; ملف باكستان ٣ باكستان... لماذا.. وإلى أين...؟ | مجلة المجتمع

العنوان ملف باكستان ٣ باكستان... لماذا.. وإلى أين...؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1977

مشاهدات 62

نشر في العدد 350

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 17-مايو-1977

وبدأت الحملة الانتخابية، ولقد كانت بدايتها فاترة؛ لأن غالبية أبناء الشعب كانوا على إيمان بأنها لن تكون انتخابات حرة عادلة؛ لأن بوتو إذا شعر أنه لن يربحها بجدارة فسوف يربحها بالتزوير، وما إن مضت الأيام العشرة الأولى من الحملة حتى شعرت الجماهير أن المعارضة في الحقيقة أقوى مما كان الجميع يتوقع، فقوى الأمل في النفوس عسى أن يقف التأني في وجهه أي تفكير بالتزوير، واستقطبت قوة المعارضة وحججها الجماهير، وأصبحت مسيراتها ومهرجاناتها الانتخابية يشارك فيها عشرات الألوف من الجماهير، حتى كان يوم الأحد ۲۷ فبراير-شباط- حيث خرج ما يقرب من ٢.٥ مليون شخص من المعارضة لتعلن لهم تأييدها، واستغرقت تلك المسيرة في قطعها الطريق من المطار إلى المدينة والبالغ طوله ١٥ كم مدة اثنتي عشرة ساعة، وانتهى مهرجانها الانتخابي الذي عقدته بعد ذلك في الساعة الثالثة من صباح اليوم التالي، وكان لهذه المسيرة أثرها الكبير وصداها في جميع أرجاء البلاد، وقرر بوتو القيام بمسيرته يوم الأربعاء ٢ مارس -آذار- فحشد لها جميع إمكانيات الدولة والحزب، وحملت أربعة قطارات الفلاحين من داخل إقليم السند كما حملت الحافلات أمثال هؤلاء، وصودرت الشاحنات والسيارات العامة، ورغم كل ذلك وصف مراسل هيئة الإذاعة البريطانية مسيرة بوتو بأنها هزيلة إذا ما قورنت بمسيرة المعارضة. 

ولا بد لنا هنا من أن نسجل بإيجاز أهم علامات وأحداث الحملة الانتخابية:

١- عندما أعلن عن موعد الانتخابات تقرر أن يكون يوم ۲۱ يناير هو آخر موعد لتقديم الطلبات للترشيح للجمعية الوطنية، و٢٣ يناير للمجالس الإقليمية، فماذا حدث قبل ذلك؟ في المناطق التي ترشح لها زعماء حزب الشعب الكبار قامت الشرطة وقوات الأمن الاتحادية والمسلحون من الحزب بخطف أو اعتقال أو رفع دعاوٍ كاذبة ضد الذين يتوقع أن تقوم المعارضة بترشيحهم، ولقد تعرض نائب أمير الجماعة الإسلامية الأستاذ محمد عباس للاعتقال عندما قرر أن يرشح نفسه عن الدائرة التي رشح فيها بوتو نفسه في مدينة لاركانا، ولم يفرج عنه إلا بعد فوات موعد تقديم الطلبات، وفاز بوتو بالتزكية، كما فاز بنفس الطريقة رؤساء وزراء الأقاليم الأربعة وكذلك حكامها، وبلغ عدد المقاعد التي فاز بها حزب الشعب بالتزكية ٢١ مقعدًا في المجلس الوطني من أصل ۲۰۰، و ٤٠ مقعدًا في إقليم السند من أصل ۱۰۰، وكانت هذه أولى عمليات تزوير الانتخابات بشكل مكشوف.

۲- عندما رأى بوتو قوة المعارضة خلال الأسابيع الأولى من الحملة الانتخابية بدأ يفقد أعصابه، وظهر ذلك جليًّا من خلال تصرفاته:-

أ- فصل واعتقل ما يقرب من ٩٠٠ شخص من الذين قدموا له التقرير عن أحوال المعارضة قبل الانتخابات، وكان من بين هؤلاء رئيس المخابرات العامة الباكستانية.

ب- في إحدى خطبه في لاهور اعترف بأنه يشرب الخمر، وفي خطبة أخرى هاجم المعارضة؛ لأنها ستطبق الزكاة وتمحق الربا، وقال إن المعارضة سوف تجمع الزكاة من الغني والفقير.

ج- لجأ إلى استعمال لغة الشتائم التي يستعملها عامة الشعب للنيل من المعارضة، وخاصة الجماعة الإسلامية التي وصفها بأنها عدوة باكستان المتاجرة بالإسلام، ووصف تجمع المعارضة بأنه تجمع تسعة كلاب. 

٣- احتكار الإعلام من إذاعة وصحافة وتلفزيون، بحيث كانت هذه الأجهزة الثلاثة والتي هي ملك الدولة والشعب، كانت وكأنها ملك خاص لحزب الشعب، والدليل على ذلك:-

أ- في انتخابات عام ١٩٧٠م سمح لكل حزب من الأحزاب المشتركة في الانتخابات بالتحدث إلى الشعب عن برامجها الانتخابية من خلال الإذاعة والتلفزيون، ولقد تحدث في تلك الأيام بوتو نفسه، كما تحدث مجيب الرحمن، والأستاذ المودودي، والمفتي محمود، وخان عبد الولي خان... إلخ -علمًا بأن الحكم كان عسكريًّا في تلك الأيام- أما في هذه الانتخابات فلم يسمح لزعيم معارضة واحد بالتحدث من خلال تلك الأجهزة.

ب- غطت وسائل الإعلام المذكورة وبشكل موسع مسيرات ومهرجانات حزب الشعب، بينما لم تكن تعرض إلا القليل القليل عن مسيرات ومهرجانات المعارضة،فأقامت الجماعة الإسلامية دعوى ضد أجهزة الإعلام لتصرفها هذا، فحكمت المحكمة ضد تلك الأجهزة، وقالت في حكمها إن على أجهزة الإعلام أن تعامل الطرفين معاملة متساوية، وتعطي نفس الوقت لتغطية مسيرات ومهرجانات المعارضة، وعلى التلفزيون أن يعرض خطب زعماء المعارضة صوتًا وصورة بدلًا عن الصورة فقط مع تعليق المذيع الهزيل -في حين أن خطب زعماء حزب الشعب كانت تعرض صوتًا وصورة-، وتستأنف الحكومة الحكم فتقرر محكمة الاستئناف أنه يترك لأجهزة الإعلام حرية التصرف حسب الظروف الفنية وتوفر المواد الخام للعرض...

ج- كانت صور وخطب بوتو وقادة حزبه تغطي الصفحات الرئيسية للصحف، بينما كانت خطب وصور مهرجانات المعارضة تغطى الزوايا الضيقة من الصفحات الداخلية لتلك الصحف المراقبة.

ولقد كانت هذه التصرفات دليلًا آخر على التزوير؛ لأنه بهذه الطريقة كانت الأجهزة التي يملكها الشعب تعرض آراء طرف واحد دون إتاحة الفرص للطرف الثاني لإيصال آرائه إلى الجماهير.

ولكن وعلى الرغم من كل هذا التضييق على المعارضة ومحاربتها إعلاميًّا، فإن صوت وآراء قادتها كانت تنتشر في كل مكان، وذلك لأن الجماهير كانت تسارع إلى حضور مهرجاناتها الانتخابية، وتنقل ما تسمع إلى البيت.. والمكتب.. والمعمل.. والمستشفى.

٤- انضم الجنرال عبد الله نيازي -قائد القوات الباكستانية في باكستان الشرقية أيام الحرب الأخيرة مع الهند- إلى حركة المعارضة، وحمل بوتو مسؤولية سقوط دكا وانفصال الجناح الشرقي نتيجة لتصرفاته، وخاصة في مجلس الأمن الدولي أثناء مناقشة الوضع في باكستان الشرقية، حيث مزق الأوراق وخرج من قاعة المجلس في الوقت الذي كان فيه ذلك المجلس على وشك اتخاذ قرار لوقف إطلاق النار وإقامة هدنة قبل سقوط دكا.

فرد عليه بوتو محملًا إياه المسؤولية، فما كان من الجنرال نيازي إلا أن تحدى بوتو أن يظهر معه في مناقشة على شاشة التلفزيون أمام الشعب، أو أن يقدمه إلى محكمة عادلة حتى يکشف أسرار سقوط باكستان الشرقية، فأجاب بوتو أنه لا وقت لديه الآن، وسيكون ما طلبه نيازي بعد الانتخابات!

استغل حزب الشعب أجهزة الدولة وسلطتها لصالحه، فلقد كانت تصادر الشاحنات والباصات والسيارات النقل العامة لتستخدم في مسيرات حزب الشعب، كما أنه تم استعمال مئات السيارات الجديدة التي تنتجها مصانع الدولة في كراتشي -تلك المصانع التي أحرقت بعد الانتخابات، واتهم بوتو المعارضة بالقيام بذلك، إلا أن المعارضة أكدت أن حزب الشعب هو الذي قام بذلك لتغطية سرقة أعضائه لسيارات تلك المصانع التي لم تعد إليها بعد استعمالها في مسيرات الحزب-.

الرابط المختصر :