العنوان قبل الانتخابات البرلمانية التركية
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1995
مشاهدات 77
نشر في العدد 1180
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 19-ديسمبر-1995
- الاستطلاعات: الرفاه ۲۳%، الطريق ۲۱%، الوطن ١٧.٨% اليسار الديمقراطي ١٦%
- إسرائيل تطالب أوروبا بدعم «تشيللر» لعرقلة الرفاه
من المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية التركية المبكرة يوم الأحد المقبل الموافق ٢٤ ديسمبر الجاري، وسط مخاوف داخلية وخارجية من احتمال فوز حزب الرفاه ذى الاتجاه الإسلامي بالمركز الأول، إذ إن المفاجأة المتوقعة الوحيدة في تلك الانتخابات وفقًا لتقارير السفارات الغربية هي في تمكن الرفاه بالفوز بنسبة كبيرة تمكنه من تشكيل الحكومة منفردًا، أو مجيئه في المركز الثاني.
إذ لا خلاف مطلقًا في احتمال أن يحتل المركز الأول بنسبة تتراوح بين ٢١- ۲۲% يليه حزب الوطن الأم، ثم اليسار الديمقراطي، وفي المركز الرابع حزب الطريق القويم، وهي الأحزاب التي ستتمكن فقط من تجاوز عقبة الـ 10% من الأصوات على مستوى تركيا وفقًا لنظام الانتخابات في تركيا.
والدليل الأكبر على أن حزب الرفاه هو المنافس الأول للجميع هو أن السيدة «تانسو تشيللر»- رئيسة الوزراء زعيمة حزب الطريق القويم، أعلنت عدة مرات آخرها يوم ١٩٩٥/١٢/١١م في برنامج متلفز على قناة «شو - تي - في» ضم كل من زعماء الوطن الأم والشعب الجمهوري، بأن منافسها الوحيد هو الرفاه وهو ما كان يلاحظ زعيم الوطن الأم قد صرح به عدة مرات أيضًا بل إن «بولنت أجاويد» -زعيم حزب اليسار الديمقراطي- والعدو اللدود للرفاه أشار إلى أن حزبه سيحتل المركز الأول وسيليه الرفاه ثم الوطن الأم وفي المركز الرابع سيأتي الطريق القويم، كما أن كلًا من الشعب الجمهوري والحركة القومية لن يصلا إلى نسبة الـ ١٠%، وأنه على استعداد لعمل ائتلاف حكومي مع جميع الأحزاب عدا حزب الرفاه.
بل إن «تارهان أردم» -رئيس شركة «كوندا» لأبحاث الرأي العام- يرى أن هناك تراجعًا في شعبية الطريق القويم، وأن معظم الأصوات التي تنسحب من دعمه تذهب إلى الوطن الأم، وحول الرفاه يقول بأن هناك هزة حاليًا، ولكنه لا يواجه هبوطًا بالمعنى المفهوم.
أما «بولنت تافلا» -من شركة بيار جالوب لأبحاث الرأي العام- والمرشح على قائمة حزب اليسار الديمقراطي، فيرى أن حزبه والوطن الأم سترتفع شعبيتهما في الفترة المقبلة.
إلا أن قراءة «عصمت بركان» -من أعداء الرفاه- في صحيفة «يني يوزيل» يوم ۱۲ ديسمبر ١٩٩٥م -صحيفة علمانية ماسونية- لمجموعة من استطلاعات الرأي العام، أكدت حصول الرفاه على المركز الأول بنسبة ما بين ٢١- ٢٣% يليه الطريق القويم ۲۱%، وإن كانت استطلاعات سابقة عرضها نفس الكاتب أشارت إلى أن الطريق القويم سيحصل على ١٢% ليحتل بذلك المركز الرابع، وتراجع الوطن الأم إلى ۱۷.۸% بعد أن كان في المركز الثاني ۲۰% أو اليسار الديمقراطي فهو في نفس المركز الثالث بنسبة ١٦%، أما الحركة القومية فنسبتها 9% والشعب الجمهوري ٤%.
وأضاف «بركان» أن استطلاع السفارة البريطانية يشير إلى أن الطريق القويم سيحتل إما المركز الثالث أو الرابع، وهو ما يتفق حول استطلاع لأحد المجموعات الاقتصادية، وبالطبع لم يختلف أي من الاستطلاعات السابقة حول تصدر حزب الرفاه المركز الأول.
