العنوان ملف تونس.. القضية الإسلامية في تونس أزمة النظام البورقيبي الحلقة الثانية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1980
مشاهدات 71
نشر في العدد 505
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 18-نوفمبر-1980
• سئل بورقيبة عن النظام فقال: أنا النظام!
• الاتجاهان البديلان لـ بورقيبة: استمرار في الجوهر وتغيير في الشكل ؟!
• المعركة الحقيقية بين التشكيلات البورقيبية وقوى المعارضة الشعبية
نشاط الإخوان المسلمين يشمل النوادي والمراكز الاجتماعية والجمعيات الخيرية والمدارس والجامعة.
هذه الحلقة الثانية من ملف القضية الإسلامية في تونس مهدنا لها في الحلقة الأولى بخلفية تاريخية عن هذه الدولة
هذا الملف يعتبر دراسة وافية مستفضية تكتب بإطار موضوعي أكاديمي، وتسلط الأضواء على الجوانب الخافية والخافتة، مما يدور بتونس ومما يمس القضية الإسلامية
سألت صحيفة « لوموند» الفرنسية بورقيبة عن طبيعة نظامه السياسي، فأجاب : النظام؟ أنا النظام. وفي إجابة بورقيبة هذه الموجزة البسيطة المدببة تكمن أزمة النظام السياسي في تونس، هذا النظام الذي يشن وبشكل يومي وسافر حربا على الإسلام وفي كل مستويات المحاربة، كانت مهمة النظام البورقيبي الأساسية في الخمسينيات والستينيات هي المحافظة على تونس المستقلة المتميزة المتطلعة إلى ما وراء البحر، أي باتجاه أوروبا وبالذات فرنسا، وكان الغرب«الولايات المتحدة وأوروبا الغربية» يرى في تونس بورقيبة معبراً إلى أفريقيا العربية سواء من الناحية العسكرية في مراحل الاحتلال أم في الناحية الاقتصادية بأسلوب الاستعمار الجديد، أو ممرا واسعا للغزو الفكري والحضاري، وهو أحدث وأخطر ألوان الاستعمار والذي يلعب بورقيبة دورا أساسيا في خدمته، لكن كل ذلك لم يجد نفعا في عملية عزل تونس أو تأجيل حلول مشاكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية، على مدى ذلك كله بقي بورقيبة أو أبقى نفسه رمزاً لماضي تونس الممتد إلى حاضرها ومستقبلها في محاولة إلغاء أو إيقاف على الأقل، وكان ذلك يستدعي - من وقت لآخر - التخلص من بعض الأعوان أو الدعائم التي يرتكز عليها النظام بعد أن تلصق بها تهم الأخطاء أو الانحراف عن النهج السوي، ويقدم بورقيبة قرابين تؤدي إلى امتصاص نقمة وتبرم القاعدة الشعبية العريضة فيما تتولى أجهزة «البوب» - كما يسمونها - أي قوات الطوارئ إخماد البعض الآخر.
لقد كان أحمد بن صالح واحدا من هذه القرابين في مرحلة والمستيدي في مرحلة لحقتها ثم محمد المصمودي في مرحلة أخرى. ولكن كل ذلك لم يكن إلا تأجيلا لعملية الانفجار التي سبقتها عمليات كبيرة من القمع والاغتيالات السياسية التي كان وراءها دائما بورقيبة طاغية تونس وامرأته « وسيلة !!» حمالة الحطب .
- في تونس اليوم هناك معركتان تدور رحاهما في آن واحد، تتشابك فيهما القوى وتتداخل الحركة ومحور ذلك كله أو معظمه هو مسألة خلافة بورقيبة الذي بلغ من الكبر عتيا .
المعركة الأولى : بين طرفين من النظام يقف الهادي نويرة ومحمد يحل التناقضات بل إن كلاً منهما يعتبر استمراراً لنظام بورقيبة ودعما له ولاستمراريته إلى أطول فترة ممكنة وكلا بأسلوبه ونظرته.
