; الخطر المزدوج للقوة النووية الإسرائيلية | مجلة المجتمع

العنوان الخطر المزدوج للقوة النووية الإسرائيلية

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1996

مشاهدات 82

نشر في العدد 1195

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 09-أبريل-1996

  • إسرائيل تمتلك أكثر من 200 قنبلة نووية موجهة إلى مواقع استراتيجية في العالم العربي.
  • مصادر فلسطينية: إسرائيل أجرت تجربة نووية في صحراء النقب في شهر نوفمبر الماضي.

أثار التقرير الذي بثه التليفزيون الإسرائيلي قبل أيام حول أخطار تسرب نفايات نووية من مفاعل ديمونة الإسرائيلي مخاوف الدول العربية المجاورة التي أخذت تلك التحذيرات على محمل الجد، وبدأت بمتابعة المعلومات التي تحدثت عن وجود تسرب إشعاع نووي في المنطقة، وقد أعاد التقرير فتح ملف الخلافات المصرية - الإسرائيلية حول الأسلحة النووية، والذي أدى إلى توتير العلاقة بين الطرفين في مطلع العام الماضي، حينما أثارت مصر ضجة على استثناء إسرائيل من التوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، ورفضت مصر في حينه التوقيع على تجديد المعاهدة بسبب امتناع إسرائيل عن الانضمام إلى الدول الموقعة عليها.

وقد شهدت الأيام الماضية التي أعقبت نشر التقرير الإسرائيلي تحركًا نشطًا على الصعيد العربي، وجرت مشاورات بين الرئيسين المصري والسوري لبحث المخاطر المتوقعة على المنطقة من جراء تسرب محتمل من مفاعل ديمونة النووي، كما عبرت جامعة الدول العربية عن قلقها من الأنباء التي تحدثت عن وجود تسرب إشعاعي في المنطقة، وكذلك دعت السلطة الفلسطينية إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين لبحث الموضوع.

ومن جانبها سارعت إسرائيل إلى التقليل من شأن التقرير الذي بثه التليفزيون الإسرائيلي، ونفى رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز، ووزير البيئة يوسي ساريد وجود أي تسرب إشعاعي من مفاعل ديمونة وأكد أن المفاعلات النووية الإسرائيلية هي نشاطات بحثية ولا تشكل خطرًا على الصحة والبيئة.

ولكن هذه التطمينات الإسرائيلية لم تكن كافية لإزالة المخاوف العربية، خاصة وأن تقارير سابقة حذرت في الأعوام الماضية من مخاطر حدوث تسرب إشعاعي، حيث كان الخبراء الأمريكيون في مجال الطاقة النووية قد نبهوا الإسرائيليين إلى خطورة التشققات التي ظهرت في مفاعل ديمونة، وحذروهم من مخاطر درجة الإشعاع النووي المتسرب، وكانت هذه التشققات في الحاويات المخصصة للتخلص من النفايات النووية الموجودة بالقرب من المفاعل الرئيسي قد ظهرت عام 1986م وتزايدت في عامي 1993 و1994م.

 وقد أشارت تقارير خبراء هيئة الطاقة النووية في مصر إلى مخاطر حدوث تسرب إشعاعي من مفاعل ديمونة نتيجة انتهاء العمر الافتراضي للمفاعل، وحذرت هذه التقارير من أن أية كارثة نووية متوقعة في المفاعل ستؤثر علي كل الدول المجاورة، ولن يقتصر تأثيرها على إصابة الإنسان، بل ستمتد آثارها المدمرة إلى البيئة ومعالم الحياة، وقدرت هذه التقارير عدد الذين يمكن أن يتعرضوا للإصابة بصورة مباشرة جراء هذه الكارثة بنحو ستة ملايين شخص، في حين سيتجاوز عدد الذين سيتأثرون بصورة غير مباشرة العشرين مليونًا.

 وكانت مصادر علمية مختصة في الأردن أكدت لإحدى الصحف الأردنية في مطلع شهر يناير «كانون ثانٍ» الماضي وجود تلوث إشعاعي بمقدار 23 وحدة في شمال الأردن، كما أشارت إلى حدوث تلوث إشعاعي في بعض المناطق السورية، وصل إلى نحو 700 - 800 وحدة، وأضافت أن السلطات الإسرائيلية كانت قد أعلنت يوم 5/7/1995م، عن وقوع حادث إشعاعي في ميناء حيفا، وقالت في حينه إن الحادث نجم عن عملية تصوير إشعاعي صناعي حدث في منشأة صناعية تستخدم الإشعاع النووي، كما نسبت الصحيفة لمصادر فلسطينية قولها إن إسرائيل أجرت يوم 5 نوفمبر «تشرين ثانٍ» الماضي تجربة نووية في صحراء النقب أحدثت فجوة في الأرض عمقها ألف متر وقطرها 140 مترًا.

