنفيذ أو تقويم تجربة التعريب، بل لابد من إشاعة المصطلح العلمي العربي أو أسماء المخترعات والوسائل المستحدثة التي يستعملها المواطن العادي كل يوم. ولا يجوز أن تبقى حكرًا لدى المثقفين والمتعلمين وتبقى بعيدة عن الصغار من العاملين في المجالات العلمية والفنية، فهناك مصطلحات عامة يجب أن تشيع بين الجميع فإن فهمها المهندسون والفنيون والعلماء فيجب أن يفهمها أيضًا العمال وصغار الفنيين حتى تكون لغة التخاطب فيما بينهم واحدة.
ولعل من المناسب أن نتطرق إلى الدور الإيجابي والممتاز الذي يمكن أن تلعبه الجامعات والمؤسسات العلمية والثقافية والاتحادات المهنية والجمعيات المختلفة في نشر المصطلح العلمي وإشاعته ودعم حركة التعريب في كافة أنحاء الوطن العربي والإسلامي وذلك عن طريق تشجيع الأعضاء المنتمين إليها وبالأخص فيما يتعلق بالمصطلح العلمي وذلك عن طريق إدراج المصطلحات العلمية الجديدة في النشرات والمجلات العلمية والدوريات التي تصدر عن هذه الجهات ولعل من المفيد أن نضع أمام هؤلاء جميعًا بعض الحلول التي يمكن الأخذ بها لكي يتخلص عالمنا العربي من مشكلة المصطلح العلمي ويمكننا أن نلخصها بما يلي:
- الإكثار من عقد المؤتمرات واللقاءات العربية وعقد الحلقات على نطاق الوطن العربي والإسلامي لبحث المشكلات الخاصة بالمصطلح والمصادر العلمية وغيرها من مشكلات التعريب.
ب - السرعة في تعريب المصطلحات من قبل المتخصصين وعرضها على المجامع اللغوية لإقرارها وتحويلها إلى المنظمة العربية للتربية والثقافية والعلوم وكذلك مكتب تنسيق التعريب بمدينة الرباط في المغرب.
ج - قبول المصطلحات العالمية بألفاظها اللاتينية كما تقبلها جميع اللغات ويضمنها الروسية والاقتصار على التعريب الحرفي للمصطلحات ذات الطابع الدولي وتوفير الجهد على المجامع اللغوية.
د- تشكيل لجان متخصصة للتأليف باللغة العربية في مختلف الفروع العلمية والتقنية وانعقاد لجنة وطنية دائمة للتعريب تابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم تضم أساتذة الجامعات ورجال الصناعة من أجل توحيد المصطلح العلمي.
هـ - قيام مكتب التنسيق للتعريب بمهمة التوجيه عن طريق نشر معجم للمصطلحات التقنية الأجنبية مع جميع تقابلاته بالعربية وكذلك إصدار قواميس علمية عربية عصرية تساهم فيها جميع الهيئات العلمية في الوطن العربي، وهنا لابد من الإشارة إلى الببليوغرافيا الحديثة والحاجة إلى فهارس متعددة الأساليب والمقاصد تحصر كل ما كتب حول موضوع علمي معين أو حقل علمي معين بلغة معينة أو بلغات عدة، بحيث تشير هذه الفهارس إلى مصدر المعلومات وحجمها ومكان وجودها مما يوفر على طلبة الجامعات والباحثين جهدًا ووقتًا يمكن بذلهما في التحليل والدراسة، كما أن الببليوغرافيا القديمة للمؤلفات باللغة العربية هي الأخرى بحاجة إلى عناية واهتمام بالغين وحصر المصطلحات العلمية الواردة في هذه المؤلفات واستخدام الصالح منها أو تصويره على ضوء الحاجة في الدراسات المعاصرة يمكن اعتباره من الأمور التي ستوفر وقتا وجهدا وستثري اللغة المعاصرة والأسلوب العلمي بالرصيد الرائع والكنوز الثمينة من تراثنا العلمي المطمور.
وختامًا لابد من التأكيد مرة أخرى إلى أن التعريب قضية واحدة لا تقبل التجزئة وتتطلب منا العمل والإعداد والجهاد في جهات متعددة وفي آن واحد.. وهي ليست مسئولية الحكومات فحسب وإنما هي أيضًا مسئولية كل مواطن غيور على لغة آبائه وأجداده.
كمال عبد الله القيسي
أ.د مستشار رئيس الجامعة للمعلومات
ومصادر التعلم جامعة الخليج العربي - البحرين