استطلاع المجتمع
ووفقًا لعينة عشوائية للرأي العام التركي استطلع رأيها مراسل «المجتمع» أجمعت على أن شعبية الرفاه الجارفة توقفت حاليًا لسببين:
أولهما: عدم ترشيحه لأى امرأة رغم اعتراف الحزب بأن النساء كانت وراء نجاحه في الانتخابات المحلية مارس ١٩٩٤م إذ لم تقتنع النساء بدفاع الحزب الخاص بأنه لم يرشح نساء لأنه لا يريد دخول معركة الحجاب، وأنه إذا كانت نساء الحزب قد اقتنعت بوجهة نظر الحزب، فإن الأخريات غير المنتسبات للحزب يقفن في حالة تردد، وهو ما سيؤثر على الحزب وإن كانت الكثيرات من السيدات يؤثرن الرفاه، لأنه من وجهة نظرهن سيغلق الملاهي والبارات، وبالتالي يسترحن من المشكلات الاجتماعية المرتبطة بها خاصة وأن الرجال الأتراك يميلون لاحتساء الخمر وما يتبعه.
وثانيهما: هو الموقف المائع للحزب من موضع الفائدة في البنوك الخاصة، فاعتزامه عدم إلغاء الربا الفائدة، بعدما كان يعلن أنها حرام جعلت القاعدة الشعبية المسلمة تشكك في مصداقية الحزب، إذ قال أحد الملتحين المؤيدين للرفاه ما دامت الفائدة «الربا» ليست حرامًا فلماذا كان يردد الحزب بأنه سيرفعها وسيلغيها من قبل، وبالطبع لم تعترف تلك الشريحة ولم تتفهم موقف الحزب الذي يتعامل مع الواقع ويحاول تطويعه للإسلام، ولم تكتف بتصريحات «عبد الله جول» -الأمين العام المساعد للحزب- بأنهم في حالة وصولهم للحكم سيلغون كافة القوانين المخالفة للإسلام.
وهناك سبب ثانوي ترفعه الشريحة المحايدة، وهو أن ترشيحات الحزب تشير إلى أنه ليس حزب كتلة كما كان يحاول أن يفعل ونجح فيه بالفعل إذ لم يرشح أرمن أو مسيحيين أو لا دينيين.
وبالطبع يحاول الحزب حاليًا من خلال اللقاءات الشعبية توضيح أسباب ذلك للجماهير المتعلقة ببرنامج الحزب المعروف باسم النظام العادل.
كما أن استطلاعات الرأي التي أعدتها السفارات الغربية في أنقرة، والتي أجمعت على تقدم الرفاه وضرورة عرقلة؛ ذلك لضمان المصالح الغربية في المنطقة- كانت وراء موافقة البرلمان الأوروبي على دخول تركيا الوحدة الجمركية بعد صراع دام ٣٠ عامًا.
دعم إسرائيل «لتشيللر» لعرقلة الرفاه
ووصل الأمر إلى أن «شيمون بيريز» -رئيس الوزراء الإسرائيلي- طلب في خطابات أرسلها إلى كل من رؤساء وزراء إسبانيا والنمسا ورئيس حزب العمال البريطاني، والذي في أيديهم كتلة مهمة من أصوات النواب الاشتراكيين كانت تعارض دخول تركيا، طلب منهم في خطابات يوم ١٩ نوفمبر الماضي وكشفت صحيفة يني «يوزيل» النقاب عنها يوم 6 ديسمبر الجاري أن تدعم الدول الأوروبية تركيا التي تقوم بدور إيجابي ضد الأصولية الإسلامية، وأنه يجب على الغرب بذل المزيد من الجهود من الناحيتين السياسية والاقتصادية لضمان استقرار تركيا العلمانية واستمرارها قوية وأثر تلك الجهود هو قبول عضويتها في الوحدة الجمركية.
كما أن الكاتب البارز والخبير في شئون الاتحاد الأوروبي «محمد علي بيراند» كان قد كتب مقالًا عنوانه «يجب شكر الرفاه»، أشار فيه إلى أن تقدم حزب الرفاه وراء قبول تركيا في الوحدة الجمركية، ولذلك يجب تقديم الشكر له لأنه هو المسؤول عن ذلك وليس بسبب جهود «تشيللر وبيقال»، إذ إن الغرب بدعم من واشنطن أراد تقديم نصر سياسي تاريخي «لتشيللر» لتوظفه في الانتخابات العرقلة حزب الرفاه الرافض للوحدة الجمركية.