 ودعا رئيس مجلس أمناء جمعية البيئة الأردنية رئيس الوزراء السابق أحمد عبيدات إلى تشكيل لجنة وطنية أردنية لإجراء دراسة علمية شاملة تبين سبب التصاعد المستمر للإصابة بمرض السرطان في الأردن، مشيرًا إلى أن حدوث تسرب إشعاعي في مفاعل ديمونة يزيد من المخاطر التي قد يتعرض لها الأردن، وأضاف أن ما يدفع للاعتقاد بحدوث تسرب إشعاعي هو الهزات الأرضية التي حدثت في المنطقة مؤخرًا، إذ يوجد ارتباط علمي بين الهزات والإشعاع النووي. 

ويذكر أن البرنامج التليفزيوني «ما بات شيني» أي «نظرة أخرى»، الذي بثه التليفزيون الإسرائيلي في 27/3/1996م كان قد أشار إلى الأخطار التي قد تلحق بالإنسان والبيئة نتيجة تسرب نفايات نووية من مفاعل ديمونة والتي كانت مختزنة منذ 30 عامًا في حاويات وبراميل معدنية قابلة للتلف، وأكد المهندس تسفي كاميل - رئيس لجنة السلامة النووية والمشرف على سلامة المفاعلات النووية في إسرائيل - أن حاويات النفايات النووية المخزونة منذ 30 عامًا لم يتم تبديلها طوال السنوات الماضية.

وأشار تقرير التليفزيون الإسرائيلي إلى وثيقة صادرة عن وزارة الصناعة الإسرائيلية قبل سبع سنوات حذرت من سوء تقنيات عمليات تخزين النفايات النووية في مفاعل ديمونة، وأكدت اكتشاف تلوث في آبار المياه الجوفية له صلة بعملية التخزين هذه.

خطر مزدوج للأسلحة النووية الإسرائيلية

ولا يقتصر خطر امتلاك إسرائيل للأسلحة والمفاعلات النووية على احتمالات حدوث تسرب إشعاعي، فإذا كان الهدف الأساسي بالنسبة لإسرائيل من امتلاك السلاح النووي هو استخدامه كوسيلة ردع ضد الأطراف العربية، فإن ذلك لا يلغي إمكانية استخدامه في أي صراع قادم.

وقد أشار خبير عسكري مصري إلى أن إسرائيل تمتلك أكثر من 200 قنبلة جاهزة للإطلاق ضد مواقع محددة على الخرائط وتشمل المرافق الحساسة العسكرية والاقتصادية والصناعية في العالم العربي، كما أشار الخبير الفيزيائي البريطاني فرانك بارنابي في شهر فبراير «شباط» 1995م إلى أن إسرائيل تمتلك نحو 200 رأس نووي بعضها يتضمن قنابل هيدروجينية، وأضاف أن بعض هذه الرؤوس النووية وضعت على صاروخي أريحا في صحراء النقب، وأن هذه الصواريخ دقيقة جدًا، وهي أسلحة هجومية وليست فقط للردع، وكان تقرير المعهد الدراسات الاستراتيجية في لندن قد أشار في استعراض الميزان القوى في الشرق الأوسط إلى أن إسرائيل تمتلك شبكات كثيرة لإطلاق الصواريخ، وأوضح أن الرؤوس النووية الإسرائيلية يمكن تركيبها على صواريخ بعيدة المدى من طراز «أريحا – 1» و«أريحا – 2» ولانس.