والمعركة الثانية: بين الطرفين السابقين للنظام من جهة، وبين القوى السياسية الأخرى التي تقاسمت القاعدة الشعبية بنسب متفاوتة من جهة أخرى، ومن أهم هذه القوى الحزب الشيوعي التونسي، الإخوان المسلمين، الديمقراطيين الاشتراكيين . حركة الوحدة الشعبية. إن هذه القوى- بغض النظر عن تصنيفها - تنظر إلى الأمور نظرة مغايرة، وترى أن في استلام الطرف الثاني بن صالح والمستيدي والحبيب عاشور والآخرين مجرد مرحلة تمكنها أن تحقق خطوة أو أكثر على طريق التغيير الجذري المنشود، ولذا فهي تبدو مؤيدة لهذا الجناح خاصة بما يطرحه من شعارات، تحقق حدا مما هو مطلوب وبصورة أخص في مجال الانفتاح الديمقراطي.
لقد بدأ الصراع السياسي يظهر بجلاء بين الأطراف السياسية المذكورة آنفا، عندما طرح أسلوب الحكم للمناقشة في مؤتمرات الحزب الحاكم. السؤال المطروح: هل يستمر نظام بورقيبة على نفس الأسلوب ؟ أم أن هناك قوى ومعطيات طرحها التطور
لابد من أخذها بعين الاعتبار والتجاوب معها، ونقد الماضي والوقوف بتكريسه عن هذا الحد؟ وبوضوح أكثر: هل يمكن للنظام البورقيبي أن يستمر بنفس النهج ويحل المشاكل القائمة، أم أن الأمر أصبح يستدعي التطوير، بدءا من مشكلة الديمقراطية وكيفيات التطبيق وإفساح المجال أمام الجيل الحاضر الذي تراكمت قدراته، فتراكمت معها مشاكله بالسدود والحواجز التي أقامها أمامه نظام بورقيبة الدكتاتوري ؟ بدون تردد انتصب الهادي نويرة رئيس الوزراء السابق مدافعا عن النظام وأسلوبه ونهجه، زاعما أنه النظام الأمثل وأن المطالبة بالديمقراطية في مجتمع كالمجتمع التونسي إنما هي دعوة إلى الفوضى التي يستحيل في ظلها أي تقدم، بينما الطرف الآخر مسألة التطوير -وضرورته من داخل النظام نفسه.
واحتدمت المعارك تحت هذا الشعار، وكان لابد للقوى التي تشكل التركيب التحتي والحقيقي لمادة وأداة الصراع أن تحدد موقفها إلى جانب- كان بالطبع - هو جانب الحبيب عاشور والمستيدي وأحمد بن صالح وشركاؤهمـ ليس لأنها تلتقي معه في النظرة إلى الأمور أو ترى فيه حلا لمشاكلها، وإنما لأنها ترى فيه مرحلة تعتقد أن بإمكانها أن ترتب أوضاعها خلالها بما يسمح لها بالتقدم، وربما إلى استلام زمام الأمور، ولقد ظهر طرف الهادي نويرة المتشدد، وكأنه قد سيطر على الموقف معتمداً على القمع وزج بمعظم معارضيه في السجون بقوة الجيش والشرطة. ولكن هل يعتبر هذا حدا وقف عنده الصراع، ولو لمرحلة من الزمن؟ وجاء تعيين محمد مزالي رئيسا للوزراء خلفا للهادي نويرة فقط لتأجيل المعركة الحاسمة بين النظام ومعارضيه العديدين.
-المعارضة الوحيدة المسموح بها حاليا وفي ظل وزارة محمد مزالي هي تلك التي تتمحور حول جماعة السيدين أحمد المستيدي وحسيب بن عمار وهذه الجماعة لها جريدتان أسبوعيتان، الأولى ناطقة بالعربية واسمها «الرأي» والثانية ناطقة بالفرنسية واسمها «الديمقراطية» وهاتان الجريدتان - وبتخطيط من بورقيبة نفسه - مفتوحتان بشكل عام أمام المعارضين على يسار السلطة، وعلى الخصوص جماعة «الديمقراطيين الاشتراكيين» و «الشيوعيين» و حركة الوحدة الشعبية» التي تدافع عن أفكار أحمد بن صالح الوزير السابق الاشتراكي النزعة في الستينيات .