انتصار حزب الرفاه هو أن معظم المراسلين الأجانب يريدون مواعيد من «نجم الدين أربكان»؛ للتحاور معه حول المستقبل والعلاقات مع أوروبا، وآخر اللقاءات كان حوار مذيعة محطة ZDF الألمانية مع «أربكان» يوم ١٠ ديسمبر الجاري، وسألته بشكل واضح هل سيقطع حزب الرفاه العلاقات مع أوربا في حالة وصوله إلى الحكم؟ فأجاب: بأي مناسبة؟ وأضاف بأن تركيا تريد أن تقف قوية على قدميها في مواجهة أوروبا.. أي المعاملة بندية.
السلام القائم على القوة
وبالطبع فإن مخاوف الغرب تستند إلى تصريحات «أربكان» الذي يهاجم فيها «تشيللر» التي تطلب العون من الغرب ضد حزب الرفاه، ففي اللقاء المتلفز يوم 11 ديسمبر ١٩٩٥ قال «أربكان» في حواره مع القناة السادسة التركية أنه سيفتح إسطنبول، وفي المقابل تطير «تشيللر» إلى الغرب مثلما فعل الإمبراطور البيزنطي تطلب المدد في مواجهة جيش «الفاتح»، تفر إلى «كلينتون وكول» تطلب المساعدة لأن الرفاه سيرسل جنود الإسلام إلى «فينيا» ذات يوم، ويؤكد «أربكان» قوله بأننا إذا وصلنا للحكم -أي الرفاه- فلن نرسل جنودًا إلى «فينيا»، بل سنرسل السلام القائم على القوة.
وقال يوم ١٠ ديسمبر في سينوب لن نذهب إلى «بطرس غالي» لطلب المدد، ولكنه سيأتي إلينا بطلب الإذن منا كما كان يتم منذ أكثر من ألف سنة، وأنه لا توجد قوة يمكنها تغيير التاريخ، فحزب الرفاه فاز بإسطنبول وأنقرة وغدا سيفوز بتركيا وبعدها بالعالم، وأشار في رده في نفس اليوم أن أحدًا لن يمكنه وقف الرفاه.
وفي نفس الوقت لا يمل زعماء الأحزاب التركية في إخافة الشعب والغرب من احتمالات فوز الرفاه، فها هو «بولنت أجاويد» -زعيم حزب اليسار- يشير في تصريحات إلى أن الرفاه سيعيد تركيا إلى الوراء مثل إيران، «وتشيللر» تقول إذا ذهبت سيأتي الرفاه وكأنه ليس حزبًا سياسيًا معترفًا به.
إلا أن «صاكيب صابنجي» صاحب أحد المجموعات الاقتصادية التركية العملاقة قال «لتشيللر» التي تقوم بتشويه أعمال الرفاه: «اسكتي يا هانم.. أنت فقط تتكلمين وهم يعملون».
المتاجرة بالإسلام
وفي مواجهة كل ذلك تقول «تشيللر» لجلب عطف المسلمين بأنها مسلمة فيرد «أربكان» قائلًا يوم ۱۱ ديسمبر: «إن «تشيللر» لا تعرف حقائق تركيا مثل التي جاءت من المريخ، فأمك وجدتك كانتا محجبتين بينما تعملين على كشف رؤوس المحجبات على أبواب الجامعة، تشيللر هانم مسلمة، ولكن ألن يذهب المسلم إلى جهنم يذهب بالطبع إذا ما اقترف الذنوب، إذا كان لديك شعور وحس إسلامي فإنني أدعوك إلى العودة إليه».
عمومًا فإن الجميع حاليًا يتأهب لمواجهة فوز الرفاه المحتمل وإن كانت العواصم الغربية ما زالت مكتومة الأنفاس انتظارًا للنتيجة، إذ إن ردود فعلها ضد الرفاه إذا ما ظهرت حاليًا فإنها ستعود بالنفع عليه خاصة مع احتمال دعم القوميين له إذا ما وجدت الأصوات القومية صعوبة وصول حزب الحركة القومية إلى نسبة الـ ١٠%.