تطور القدرة النووية الإسرائيلية

يرجع الفضل في بناء القوة النووية الإسرائيلية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي شيمون بيريز «داعية السلام العمالي الحمائمي» الذي تولى عام 1953م منصب المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية، وأسندت له مهمة الإشراف على المشروع النووي، وقد أشرف على بناء مفاعل ديمونة النووي في صحراء النقب عام 1957م، وأشار بيريز فيما بعد إلى أن البرنامج النووي الإسرائيلي كان لعدة سنوات له الأولوية القصوى في حياته، ولذلك لم يكن غريبًا أن يتصدى في العام الماضي بصورة شخصية وباهتمام بالغ لمحاولات الضغط العربي لإلزام إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

وإذا كان 81% من الإسرائيليين قد عبروا الشهر الماضي خلال استطلاع للرأي عن معارضتهم لتخلي إسرائيل عن سلاحها النووي مقابل سلام شامل مع العالم العربي والإسلاميـ فإن بيريز ولا شك بحكم ارتباطه وحماسه الكبير المشروع إسرائيل النووي هو أشد إصرارًا على التمسك بهذا المشروع الذي يعتبره أمرًا بالغ الحيوية لإسرائيل.

 ورغم السرية التي اتبعتها إسرائيل على مدار العقود السابقة فيما يتعلق بمشروعها النووي، والتي جعلت من الصعب جدًا تقدير حجم ترسانتها النووية، فإن المعلومات المتوفرة حتى الآن تشير إلى أنها تمتلك مفاعلين نوويين هما ديمونة وناحال سوريك.

ويعود تاريخ الكشف عن وجود مفاعل ديمونة إلى عام 1960م، وهو يقع في صحراء النقب ويعرف أيضًا باسم «لوس الاموس» وتجرى فيه الأبحاث والتصاميم النووية والاختبارات الصاروخية، وأقيم فيه مصنع الصواريخ «أريحا- 2»، ويجرى فيه تخزين القنابل النووية التي تعمل بالجاذبية والأسلحة النووية التكتيكية، وهو ذو قدرة إنتاجية عالية تفوق قدرة مفاعل ناحال سوريك بنحو 30 مرة، حيث ينتج حوالي 88 رطلًا من البلوتونيوم تكفي لصناعة عشر قنابل، وتقدر النفايات الناتجة عنه بعدة أطنان من النفايات النووية الخطيرة، وتم بناء هذا المفاعل بمساعدة مباشرة من فرنسا.

وقد صدر في عام 1994م كتاب في نيويورك لويليام بوروز، وروبرت ويندرم بعنوان «الكتلة الحرجة»، كشف أن لدى إسرائيل عددًا كبيرًا من القنابل النيوترونية، وهي قنابل تقتل بالإشعاع بدل التفجير، إلى جانب قنابل هيدروجينية ذات قوة تدميرية عالية، إضافة إلى أنواع مختلفة من قذائف المدفعية النووية والألغام الأرضية النووية التي تستخدم ضد الدروع. 

وأضاف الكتاب أن إسرائيل كانت تمتلك في عام 1973م حوالي 20 قنبلة ذرية ارتفع عددها في عام 1985م إلى نحو 100، في حين وصل عددها حاليًا إلى أكثر من 200 قنبلة.

 ورغم امتلاك إسرائيل لهذه القوة النووية الهائلة «وفق تقديرات المصادر العربية والغربية»، وعلى الرغم من المخاطر الكبيرة التي يمكن أن تنجم عن امتلاك إسرائيل لهذه القوة، سواء كان ذلك بسبب الأخطار التي يمكن أن تتسبب عن حدوث تسرب وتلوث إشعاعي أو عن استخدام هذه الأسلحة في المراحل القادمة، فإن الموقف العربي لمواجهة هذه الأخطار لا يزال ضعيفًا للغاية، إذ سرعان ما يهدأ الاهتمام والمتابعة العربية بعد فترة من الزمن نتيجة مخاوف أو ضغوط، وفي الوقت نفسه تواصل إسرائيل الاحتفاظ بقدراتها النووية بل وتسعى إلى تطويرها وإلى إقناع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالاعتراف بحقها في امتلاك الأسلحة النووية، حيث يبذل رئيس الوزراء الإسرائيلي جهودًا حثيثة مع الولايات المتحدة بهذا الخصوص. 

وإذا كانت الإدارة الأمريكية ووكالة الطاقة الدولية تتحركان بحيوية للحيلولة دون امتلاك العديد من الدول لأية إمكانات نووية ولإخضاع أية مشاريع نووية للرقابة الدولية كما حدث في كوريا الشمالية وباكستان، فإن إسرائيل التي ترفض حتى الآن أية رقابة دولية على مشاريعها النووية تتمتع بحصانة خاصة في ظل النظام الدولي القديم والجديد.

الرابط المختصر :