وبن صالح يعيش اليوم في المنفى متنقلا بين باريس وجنيف وروما، أما أحمد المستيدي الذي كان في وقت سابق وزيراً للداخلية ،فقد عاد لممارسة مهنته المحاماة. وعلى هامش هذه المعارضة شبه المنظمة هناك بعض الأسماء التي يمكن ضمها إلى اللائحة ذاتها، من هذه الأسماء السيد محمد المصمودي صاحب المشروع الوحدوي مع ليبيا عام ١٩٧٤ و «اتفاقية جربا» التي ولدت ميتة بين القذافي وبورقيبة. ومن المعروف أن للمصمودي مصالح وشبكات تجارية واسعة مع ليبيا، وهو يعيش اليوم في شبه من الإقامة الجبرية في ضاحية من ضواحي تونس العاصمة، أما الاسم الأخير في هذه المجموعة من الشخصيات المعارضة فهو الحبيب عاشور الرئيس السابق للاتحاد العام للعمال التونسيين، أو كما يسمى هناك الاتحاد العام التونسي للشغل والمحكوم بعشر سنوات سجن بتهمة إثارة اضطرابات ٢٦ يناير ١٩٧٨ والذي أطلق سراحه مؤخراً بعد العفو عنه .
والحبيب عاشور يرأس الاتحاد التونسي للشغل منذ عدة سنوات، وهو نقابي معروف في الأوساط العربية والدولية، واستطاع أن يبني إلى جانب الحزب الحاكم، وفي مواجهته منظمة نقابية تضم نصف مليون عامل في عضويتها، ولها مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية، ولها نفوذها في مختلف الأوساط الشعبية، وفي مجال المقارنة - فقط كمثال - فإن صحيفة «الشعب» الناطقة باسم الاتحاد توزع ما لا يقل عن ٧٠ سبعين ألف نسخة أسبوعيا، في حين أن صحيفة «العمل» الناطقة باسم الحزب الحاكم بورقيبة يكاد لا يصل توزيعها إلى الستة آلاف يوزع نصفها مجانا من قبل وزارة الإعلام.
من هنا يمكن فهم أبعاد الصراع بين الحكومة وبين الحبيب عاشور رئيس الاتحاد العام للشغل ،مؤيداً من قاعدة عمالية وشعبية واسعة، ومن الجدير بالذكر أن نؤكد هنا أن الحبيب عاشور كان إلى وقت قريب عضوا في المكتب السياسي، وفي اللجنة المركزية لحزب بورقيبة الحاكم، وعندما فشل في إقناع الحكومة بأهمية استقلالية الحركة النقابية التونسية عن الحزب الحاكم، كما أنه لم يتمكن من تأمين العمل لآلاف العاطلين وزيادة الأجور بنسبة الارتفاع الهائل في الأسعار.
عندما وصل في مساعيه إلى الحائط المسدود لم يجد بدءا من الاستقالة من مسؤولياته في الحزب الحاكم، معلنا في الوقت نفسه: «أننا سنواصل انفتاحنا للحوار النزيه مع الحزب والحكومة، رغم قناعاته التي أصبحت راسخة أنه لا يمكن الخروج من الأزمة مادام يحكم البلاد ثلاثة أشخاص». وعلى الرغم من أن بورقيبة قد أعاد ترتيب أوضاع الاتحاد وقياداته فإنه مازال يشكل بؤرة التوتر الأساسية في الوضع التونسي الحالي، هذا بالنسبة لتحركات الشارع اليساري، ولكن المعارضة بدأت تبرز وتشتد في الشارع الإسلامي عن طريق جماعة الإخوان المسلمين التي مدت نفوذها إلى العديد من النوادي والمراكز الاجتماعية والجمعيات الخيرية والجامعة التونسية والمدارس. وتتبنى هذه الجماعة الثورة الإسلامية على الطريقة الخمينية. يبقى السؤال الأخير إلى أين ستصل البورقيبية بعد بورقيبة وسط هذه الأمواج المتلاطمة؟
السؤال هذا أجاب عليه بورقيبة نفسه عندما سئل عن طبيعة النظام السياسي في تونس فقال : النظام ؟ أنا النظام.
وكأنه يقول إن النظام سينتهي بهلاكه، فاللهم عجل وأرح الناس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل